لا تركض في الاتجاه الخاطئ الصفحة 2 من 3

بواسطة: د. صفاء رفعت

تعلَّم ... فبالعلم تفيق من توهان فكرك وصخب خواطرك وتهويمات خيالك، بالعلم تنقشع سحابة الحيرة عن عقلك وقلبك فيجلو فهمك وتعرف الأجوبة المسكتة على كل وسوسات نفسك... تعلم لتعرف من أنت ولم أنت وفيم أنت ومن أوجدك وفيم ولم وإلى أين المسير... تعلَّم فبالعلم تهدأ نفسك من شجو الشجون وتبرأ من حزنها المزعوم وهمها المشحون في غير خير منشود حتى سلبها غمها الرضا والسكون... تعلم... ففي النفس فراغ لا يملؤه إلا العلم النافع الذي يأخذ بيد الروح إلى مولاها، ويعالج اضطرابها ويبرد أوار نارها، ويدلها على معراجها في سماء النور.. تعلَّم... فبالعلم تتحقق إنسانيتك، بإضاءاته في سريرتك وسلوكك، ومسلكك في الحياة ومنهاجك، وفهمك لها ولغاياتها الأولى ومستقرها الأخير، وقيمتها ومعناها، ومعنى وقيمة كل ألم وفرح وكل جرح وترح فيها... كل عزِّ وذلة وكل ضعة ورفعة وكل غنى ومسغبة وكل سلم وحرب وكل صراع ووفاق وكل نضرة في زهرتها وكل صفرة في هشيمها الحصيد... تعلَّم.. فبالعلم يتحقق إيمانك المتين بربك وتتحقق عبوديتك لله العلي الكبير سبحانه، فإذا ءامنت على بصيرة، فقد دخلت في حمى الملك العزيز، وإذا دخلت في حمى الملك فقد أمنت... تعلَّم لتعمل...ليحسن خلقك فيحسن عملك وطابعك وطبعك، لتصلح قلبك وتقوم خطوك وتنجو بنفسك من سنيِّ التيه... * أما آن للنفس أن تؤوب وتبكي وتخشع وتهدأ وتجلس بين يدي محاسبة الذات ساعة وتتوقف عن الهرولة واللهاث في طريق لم تعد تذكر أو تتبين من الذي خطه لها وأين، ولا كيف ارتضته واتخذته خطة حياة وتقرير مصير، لا تحيد عنه ولا تستبصر فيه بدليل منير ... أما آن لها أن تمتلأ خشية ورهبة، وتتوقف لتتدبر في سياق العمر لحظة وتراجع وتبصر بعين اليقين مصائر من مرَّ قبلها بين يديها بسبيل مقيم... أما آن لها أن تعتزل كل صخب الحياة وخداعها ساعة، وتتلمس في قاع حيرتها الأسئلة وتنصت لآي الكتاب لترى ما لم تره، ما لم يتح لها في وهم الانشغال والزحام الزائف أن تراه... * كأني بالنفس في سباق كبير شامل للسير، كالماراثون، وكأني بها تلهث وتهرول، وتهرول وتلهث في قطع المراحل، كل دقيقة تضيع تفوّت فرصة في اللحاق بخط النهاية المرصود في الظن... وفي هذا اللهاث المحموم ربما تسقط أشياء صغيرة لا يلقي لها العابر المشغول باله ولا يدري أن في تفويتها وباله... في أحد سباقات الماراثون كان المتسابق الفائز هو الشخص الوحيد الذي وصل إلى خط النهاية، لم يصل أي من بقية المشاركين الألف لنقطة النهاية، ولم يكن الفائز الوحيد الذي أكمل السباق أوفرهم قوةً ولا نضالاً ولا صموداً ولا دأباً في السعي، فكلهم كان يجِدُّ في المحاولة، لكنه كان الشخص الوحيد الذي سلك الطريق الصحيح بينما ظل الباقين يركضون في الاتجاه الخاطئ... إن الخطأ الذي تتهاون به في مراحل الطريق يشبه انحراف المكوك عن مسار انطلاقه بزاوية ضئيلة جدا أقل من جزء من المائة من الدرجة الواحدة.. لكن هذه الانحراف الطفيف الذي يوشك ألا يلحظ سينتهي به مع اتساع محور الانطلاق في الجو لأن يهبط منتكسا في أعماق المحيط ولما يقطع في رحلته الموسومة شيئاً قط... لا تركض في الاتجاه الخاطئ... ومهما كنت في انشغال محموم فلا تنخدع به، إنما هو وهم النفس لك أن لا وقت لديك للمذاكرة، لا تلهث على ذات المحور المفقود... في هرولة الأيام والليالي لا تذعن النفس غالباً لكل تلك النداءات الخافتة التي تأتيها من عمق بعيد داخلها لتهاب وتتدبر وتتساءل في لحظة تقى وصفاء: فيم كل هذا ؟... هو سباق الماراثون الكبير... والكل مشترك فيه مسبقا وبتلقائية، لا أحد يريد أن تفوته الفرصة في اجتياز خط الكمال المحدد سلفا، قالب إسمنتي لحياة إسمنتية، حياة لا حياة فيها، لا حياة للقلب فيها، مصنع للمعلبات تدخل فيه الأجيال زرافات وأفراد، يدخل الجميع اختيارا، ولا يرفضون ألم العجن والفرد والقطع والتجميد والتسخين واللف والتقريص والتعليب والتغليف والختم والترقيم، وتدور العجلة من جديد لتنتج نسخا لا عدَّ لها من نفس الحياة المعلبة المحفوظة، هنا شهادات أساسية ثم ثانوية ثم عليا ، وهنا وظيفة ودخل يجتهد صاحبه في ترقيعه ليواكب احتياجاته التي لا يحتاج إليها، وعمل آخر للإرتقاء بـ 'المستوى '، وزيجات مرسومة بالطبشور والمساحيق والمقبلات، زيجات عسيرة متعسرة لأنها تتكلف مالم يكلف به الله العباد، فتوشك أن تنمحق فيها البركة، ماديا ومعنويا، بالتكاليف المنقوطة في عرف المجتمعات الأسمنتية، والمواصفات المطلوبة لترضى العروس وأهلها والمتقدم وأهله عن الطرف الأخر طولا وعرضا وشكلا وراتبا ووظيفة ومظهرا وموقعا وتاريخا وتفصيلا وتقريعا وتلفيقا وترقيعا عن الطرف الآخر المسكين والظالم في آن معا، وتقديس غير مفهوم لطقوس العشيرة، وأولاد وبنات، وشقق فارهات، وأثواب وحلي وأثاث ورياش يسد حاجة قبيلة لا أسرة، ومتاع آخر لا تحتاجه القبيلة، ومدارس خاصة للأولاد، الرقي يقتضي أن تكون أعجمية، لا يهم القرءان يحفظونه في الأجازة، لغات الأعاجم أهم، ليتم مسخ الصغار وبرمجتهم أكثر مما مسخ الكبار، ودروس خصوصية بعد المدرسة العمومية، وبلاي ستيشن...'محطات اللهو'!، وشات وشتات، وتدريب في النوادي عشية اليوم، وتلفاز وانترنت بقية اليوم الضائع بين مطرقة المدينة وسندان الفضائيات المسمومة، وسيارة حديثة، ثم تبديل السيارة الحديثة بأخرى حديثة، ثم أخرى ، وبيت آخر للعطلات الساحلية، واستراحات خلوية، وتنافس في اقتناء أحدث أجهزة الهواتف النقالة لكل فرد في العائلة، ثم تبديلها بأخرى أحدث، وأخرى أكثر جاذبية وبمميزات موسيقية وترفيهية أكثر رقاعة، مع أنه لا حاجة لأي ترفيه في كل هذا... ترفيه الترفيه من فرط الترفيه....ثم .. ثم ماذا... عافاكم الله... أيها السابح في بحر الكرى *** وهو من راحته في تعبِ متى يتوقف كل هذا السيل الجانح الذي جرف معه كل معنى جميل وكل قيمة حقيقة للحياة... ومن الذي سيصل لخط النهاية في هذا المارثون العجيب.. وليست الأمثلة أعلاه للحصر بل ضربا للتشبيه باشتغال القلب بالشواغل، وهناك من عوفي منها كلها أو من كثير منها لكنه يستبدلها بغيرها فهي شغل قلبه، وكثير من أهل الصلاح نسأل الله لهم الهدى والفلاح ينسى مع تعاقب السنين تفتيش قلبه وطريقه وشغله وهل هو على صراط العزيز