كتابات مأمون أحمد مصطفى الصفحة 8 من 16

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

الناس تقول: بان الأشياء تأتي وتذهب، كما الرجال يأتون ويذهبون، والبعض يقول: بان الرجال يذهبون دونما موعد، ويأتون دونما موعد، وأنا أقول: بان الرجال الأبطال، لا يذهبون أبدا، وإنما هم أبدا قادمون.
الأرض تقول: أنها تعرف الأبطال الذين ينغرزون بها، دون التأثر بعوامل الزمن والأحداث، بالضبط، كالزيتون الذي يفيض دما كل عام، دون أن يغادر مكانه الشاسع تحت السطح.
الأبطال يقولون: ‘.......................................’، ‘...................................................................’
الحكمة تقول: الأبطال لا يقولون، بل يفعلون.
شاهدته صدفة، في بيت صديق، لم اعرفه من قبل، رغم أني سمعت اسمه يتردد بين الناس، بأسلوب غير أساليبهم حين يذكرون الأشخاص والرجال، في صوتهم هيبة ترن حين يرن اسمه، هيبة إجلال، وكأنهم حين يتحدثون يظنون من حيث لا يدرون بأنه يسمعهم، أو انه قريب من مجلسهم، ولأنه يستحق التقدير، كانوا بلا وعي مركز، يقدرونه بعفويتهم البسيطة.
اسمر البشرة، يميل نحو النحافة، شعره اسود ناعم، فيه ملامح الوعر والصخر، ساعداه قويتان، تظهر قوتهما فور تحريكهما للإشارة، تظهر طاقته الكامنة في جسده المشدود، من عينيه القويتين اللامعتين، يتحدث بلهجة القرية الرابضة على جبل مسحور، وعلى قسمات وجهه تنتصب خضرة الزيتون الرومي المنتشر على ارض قريته الوعرة، لكن شيئا خفيا، يدور حوله، تلمسه بمشاعرك، لكنك لا تستطيع تحديد كنهه، وكأنه سر حباه الله إياه، كي يظل يشدك نحوه، بقوة مجهولة، وشعور خفي.
إتخذ من الجبال والصخور بيتا، بعد أن حمل رشاشه على كتفه باحثا عن الكرامة، وتنقل بين الطرقات، عبر الأشواك، بحذر وتؤدة، رصد الصخور المنتشرة، صخرة صخرة، ورسم في ذهنه كل ‘النتش’ وأشجار الشوك، وتلمس بقدميه الثابتتين منحدرات الأرض ومرتفعاتها، عرف موعد الليل والصباح، بخبرة مقاتل يعرف تفاصيل السواد العاج والممعن بالظلمة المرافقة لخطواته وأنفاسه.
حتى أغصان اللوز والدراق المنتشرة في الجبال الممتدة من جيوس إلى مخيم طول كرم، عرف ميلانها مع نسمات الليل، وعرفت هي خفق خطواته السريعة ورائحة بندقيته وهو يجتاز الليل والأرض بعد أن يزرع الأجواء برائحة البارود والموت.

سألته :-
-أنت عصام سليم؟
- نعم.
- لا يبدو على محياك انك أسطورة الجبال؟
- ومن قال باني أسطورة؟ مع بسمة خفيفة تحمل الجد.
- الناس، يتحدثون عنك وكأنك كذلك.
- ولكني أمامك، هل ترى فيً ما يختلف عما بالناس.
وفجأة دخل شاب قصير القامة، يكاد الحذر يقفز من عينيه، أشار لعصام برأسه، انتفض من مكانه كجني، وصافحنا وخرج سريعا، شعرت بيديه تحمل رعشة، خفيفة، فيها توتر وعرق، فأدركت مباشرة بان هناك حقا ما يختلف عنا في حركته ورعشة ساعديه، وحين خرج بسرعة الواثق العارف مكان قدميه، قال له المضيف:- ’ خذ حذرك، الله يحميك’.
ليله هادئة، تغص بالهدوء المفاجئ غير المعتاد، لا اثر لهدير الدبابات، أو المروحيات، وحتى لا إشارة تدل على أن الاقتحام قائم كالعادة في هذه الليلة.
كنت كعادتي ساهرا من اجل أن تنام زوجتي التي أخذت وقتها بالحراسة والتوقع، نظرت إلى أولادي المتراصين بجانب بعضهم البعض، طلبا للأنس والأمان، وأرخيت أذني لليل المتوغل في ظلمة مكدسة فوق بعضها طبقات من سواد ممعن في سواد، فالليل، وانقطاع التيار الكهربائي، وأنفاس الناس المحبوسة بالتحسب والتوقع، والأفكار الملتصقة بالجثث والبنادق، وعويل النساء، ورعب الأطفال، كل هذه كانت تقودني نحو إحساس متجذر بان الهدوء المسيطر يخفي في قلبه عاصفة وزلزال يستعدان للتلاحم في تحريك النفوس نحو هاوية بئر بلا قاع، يتواصل السقوط فيه إلى ما لا نهاية.
تحسست الجدران بأكف واهنة، تعلوها رجفة ممزوجة بزفير محمل بتوترات وتقلبات تكاد لا ترى الجدران إلا وهي تسقط فوق أجساد أطفالي لتطحنهم وهم نيام حتى لا يرف لهم جفن، وحتى لا يمنحوا لحظة المشاهدة الأخيرة للموت المنتزعهم من نوم مستغرقين فيه برعب يجول في توتر حركاتهم.
خرجت إلى قاع البيت، تفحصت الظلمة، وحاولت بكل ما املك من طاقة السمع أن اجذب نحو مسامعي خفقة قدم، أو همسة صوت من الجيران، لكن ذلك تحول إلى عبث أضاف إلى نفسي مجهولا من قلق متحرك، يضرب جدران المشاعر بمطارق من فولاذ، فتترنح الآهات المحبوسة في الصدر وتتقلب كبركان محموم يستنفد كل طاقته وجنونه لتحريك طبقات الأرض والصخر من اجل الانفلات إلى أفق مفتوح على الموت والدمار.
صوت أقدام وهمس، أتى من قرب الجدار، الشباب الساهر، الملتصق ببندقية خفيفة، لا تملك حولا ولا قوة أمام المصفحات والمجنزرات والطائرات والمروحيات، أمام الموت المزدحم من كل الجهات، ومن السماء ومن تحت الأرض، كانوا يتفحصون الطرقات بخطوات تجس مجهول القادم والظلام، تتنشق رائحة الموت من همساتهم، من خطواتهم، من وجودهم في دوامة موت يقفز فجأة، بسرعة تفوق سرعة الحلم، ليستقر برؤوسهم أو قلوبهم، الخافقة بالحنان والحياة والكرامة.
اختفى الهمس مرة واحدة، وعاد السكون المطبق ليسقط في صدري سقوط جبل بأعماق غور سحيق، وانتشرت مخالب الرعب والهلع في عقلي انتشار رائحة الموت والبارود اللتان تغطيان جو المخيم، ووجوه الناس القابعة في منازلها تنتظر سقوط قذيفة أو صاروخ عليها وعلى أطفالها بعجز الحركة، وعجز الوجود.
حاولت البكاء، واجتاحتني رغبة ملحة في الصراخ، بصوت محموم، يتناثر العرق والتعب والهلع والرعب من كل ما فيه من تكوين مجهول وغامض، هي الرغبة في استبدال الصمت الموجع، بصوت قد لا يخرج أصلا من حلقي المسدود بتراكمات الألم والعذاب والقهر، لكنها رغبة تأتي من دافع غير معلوم، غير محسوس، يتأصل في النفس بثوان، بل بهنيهات غير محسوبة في حركة الزمن والأرض، لكنه ينمو، وينمو حتى يصبح ماردا لا يمكن السيطرة عليه، ولا يمكن الاستجابة لدافعه، فتضيع من دائرة ما تبقى من توازن، لتغرق في مبهم يتكاتف مع سواد الليل والظلمة والسكون.
ترى من سيموت الليلة؟ وأي أم ستذرف دموعها؟ وأي أطفال سيتحولون إلى يتامى؟ وأية امرأة ترسم اللحظات القادمة ترملها في لوح الغيب الذي يفتح صفحاته كل يوم عن مجهول تحول إلى معلوم؟
الأفكار تتلاطم، تحفر اخاديدا محملة برؤوس كالإبر، تخز القلب والعقل، وتفتح طرقات وممرات لتحسبات جديدة، تتكوم فوق كل ما في النفس من ضغط وضنى.
وفجأة...
انقلب السكون المتحفز إلى ضجيج عارم، دوى الرصاص بقوة تفوق زخ المطر، وعلا هدير الدبابات والمصفحات والمجنزرات وهي تقتحم الشوارع والأزقة من كل الاتجاهات، وانفلت عقال القذائف التي بدأت ترتطم بالجدران والأجساد، وأفرغت المروحيات رصاصها المتساقط كأزاميل فولاذية، ترج الأرض والسهول والمنازل، وحلق الموت فوق مساحة المخيم من أقصاه إلى أدناه.
المنافذ كلها سدت، وبدأت الخطة بطي جهات المخيم على بعضها طيا لا يرحم الكائنات الموجودة في مساحته، طيا بطيئا محسوب التفاصيل، القوات الخاصة، وقوات النخبة، انتشرت بتعداد هائل في كل مكان، والجيبات توزعت بعدد كبير على مداخل الأزقة، والدبابات أخذت مواقعها على مفترقات الطرق، والمروحيات بدأت تمشط السهول والجبال الملتصقة بمداخل المخيم من كل جهاته، وتحول الليل إلى نهار بفعل القنابل المضيئة التي غطت الأفق كله بتواصل ودون انقطاع.
انحشر الناس في زوايا الغرف، اتقاء لسقوط السقف عليهم، حركة تعلموها بخبرة الموت الذي أطبق على من قبلهم، وبدأ صوت التكبير يأتي من الشباب الموزعين في المخيم بأسلحتهم الخفيفة، واختلط هذا كله بغموض ما يجري في حارة النادي.
أفاق أولادي وهم مذعورين، هلعين، يفيض الرعب من عيونهم ومن أطرافهم، يرتعشون ويبكون، يتمسكون بجسدي تمسك الغريق بقشة طافية، يتوسلوني حمايتهم من موت ورعب ومخيف، حملتهم نحو زاوية غرفة داخلية، وأجلستهم وأنا موزع بين توسلات عيونهم ورعبهم، وبين ما يجري على الأرض، وأيضا نحو عجزي وقهري بانتظار قذيفة تخترق الجدران لتفتت أجسادنا، أو صاروخ يخترق السقف لينثرنا كتلا من لحم على جدران ترتج وتهتز بفعل الرصاص الثقيل المتساقط من المروحيات التي توزع رصاصها على المخيم دون حساب أو حذر.
اشتد الصوت، وتعاظم عدد القذائف، لكنه تركز في النهاية في مربع صغير بحارة النادي.
في هذا المربع كان عصام سليم، فرد واحد، بسلاح خفيف، دون واقي للرصاص، ودون ذخيرة متجددة، كان يقضي الليل متوجسا ساهرا في احد المنازل، ينتظر الصباح، ليخف نحو أولاده وبناته معانقا، متنسما روائح طفولتهم، لكنه كان يعلم أيضا، بان الموت يتربص قبل امتداد خيوط النور إلى رحم الصباح، وكان قادرا على العيش بين أملين متضادين، كاسد يربض في عرينه حتى النهاية.
تركز الهجوم، واندفعت القوات الخاصة، وقوات النخبة، مدعومة بالدبابات والمجنزرات والمروحيات، بكل طاقتها وقوتها، نحو البيت، لكن عصام استطاع، وبخفته وبقوة ساعديه، أن يخترق الحصار، قافزا نحو سور ملاصق، وقبل أن يقذف بنفسه نحو الأرض، استقرت في فخذه رصاصة قناص رصده من فوق منزل مجاور.
سقط فوق الأرض، وزحف حتى اقترب من السور، ظل يمشي ملاصقا للسور، متقيا رصاص القناص، إلى أن تمكن من دخول بيت مجاور، ومن هناك، أمطر القوات برصاصه حتى أجبرهم على التراجع.
لم نكن في هذه اللحظات نعلم ماذا يجري تحديدا، ولكننا عرفنا بحاسة مستوحاة من التعود، بان هناك معركة تدور في حارة النادي، معركة شرسة، اضطرت المخيم كله أن يلجأ إلى زوايا البيوت، والى حبس الأنفاس، وقراءة القرآن، وترديد الشهادتين بصورة متواصلة، ففي ظل هذه الظروف، يكون الموت اقرب شيء إلى المدارك والعقول، وتكون الحسرة الساقطة من العيون على الأطفال المنحشرين في الزوايا، والمتعلقين بصدور الآباء والأمهات، تشكل زمنا وعهدا في العقول، يمتد من الطفولة إلى الشباب، إلى الموت، كمشهد لا يمكن نزعه من الذاكرة التصويرية للألم المتراكم في نفوس جيل يكبر دون أن يدخل صدره شعور السعادة أو الفرح.
ارتفع صوت التكبير من كل الجهات، اندمج برائحة الرصاص والموت، بعيون الأطفال الراعفة النازفة، بدعاء الأمهات، بصوت الآذان، بالصدور الخافقة، بالقذائف الموزعة على الجدران من كل الاتجاهات، بهدير الطائرات والمروحيات، بقلب عصام النابض، والذي لمً بصدره كل الأشياء وكل الأحداث، وهو منتصب مكانه يقاتل جيشا تسانده قوة تستطيع تدمير دولة.
وفجأة...
عاد السكون ليطبق بكل قوته على أجواء المخيم من جديد، انسحبت الدبابات وهدأت حركة الطيران، وعادت الظلمة بكل ما فيها من سواد، وانتشر التحسب والتوقع من جديد، وسيطر الذهول على كل شيء، وما هي إلا لحظات، حتى اندفع المخيم كله نحو حارة النادي، كسيل عارم غاضب، يود أن يأخذ طريقه نحو الحدث.
في الطابق الثاني لأحد المنازل، تمترس عصام، بكل ما فيه من قوة وشجاعة، ناصبا عزيمته بفوهة رشاشه، قاوم بعنف، بخبرة مقاتل يعرف كيف يصبر وكيف يصمد، ويعرف طريقه نحو الشهادة.
حين حاصرت الفرق المنزل، تساندها الجيبات والدبابات، والمروحيات، حاولت قوات النخبة اجتياح المنزل والسيطرة عليه، وكانت القذائف المتتالية من كل الاتجاهات، والرصاص المنهمر من المروحيات، يشكل عاملا مساعدا لإضفاء الرعب على عصام وأهل المخيم، لكن المعركة امتدت من جوانب ومفارق أخرى، في محاولة من الشباب لتفريق قوة العدو المتمرسة كلها نحو هدف واحد، عصام سليم الذي استطاع أن يقض مضاجعهم فترة طويلة من الزمن.
استغرق الأمر ساعات، لم يتمكن الجيش بكل ما فيه من السيطرة على عزيمة عصام أو النيل من صموده، مما اضطرهم إلى الاستعانة بمجموعة من الكلاب المدربة المحملة بآلات تصوير.
هاجمت الكلاب المنزل بعد أن تم تفجير بابه، اقتحمته مجموعة واحدة، هاجمت عصام، قتل بعضها، لكنها استطاعت بالنهاية أن تسقطه أرضا، وتنهشه من كل جزء في جسده، وحين دخلنا وشاهدناه، رأينا اللحم المسحوب بفعل النهش عن الأصابع والسواعد.
وكذلك رأينا العظم البارز من الفخذين، وكتل اللحم المسحوبة المقطعة بجوار الجثة، كانت الكلاب قد مزقت جثته، بخبرة تدل على تدريب اكسبها وحشية المحتل نفسه، بدا عظم الأصابع واضحا بعد أن جرد من اللحم، وبدت الثغرات المفتوحة بفعل النهش كدوائر غير منتظمة، تتهدل من أطرافها بقايا اللحم الممزق.
وحين رصدت الشاشة موت عصام، تقدمت قوات النخبة، تساندها الفرق المعروفة، نحو المنزل، فأمطروا الجثة بوابل من الرصاص، وابل غير محسوب، مزق ما تبقى من نهش الكلاب.
لم يكن بالامكان رفعه، فهو كالمنخل الذي فلتت نقاط تواصله وشده، مثقب من جميع الجهات، وفوق ذلك محروق، بنار أشعلوها بالغرفة قبل خروجهم.
لملم الناس الجثة، داخل العلم، بعد أن وضعوا لوحين من خشب حتى تستقيم بوضع يمكن السيطرة عليه حين نقله، وانطلقوا به إلى قريته، التي كانت تنتظر وصوله كي تضمه بين جنباتها.
فتح العلم، ورأى الناس عصام وهو في لحظته الأخيرة فوق التراب، كانت زوجته تقف بعيدا، وكذلك أولاده وبناته، يتشردقون بدموع الوداع الأخير، لكنهم لم يروا الجثة، منعهم الناس من ذلك، خوفا عليهم وشفقة.
ولكن ابنته الكبرى شقت الصفوف، بصرخة دوى صداها بكل الآفاق التي رصدت خطوات والدها، وفتحت العلم مرة أخرى، سقطت فوق الجثة، وهي تبكي وتمرغ وجهها بقطعة لحم ظنت أنها وجه والدها.