كتابات مأمون أحمد مصطفى الصفحة 6 من 16

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

دهشة أم
في احد الأيام، كنت اجلس وأنا أقرا كتابا عن حرية المراة، كتاب طويل، يناقش
المسالة من النواحي النفسية والاجتماعية والثقافية، بطريقة ممتعة جذابة، وكنت
في بعض الأحيان أرسل زفيرا حادا أو اخذ شهيقا حادا، وكانت أمي التي تجلس على
الأرض تسبح وتذكر اسم الله تلاحظ الملل الشديد الذي أصابني من الكتاب ومن
قراءته، فسألت بعد أن قطعت التسبيح – ’ شو يما انت ما بتمل من الشعر، مالك
اليوم على غير عادتك ‘؟ نظرت إليها وأنا ابتسم ابتسامة عريضة، فهي أمية لا
تقرأ ولا تكتب، لكنها كانت تملك أذنا رائعة للإصغاء، وخاصة لشعر عنترة بن شداد
وقلت- ’ أنا اليوم لا اقرأ شعرا، بل أقرا عن المرأة العربية المسكينة
المضطهدة، أقرأ عن الحقوق المسروقة منك ومن غيرك من النساء ‘.
أشاحت بوجهها وعادت للتسبيح من جديد، وعدت أنا للتدقيق بملامحها العربية، وغصت
بعيدا خلف الملامح، غصت في أغوار الأيام والسنين الطويلة التي قضيتها بين أبي
وبينها، بين أخواتي وأخوتي، وانطلقت من تلك الملامح إلى الحارة المجاورة، ثم
إلى المخيم، ومن المخيم إلى المدينة، ومن كل هذا إلى القرى المجاورة، وعشت
تفاصيل المراة التي تحيا في هذا المجتمع البسيط، فلم أجد أي شيء يمكن أن ينغص
عليها عيشها أو يكبت حريتها إلا المطالبة بالحرية التي يستند الكتاب الذي كنت
أقرأ.
فخطر لي خاطر، لم لا أقرأ لأمي بعض ما في هذا الكتاب، كما كنت أقرأ لها أشعار
عنترة بن شداد والمهلهل والزير والبارودي؟ لأقارن ردة فعلها حول هذا الموضوع
وتلك الأشعار.
ورحت أقرا لها وأفسر، أخبرتها أن الكتاب يريد منها أن تتساوى مع والدي في كل
شيء، ردت بدهشة ’ كل شيء، كل شيء، شو يعني كل شيء ‘؟ أخبرتها أنها تستطيع
السفر إلى أي بلد شاءت في أي وقت تشاء، فقالت-: دون محرم؟ قلت نعم لان المحرم
ليس ضروريا، فأشاحت بوجهها وهي تتمتم ‘هاذا هو العلم اللي في الكتب’؟ ورحت
اقرأ وأفسر، وراحت هي تشيح وتستهجن، وقفز إلى بالي خاطر ومض مع ابتسامة واسعة
وقلت-’ ما رأيك لو ألبستك اليوم سروالا من الجينز وبلوزة حفر تظهر الصدر،
فتكوني كنساء العصر وفتيات اليوم’ بلعت ريقها وقالت-’ وشيبتي هاي شو أساوي
فيها’ قلت- ’ نصبغها ‘، قالت-’ يما، إحنا بنركض ورا الستر والله يعلم
نلحقه ولا لأ، خلي الناس تساوي اللي بدها إياه، وخلينا إحنا نساوي اللي بدو
إياه ربنا، وإذا أرضينا ربنا مليح، رضيوا الناس بعدها ولا ما رضيوا’.
طويت الكتاب وغبت ابحث وأنقب في ألفاظ أمي وإيمانها، ألفاظ بسيطة تتناسق
وتتعانق مع الفطرة ودلالاتها، أفكار نابعة من ’ إيمان العجائز ‘، من انخراط
عميق في قلب الأخلاق والمعرفة، من رضا في التركيبية السوية للمرأة العربية
المسلمة، دون الحاجة للألفاظ المنمقة المزخرفة التي تستهوي المثقفين المتخرجين
من جامعات الوطن الغائص بأفكار فرويد وقاسم أمين، إيمان الواثقة من أنوثتها
التي خلقت لتصان في مجموعة من المشاعر الرقيقة والأحاسيس المخملية، تلك
المشاعر التي ترفض أن تشوه بأفكار العصر وأباطيل التحرر، وتلك الأحاسيس التي
تخشى على شيبة الكبر والشيخوخة من التدنس بأوحال نوال السعدواي وغادة السمان،
وحين كنت منهمكا في التفكير بالقدرة الفذة للارتباط بالمبادىء التي تتمتع به
هذه المرأة والنساء اللواتي في عمرها، كنت في ذات الآن أراقبها وهي تتحرك
بعجلة من أمرها لتعد طعام الغداء لوالدي الذي بدأت الساعة تشير إلى قرب عودته
للبيت، كانت تعمل بجهد، كخلية نحل، بحب، باطمئنان ورضا، وكانت بين الفينة
والأخرى تطلب مني مساعدتها حتى لا يعود والدي والطعام غير جاهز، وكنت أتساءل
بيني وبين نفسي ’ ما الفرق بين هذه المرأة والنساء اللواتي يحلمن بإصبع من
احمر الشفاه أو عقد من الذهب ‘؟
هذه المرأة علمتني الكثير، فانا أدين لها بكل ما املك اليوم من معرفة، لأنها
كانت وفي كل لحظة تحضني على الدراسة، على التعلم، على المعرفة، وكانت تخصص لي
مبالغا من المال الذي تستقطعه من مصروف البيت لاشتري به الكتب التي أريد، وان
كنت انس فاني لا انس اليوم الذي ظهرت صورتي فيه في أحدى الصحف، كانت فرحتها
هائلة، وكانت سعادتها غامرة، حملت الجريدة وأخذت تدور بها بين أزقة المخيم،
تدخل هذا البيت وتخرج من ذاك، تطنطن باسمي وتعرض صورتي وهي تقول بنبرة يملأها
الفرح والافتخار والزهو’ هاي ابني، شايفات الله عوض صبري وصبر أبوه خير’ ثم
تحتضن الجريدة وهي تقول: ’ يا حبيبي يما، الله يرفع مقاصدك فوق وفوق’.
هذه المرأة التي انتزعت من ارض حيفا الطاهرة، من قرب الشاطئ، مخلفة خلفها
روائح الياسمين والبحر والبرتقال والليمون، لتسير مع والدي حافية القدمين، فوق
الحصى والصخور والأشواك، بثوب واحد وخرقة واحدة، لكن بنهر من الدموع، ومحيطات
من الأسى والانكسار، لتعانق الفقر الشاكي من الفقر، ولتلتحف العناء الضاج من
العناء، ولتتوحد وتنصهر في تكوين العذاب وتشكيلة الألم.
هذه المرأة التي فقدت كل أهلها، حين اختارت مرافقة زوجها حين خرج من حيفا
مكسور مهيض الأمل، كانت وستبقى هي المرأة التي اعتز وافتخر بالانتماء إلى
رحمها الخصب النابض رغم الموت ببريق العزة والشموخ لمفاهيم أدركتها ببساطة
تكوينها وتأصلها في الحلم السندسي المورق طهارة ونماء وعفة.
وتلك المرأة الكريمة الوجه، السمحة التكوين، الغزيرة الجود، تلك المرأة
المتقدمة برضيعها الراقد على صدرها بهدوء الروح واطمئنان السكينة، نحو
السهل، وهي تحمل على رأسها زوادة بسيطة من خبز الطابون والزيت والزعتر،
لتقف بجانب زوجها، وهو ينثر البذار بيده الطيبة الكريمة، بأعماق الأرض
المشرعة رحمها لخفقات قلبه وقلبها وقلب رضيعهما، لتضع البذار في جوف
الخفقان، ردحا من زمن، ثم ترسله نماء وعطاء وكرما.
تلك المرأة هي أمي الثانية، وهي الأم التي افخر بانتمائي إلى جهلها المتسع
لكل الأخلاق والعادات والتقاليد والدين، تلك الأم التي استطاع جهلها أن ينتج
أجيالا من رجال توزعوا في قارات العالم وهم محملين بعبق الأمومة والعلم
والمعرفة.
وتلك المرأة الجالسة على رصيف في المدينة، مكومة أمامها كل أصناف أعشاب الأرض،
لتعود ظهرا إلى بيتها، محملة بالرضا والصبر، بالقناعة والاقتناع، لتعد طعام
الغداء لزوج أزفت عودته للبيت وهو ملوح بالتعب والشقاء، مغسولا بالعرق الهاطل
على كل ذرات جسده.
تلك المرأة هي أمي، وكل نساء المخيم، كلهن، أمهاتي، سروة العلوط، التي كانت
تسكب الطعام لنا حين نصل للهو مع ولدها، في صينية كبيرة، والبخار يتصاعد منه،
ورائحته العابقة برائحة سروة الأم، آم الجميع، وهي تخرج الحروف والكلمات من
أعماق أعماق قلبها المجروح غربة واغترابا، ’ كلوا يما، صحتين وعافية، مطرح ما
يسري يمري’ تلك المرأة السوداء البشرة، البيضاء القلب والروح، هي أمي، أمي
التي ما زلت اذكر تقاسيم السعادة المرتسمة على وجهها حين ترفع الصينية فارغة
من كل اثر لطعام، وحين كان يصل زوجها ويسألها عن الطعام، وتخبره بفرحتها
وطيبتها بان الأولاد لم يبقوا على شيء، كان يبتسم، ابتسامة ارض عذراء، يسقط
الهمي عليها بعد طول غياب، ويقول: ’ الله يطرح البركة فيهم، هاتي خبزة وزيت
وملح’.
أم علي قرطوم التي لحقت بزوجها بعد انتهاء بيت الأجر، تلك المرأة التي رفضت
البقاء على بسيطة غادرها زوجها، وغاب تحتها، تلك المرأة التي ضاقت بالروح
والوجود وفاء وعهدا لرجل اقترنت هنيهات عمرها بهنيهات عمره، فخرجت من الوجود
خروج النسمة من رحم اللطافة والسماحة، تلك المرأة هي أمي، وأم كل رجل يعرف معنى
وفاء الأنثى وعهدها، وفاء الأنثى الممتلئة بخصوبة الدنيا والجنان والرياض.
أم الصابر، تلك المرأة التي رفضت بكل ما فيها من أنوثة وطهارة ونقاء، أن
تغرب الشمس عليها وهي تحيا بوجود غاب عنه زوجها، فغادرت الوجود بعد ساعات،
ساعات قليلة من غيابه ومغادرته للوجود.
كنت قد التقيت بأصدقائي، حيث اعتدنا إذا ما كان علينا المشاركة بفرح أو ترح،
أن نذهب مجموعة واحدة، كي نؤدي ما علينا من واجب.
وحين وصلنا بيت أم الصابر، لم نجد أحدا، لا بيت عزاء، ولا صوت ولا حركة،
دهشنا، فليس من المعقول أبدا، أن يخرج أهل الميت في ساعات الموت الأولى
لوالدهم، ولكن حين اخبرنا الجيران بما حصل، زالت الدهشة، وانتفى الاستغراب.
أم الصابر، جلست في بيت العزاء، بين النساء، وأسندت يدها على مسند، وألقت
بوجهها على كف يدها، وأغمضت العينين، وكانت تلك الاغماضة الأخيرة.
حدثني ولدها عبد الحكيم، قال:- كنا نعلم بأنها ستموت كمدا وحزنا، فهي تحب
والدي بنفس القدر التي أحبت فيه الحياة لأنه يخطو فيها، كنا نخاف من اليوم
الذي يغادر فيهما احدهما دون الآخر، وكنا نتساءل بيننا في أحايين كثيرة،
ماذا لو مات والدنا قبل والدتنا؟ وماذا لو ماتت هي قبله؟ وفي أعماقنا كنا
نتمنى بان يأتي الأجل لهما في ذات اللحظة، رحمة ورأفة بمن سيبقى بعد الآخر،
وحين مات والدي، أحسسنا بغصة الحزن والموت، لكن غصة الحزن على أمنا كانت
أعظم وأقوى من غصة الموت ذاته.
لكنها رحلت، لم تنتظر إلا سويعات، سويعات غزاها الم ووحشة لم تستطع الروح
احتمالها، فغادرت إليه، براحة بدت على محياها وهي تنزل القبر المجاور لقبره،
بكينا عليها وعلى فراقها، ولكننا – وقد لا تصدق – شعرنا بالفرحة ونحن نزفها
إلى العالم الجديد، حيث زوجها الذي مات وهو يدعوها للمكوث معه.
نعم، أم الصابر، أمي، أمي التي افخر الآن بالحديث عنها، وتفخر حروف لغتي
بالانتماء إلى وفائها وقدرتها على الالتحام بعهد أقوى من العروة الوثقى.
تلك النساء، والخنساء، تلك النساء وما عرفنا من حرائر العرب عبر التاريخ، هن
العلامة الفاصلة بين المرأة التي أدركت سر أنوثتها وأمومتها، فاندفعت بكل ما
فيها نحو الطهارة والنقاء والوفاء والأنوثة، الأنوثة الضاجة بالخصوبة الذاتية
الصانعة للأجيال التي لا تهزم.
أما السعداوي، والسمان، ومن مثلهن، فهن لسن سوى علامة سوداء في جبين
الأنوثة وندبة وقاحة في عمق الحرية التي يدعين.
رحمة عالية مغدقة عليك يا أمي، يا من بحثت عن الستر بين أنياب القهر والعوز
والحاجة، أنت وكل نساء مخيمنا الطاهر في الزمن الطاهر، حين روضتن الحاجة،
واثبتن بصدق التجربة مقولة الحرائر’ تموت الحرة ولا تأكل من ثديها’ وحين
اثبتن وانتن القادرات على الإثبات في زمن يحتاج إلى عزم الرواسي والزلزال،
قدرتكن على إثبات وتثبيت معنى السكينة في الحياة الزوجية، ومعنى الأنوثة
المتفجرة قدرة ومقدرة في جمع المختلف ولملمة المفترق.