لا تركض في الاتجاه الخاطئ الصفحة 1 من 3

بواسطة: د. صفاء رفعت

‘.. وإني لغفار لمن تاب وءامن وعمل صالحا ثم اهتدى ‘

* إذا أدبرت الثلاثون من رمضان، وانحسر بدر الشهر بالأفول فماذا ينتظر المؤمل في عفو ربه وقد أطال عن غايته القعود ولم يطرق في السائلين باب الغفور الودود..

* سريعا سريعا تمر ليالي رمضان كنسمات الصبا، تحمل نفحات من أريج الغضا، وتمضي، وتترك القلب في شوقٍ وإشفاقٍ، وظمأٍ وروعة، ورِقَّةٍ لا تتلبث إلا يسيرا حتى تتفلت عنه في جعجعاء الحياة...

فَلَيتَ الغَضا لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضه***وَلَيتَ الغَضا ماشى الرِّكابَ لَيالِيا

* وكمثل ليلات رمضان الشفيقة، تمر أيام العمر وتطوى مراحله ولياليه..
‘قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ’
وكلما طوى خطو الدهر من العمر ردحاً غاب كأن لم يكن واندرس في عدِّ السنين رسمه.. تخفت ملامح الأيام والليالي، والأعمال والأمالي، وتغيب الأحداث فيما يستجد من الأوقات..
والنفس تنسى، إن لم تذكر.. النفس إن لم تذكر، تنسى..
وتتفلت إن لم تُربَط، وتعتاد على الميل إن لم تُعوَّد على الاستقامة، وتتغافل وتتشاغل عن كل طاعة إن غفلت عنها ساعة، وإلا تهذِّبها لا تتهذب، وإلا تقوِّمها لا تُقوَّم... فإمَّا قمت عليها بالمتابعة حتى يسلس لك منها في الخير القياد، وإما تركتها سائمةً ترعى في كل واد، فأين سبيل الإياب؟..
ولربما تَطَلَّبتها فاستعصت عليك، وتفقدتها بالدليل فجنحت عنك وجافت طريق الرشاد..
من أهمل بدر الزرع فأنى له أن يهنأ بيوم الحصاد..

وداع دعا يامن يجيب إلى الندى *** فلم يستجبه عند ذاك مجيب

* لو تأمل العبد الحائر.. الغشوم الجائر.. كم لمولاه عليه من لطائف تُروَى، ونعمٍ تُعدُّ فلا تحصى، لأناب واستحيا.. ولأذاب الحياء قلبه لله حمدا وخضوعا، ولأراق دمع الشوق والخوف، حبا وخشوعا...


* الظلم ظلمة... ففتش عن ظلمات قلبك... علَّك تتداركها بتوبة تفشي فيها العدل والقسط والنور، ولا تأمنن بجهل عن جهلك، لست معصوما ولا مرابطا، فتنبَّه، واتهم في عزلة النفس نفسك، اتهم في عزلة النفس...نفسك.
حاسبها وراقبها، ولا تترك لها زمامك فتقودك بهواها في مسالك شقواها، فتضل صوابك... ولا تتبعها وتمجدها وتسلم لها بما تراه كأنها طيبة نقية، صالحة معصومة، فما أوتيت كما أوتيت من هذه ..


* وتمهل قبل أن ترمي الناس بأحجار ظنك، وما أوتيت مسبار السرائر، فلربما كان من ترميه بالبخل فقيرا يتعفف، ولربما كان من أحصيت زللـه، واحتقرت عمله، لمَّا رأيت لممه، لربما كان من أهل السبق الذين لا ينتقض باللمم برّهم، ولا يضرهم مع بقية الصدق الحبس عن العمل.. ولربما اتهمت بالتقصير من كان متفضلا بالكثير قبل اليسير...
تواضع لله في نفسك، انشغل بعيبها وعوارها وفند كبرها واستكبارها وأصلح في الله قصدك...
فلو تواضعت لله، لأبصر قلبك، ولخشع لله رأسك وعصبك وجوارحك ونخاع عظمك...


* وتعلم ... قبل أن تشتاق شوق الموت لأن تعلم فلا تعلم...
تعلّم ... قبل أن تتبدل بحالك أحوال تقعد بك عن بلوغ الآمال العظام فلا تزداد إلا حسرة على ما فرطت في فرط الطاقة والوقت...

وتعلَّم... قبل أن لا تعلم من بعد علم شيئاً، ويتراءى لك ما أعددت من يسير العمل وقد حاد عن طريق الكمال، فإذا هو على غير الجادة، أنفقت فيه بضاعة العمر ولم تدر بأنك في سوق البيع مغبون، وقد استسلمت دهرا لوهم ما كان أو سيكون، وقعدت عن صقل بصيرة قلبك لتبصر في نور شمسها للنجاة دربك...

تعلَّم... واطلب العلم من مورده الأصيل ولا تجلس على أرصفة التقليد والتأويل، ولكن، اطلب العلم بالدليل فإن وافق الدليل فهو الحق، وإن شذَّ عنه فعليك بمتين الحق، فأنت به أولى، فدونك الجد في طلبه.. ولا تركنن لدعوى عالم أو زعم متعالم، فقد غادرنا دهر كان لا يتحدث من أهله إلا صاحب قرءان وسنَّة، بل لقد يمسك فيهم صاحب العلم ورعاً ورهبةً من القول بغير بينة ويقين، فأمسينا في أناس امتهنوا الكلام في العلم بكل طارئ من الكلام، بغيرعلم ولا برهان، والاستدلال بأبعد دليل على كل رأي عليل ولو أمعن الصادق فيه بصره رآه لا يدل على ما سيق إليه بسبيل...
اطلب العلم بالدليل، وأقم العلم في حياتك ولا تتركه خلواً عن كل واقع متجافياً عن الحقائق، وكأنه مادة للنقل والتنظير والجدل والكلام ومؤانسة المقال ، وليس في حياة الناس حيا يحيا ولا يقام فيهم ميزانه بحال..

فتعلّم...
تعلم فبالعلم تصقل زجاجة مصباحك لترق وتصفو وتشف وتضيء فترى ما تحتاج لأن تراه مما لن يراه لك غيرك، لن يصفه لك غيرك، ولن يزرع الإيمان به في أعماقك حتى تلمسه ذاتك بعين فؤادك.

تعلَّم.. فبالعلم تتعرف إلى ربك، هي جنّة النفس لو تدري، حين تتعرف إلى مولاك القريب، خالقك الجليل الجميل، الكريم الحليم صاحب المعروف القديم والإحسان العميم، سبحانه..
تعلَّم... ففي العلم سكينة قلبك وطمأنينة نفسك وانشراح صدرك، وقد ضاق بتكاليف الحياة وظلمتها وجهلها وفجورها وغيها وشرورها، فلا انشراح له إلا بعلم نافع يمنحه يقين الحقيقة ورسوخها وقوتها وانبلاجها في ظلمات الجهالة والفساد والاضطراب والتشتت الذي يسود هذا العالم المسكين الحسير المتخبط وكأنه يقتل نفسه بالمباهج المزيفة قبل المهلكات المنهكة...