كتابات مأمون أحمد مصطفى الصفحة 9 من 16

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

اليوم تحدثت مع أخي العامل في ارض الحجاز، سألته عن أخباره، أتاني الصوت
المشروخ والمشظى بالشكوى والخوف، أتاني ليستفز ما بداخلي من هم وغم وكآبة،
أتاني ليفجر في أعماقي ألف ألف عين من الام واو جاع، أتاني عبر الجوال قائلا:
اليوم قدمت استقالتي من العمل، لقد شبعت من الغربة ووحشتها، وفاضت نفسي حنينا
لدفء الأرض والأهل، يكفيني من هواجس النفس وكوابيس الليل رؤية جسدي المفرغ من
الروح مسجى في غرفة مغلقة لا يطرق بابها احد، يكفيني من سواد الرؤى أن تقتحم
انفي رائحة جسدي المتحلل المتعفن، ورؤية الناس وهم يغلقون أنوفهم اتقاء من
رائحتي التي تنتشر بكل مكان، يكفيني رعب هواجس الموت حين اسند راسي على
الوسادة، هواجس حالت بيني وبين النوم عدة أيام.
تعبت من السير على أرصفة الزمن الذي يطارد خطواتي خطوة خطوة، وأرهقت من التنقل
بين شارع يسلمني إلى شارع، وبين سوق يسلمني إلى سوق، وبين وجوه تسلمني إلى
وجوه، خارت أجنحتي من التحليق بالأجواء بين الوطن وبين الغربة، لقد جرحت من
الأفاق بجسدي الناحل ما يكفي لتسطير ملحمة تنتقل بين الأرض والبحر والسماء،
راسي بدا يذوي، وذاكرة الطفولة والشباب في طريق التلاشي والضياع، والدنيا
تسير، بدون توقف، بدون فاصل زمني بين ما كان وما سيكون. الغربة مصت دمي، نهشت
كبدي، مزقت لحمي، فتكت بكل أسرار الألق والبريق المنبثقان من روحي، مخالبها
حادة جارحة، وقواطعها صلبة قاسية، وأنا مجرد حمل يسير نحو المذبح بحبور وجذل.
سأعود إلى هناك، إلى أهلي، إلى ارضي، إلى فلذات كبدي، إلى قبر أمي وأبي،
النقود لم تعد تعنيني، والتجوال على موانىء الزمن لم يعد يغريني، أريد أن أعود
لأضع راسي على بلاط بيت حمل أنفاسي يوم خرجت من رحم أمي للوجود، أريد أن اغسل
جسدي بغيث السماء التي تعرفني واعرفها، وأريد أن القي بهمومي وعذاباتي والامي
على تراب قبر أمي المزروع على تراب وطن حلم بعودتي وحلمت بعودتي إليه، أريد أن
أرى كل شبر، بل وكل جزء من ملاعب الطفولة والشباب، أريد أن اقبل الأرض التي
مرت من فوقها خطوات والدي يوما ما.
أريد أن أموت بين الناس، بين الأهل والجيران، أريد حين تأزف الساعة أن يكون
بجانبي من يشهد غرغرتي ليذكرني بالتشهد، وحين تفيض الروح إلى بارئها أن تسبل
عيني برفق مرفق بالدموع والحزن والشجن على إنسان مر فوق هذه الأرض ومن بين
الناس.
قال ذلك وصمت.
كان ينتظر مني جوابا، ولكني كنت اشد صمتا من قبر موغل في القدم. جاء صوته من
جديد: هل تسمعني؟
أغلقت الخط، كانت الدموع تجري وتتلاطم على وجنتي، دموع سخية حارقة، تتلوى على
الذقن تلوي عربيد جريح، وبدت الدنيا أمامي محملة بالغيم المشحون بالسواد
القاتم، صدري يخض كزجاجة متدحرجة على منحدر رملي، والليل المتواصل يجول
بأعماقي وأحشائي، وجيوش من نمل شرس تتحرك بأوردتي وشراييني، وصورة الموت قفزت
لتستقر بين العينين كنصب اثري.
أخي، أتعبته الغربة في ارض الحجاز، ارض النبوة والصحابة والتاريخ والقرآن، ارض
المسجد النبوي والمكي.
فماذا أقول أنا؟
أنا الملقى على حافة الكون، على نهاية العالم، حيث الجليد يمسك بالأرض من كل
جهاتها، والظلام المتتالي الطويل يلف المدن والقرى والمساحات بغلالاته القاتمة
السواد، ماذا أقول وأنا اقبع تحت قبة سماء في أقصى الشمال الأوروبي، حيث لا
مساجد تحمل شكل المساجد ورائحتها، حيث لا آذان، ولا مذياع ينتصب في احد
الشوارع والأزقة يتلو آيات من الذكر الحكيم.
لك الله يا أخي، فقد أثرت في النفس فزع الموت البعيد عن مرقد الآباء والأجداد،
ونكأت في الروح مكامن الهواجس والتوتر، وقررت من حيث لا تعلم، أن تضعني على
حافة الألم والعذاب، أن ترد ذاكرتي إلى مرابع الطفولة وأيام الشباب، وان توقظ
في النفس لواعج قريحة تذوب بين أحشاء ذاكرة الأزمان.
أيام قليلة مضت، اتصلت بأخي، كان بين أولاده، ينهل من فيض عواطفهم، ومن بريق
فرحتهم، يسامرهم بأجواء الشرق، وسحر المكان والزمان، يرسم قهقهات تود جرح
الأيام وتمزيق ثوبها، لتستقر في روح السعادة والحبور.
وأنا، أنا بقيت ملقى فوق ارض رفضتها منذ لحظة وصولي إليها، ورفضتني منذ وطأت
خطواتي أرضها، فهي لا تحمل ملامح بلادي، ولا تعرف أرصفتها لغة خطواتي، هنا، كل
الأشياء وكل الناس تختلف، الوجوه تحمل كآبة الصقيع وثقله وهمه، والأشجار تنوء
تحت ثقل الموت الممتد من ثلج ساقط، إلى ثلج متكوم، إلى جليد يغزو النفس بغروب
ثقيل دائم.
وهناك، هناك كانت الشمس تأتي باكرا، من عالم الغيب، لتمد ألسنتها الناعمة إلى
جسدي المطروح على سقف أو في قاع بيت، وأحيانا بين أشجار الليمون والبرتقال،
وحين كانت تبدأ بإيقاظي، بنعومة الصباح المحمل بالندى، العابق بروائح الزهر
والأرض والظل، كنت أتمطى، بحلاوة النعاس، ولحظات عبور الصحو من أقبية النوم،
كقط كسول، اتخمه الشبع والنعاس، لأنهض، وموسيقى العصافير تعزف ألف ألف مقطوعة،
استقبالا للشمس ولي.
وحين تبدأ قدماي تخفق فوق التراب، كانت الرائحة، رائحة التراب الغارق برطوبة
ندى الصباح، تتسلل إلى أعماقي، بخفة وسحر، فاشعر بها وهي تسحب من خطواتي نسغ
وجود، لتمنحها نسغ وجود، الشمس هناك، كانت تعرفني، كما تعرف الأشياء ذاتها،
بغريزة الوطن المكتحل بشقاوة الطفولة، وفخ الصيد ودوده، تعرفني وأنا أتصبب
عرقا من اجل حبة لوز مر، أو كوز من صبر متلفع بأشواك ناعمة، صخور الجبال كلها
تعرفني، تشم رائحتي، وتتذوق تعبي ونصبي، حين كنت أطارد الأفاعي والعقارب، وحين
كنت انبش أعشاش الدبابير، متسلقات الجبال والبيوت، بيني وبينها مودة، رحمة،
تمتد من قلبي الصغير الصغير إلى قلبها الكبير الكبير.
آه يا أخي، كم أثرت في النفس من شجون ومن حنين، للمخيم، لمجارية المنتشرة
كحيات متلوية، لبيوته الفقيرة، لأناسه الطيبين الطيبين، لنسائه الأمهات، تلك
النساء اللواتي حملن الهموم والشقاء برحمهن الخصب، ليحولنها إلى صبر تعجز
الجبال والرواسي عن حمله، لكنهن حملنه، بأحداق عيونهن بريقا من أمومة لا تكل
ولا تتعب، كن أمهات، لا يتشابهن بشيء مع أمهات العالم، كن أكواما من حنان
ورأفة وحنين، يبتسمن، فتبدو خطوط الهموم والمآسي على خطوط الزمن المرسوم على
جلود وجوههن الفياضة بالصبر والأمومة.
كنا نلعب، بأشيائنا الرخيصة، الرخيصة إلى حد أنها بلا ثمن، لكننا كنا نشعر
بوجودنا، بكينونتنا، بسر الفرحة والسعادة، دون أن نعير العالم اهتماما من
أنفاسنا اللاهثة بوجوه أمهاتنا وآباءنا، الطابة المصنوعة من قماش متهتك،
وأسمال بالية، كانت تبدو بأعيننا، طابة القدر، والماضي والمستقبل، لأنها
تشاركنا فرحتنا وجنوننا وتمردنا، كانت تشاركنا، عرقنا ووجيب روحنا السائلة
شهدا نحو الأرض والخطوات.
سقيا لأيام الصبا، سقيا لملاعب الطفولة والشباب، لأتراب الصبر والعذاب الذي
كان يكمن بين جوانحنا، وفي أعطاف طفولتنا، ليتفجر غربة واغتراب، سقيا لرسائل
الحب التي كنا نكتبها للحبيبة المجهولة، ونضعها تحت حجر في زاوية زقاق، ثم،
وبنوع من المكر والخبث نخرجها بلحظة تجمع للأتراب، فنخفيها تمنعا بالرغبة في
كشفها، وحين نفتحها، ونقرأها، تبدو عوالم العالم كلها بين أيدينا، كالحروف
المزورة التي بين أيدينا.
المدارس، وساحاتها، صفوفها وأدراجها، جرسها وأسوارها، ما زالت تعيش في
الذاكرة، بالوجدان المفعم بالألق واللمى والوسن، بأحلام القفز عبر السنوات
والأزمان، للعودة إلى هناك، حيث كنا نحن والزمن والأشياء والكائنات على وفاق
وانسجام.
لكنها الأيام، الأقدار، تسير بنا ونحن لا نملك من أمرنا إلا السير في تيارها،
لتلقينا، على حافة العالم، نزور بحرا رصاصي اللون، مليء بطحالب منفرة قاسية،
ووجوه تطل عليك بانشداه، لتعرف حقا أن كنت بشرا أو شيء آخر، يلبس قناع البشر.
أتدرك يا أخي معنى أن تعاند النوم خوفا من الموت، ليس من الموت ذاته، لكنه
الموت بأرض تضن عليها بجسدك، الموت حيث لا مآذن ولا مساجد، لا دموع ولا حزن،
لا بيت للعزاء ولا معزيين، الموت هذا اشد رعبا من الموت الذي تعرف، اشد قلقا
وتحسبا، من الموت في مكان تعرفه ويعرفك، في قبر يستطيع أن يستخرج رائحة عرقك
من ذاكرة الظل والسرو والكينا، من ذاكرة النرجس الجوري، ومن ذاكرة الحساسين
والبلابل، من ذاكرة الحزن والشجن والجوع والمرارة.
قلبي يطوف، وروحي تطفطف، على جسد يشكو خوفا من النزول في قبر لا يعرف كيف
يستخرج رائحة عرقي من ترابه وحصاه، من عتمته وظلمته ووحشته، من دموع الناس
والجيران، من ترتيلة ’ لا اله إلا الله ’ المرافقة لخطى الجنازة وهي تتجه
نحو المثوى الأخير.
من الحفرة التي ستترك فوق القبر مترعة بالماء لطيور السماء المارة من فوقي، من
المعمول الذي سيوزع على الأطفال القادمين كل خميس طلبا للرحمة والحلوى.
كم بيني وبين النوم من جفاء، وكم بيني وبين الغربة من عداء، وكم من لحن حزين،
يعزف على أوتار قلبي وروحي كلما تمكن النوم مني ليسحبني نحو هوته العاجة
بالقلق والخوف والهلع.
وحين أصحو، في كل يوم، اشعر باني خرجت عندها من رحم أمي الراقد في قبر هناك،
هناك، على ارض الوطن والميلاد والموت والبعث، وحيث تفوح رائحة أعرفها جيدا،
وتعرفني جيدا، رائحة أمي.