كتابات مأمون أحمد مصطفى الصفحة 11 من 16

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

أولا وقبل كل شيء، يجب التنويه إلى حقيقة أصبحت في زمن الهزيمة الذي نحياه، مستهجنة مستغربة، بل وأصبحت تحمل من المعاني، والتوضيحات والشروحات، ما لا يتفق مع فحواها ومحتواها، لان اللغة العربية، واضحة محددة، لا تقبل التأويل أو التحريف، ولان الفكرة النقية الخالصة من الشوائب والرواسب، تأنف من أن تلوث بمساحيق التآكل التي قد تأتيها من هنا أو هناك، وترفض أن تدنس بمجموعة من الأفكار التي تحاول تدجينها وتهجينها، لتخرج بوجه مشوه، وندب كدمامل القيح والصديد.
فلسطين، التاريخية، هي فلسطين، وهي تقع تحت احتلال غاشم، وتحريرها واجب، بل فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وهي حق للعرب والمسلمين، وليس للشعب الفلسطيني المقيم فيها إلا بكونه جزء من الشعب العربي المسلم، هذه هي الحقيقة ببساطة، دون تهويل أو تجميل، واضحة لامعة، مشرقة بنور أقوى من نور الشمس والكون، وعليها يجب أن تبنى كل الحقائق والأحداث والسلوكيات والمنهجيات والرؤى، دون فذلكة فارغة، أو سفسطائية منهكة، وأي شذوذ، عن هذه الحقيقة، تحت أي مسمى من المسميات، يعتبر شذوذا عن حق الله وحق الدين والمسلمين، والانجرار نحو تفاصيل الأسلوب والعصر والحدث والوقت وميزان القوى، من اجل تمرير مجموعة من المفاهيم العقيمة بعقلية الشعوب العربية والإسلامية، يشكل بشكل ما مساهمة كبيرة في خدمة العدو – عن قصد أو غير قصد -، لذلك يجب العودة إلى مفردات الحقيقة البسيطة بعيدا عن أي رؤيا لا تنصهر أو تندمج بأعماق الحق المطلق للشعب العربي والإسلامي في الأرض الفلسطينية.
وثيقة الأسرى جاءت بمقدمة طويلة، منسقة بألفاظ اعتدنا سماعهما من قيادتنا عبر مسيرة طويلة، وهي ألفاظ لا تغني ولا تسمن من جوع، ألفاظ مكررة، مستهلكة، تصدرت كل أدبيات منظماتنا الوطنية، منذ بدء الاستعمار وحتى يومنا هذا، ألفاظ جميلة، يمكن أن توحي بالحرص والمسؤولية، والإدراك والوعي، لكنها تسير لتقف بنفسها عند نقطة واحدة: ’ أن الشعب الفلسطيني في الوطن والمنافي يسعى من أجل تحرير أرضه وإنجاز حقه في الحرية والعودة والاستقلال وفي سبيل حقه في تقرير مصيره بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها مدينة القدس الشريف على جميع الأراضي المحتلة عام 1967، وضمان حق العودة للاجئين، وتحرير جميع الأسرى والمعتقلين، مستندين في ذلك إلى حق شعبنا التاريخي في أرض الآباء والأجداد، والى ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي، وما كفلته الشرعية الدولية.’
نحن نحترم الأسرى وعذاباتهم، ونقدر ونثمن بكل ما فينا من وعي وإدراك، عاطفة وإحساس، تضحياتهم الطيبة والكبيرة من اجل الوطن وعدالة القضية، ولكننا في ذات الوقت نعترف وبجرأة مسموعة بأنهم لا يملكون أدنى حق للتفريط بذرة تراب واحدة من ارض فلسطين التاريخية، ونرفض وبكل شدة أن ننتقل بهم من منطق الأسرى إلى منطق القداسة، فهم يملكون علينا حق احترامهم وتقديرهم، ونحن نملك عليهم، حق الصمود والثبات، دون زيادة أو نقصان.
ولكن أن نسمو بهم إلى مرتبة يكونون فيها هم المرجع لإرادة الأمتين العربية والإسلامية، وهم يتخلون عن الحق التاريخي في فلسطين، فهذا يعتبر نوع من الاندساس في جيب الجهل والظلام، فهم حين ينادون بالتنازل عن فلسطين المحتلة عام 1948، والاكتفاء بحدود دولة تقام على حدود 1967، إنما يقدمون وهم بالأسر، وتحت القهر والعذاب، والذل والمهانة اليومية، إلى العدو الذي يطحن شبابهم وأمانيهم، ويفرق بينهم وبين أهليهم، وديارهم، وملاعب طفولتهم، وموطن أحلامهم وطموحاتهم، إنما يقدمون له حقا لا يملكون هم أصلا حقا في التنازل عنه، ويفتحون الطريق أمام شرعنة وجودهم خلف القضبان، وشرعنة نقل الأمور من الحق الذي وجدوا من اجله، إلى رؤية جديدة، تطعن الوطن وتاريخ رجاله وأبطاله وشهداءه.
قد يقول قائل، هم من يدفع الثمن، وعلينا أن نحترم رؤاهم وتوجهاتهم، لأنهم الذين يقبعون في غياهب السجون والمعتقلات، وهذا كلام يراه بعض الناس يتماشى مع المنطق، لأننا نتقن فن التبرير والعاطفة، لكنه ليس من الحق في شيء، لأننا إن قبلنا بما قالوا، فماذا علينا أن نقول لله، وماذا علينا أن نقول لعمر بن الخطاب وصلاح الدين، وماذا علينا أن نقول لملايين الشهداء الذين اندفعوا بأجسادهم وممتلكاتهم، نحو التضحية والموت في سبيل الحق الذي لا يمكن المراء فيه أبدا، ماذا نقول للعائلات التي هجرت في أصقاع الأرض، لتحيا حياة الذل والهوان والتفرقة والظلم أينما رحلت وحيثما حطت، ماذا نقول للأمهات اللواتي سقط أولادهن في حجورهن، وللأولاد الذين سقط آباءهم في أحداقهم؟
نعم نحن نحترم الأسرى ونقدرهم، طالما احترموا الحق والحقيقة، ولكن إذا بدلوا وغيروا، فليس لهم علينا أي حق غير حق الدعاء لهم بالهداية، وأنا لا أخجل أبدا، ولا اشعر بأي حرج، أو ندم، حين اصرخ وبأعلى صوتي بان هذه الوثيقة بما فيها من أفكار تتنازل عن فلسطين التاريخية، وبما فيها من ألفاظ تنأى بالمقاومة الشرعية للاحتلال الجاثم على صدور الناس، وحصره بمنطقة جغرافية واضحة، إنما تمثل من وقعها فقط، وأنني ارفض كل ما جاء فيها مخالفا للحق، وارفض احترام أي من الحرف التي جاءت لتعزز ما أسمته الشرعية الدولية، الشرعية التي أباحت أسرهم أولا، ثم أباحت دماء شعبهم في كل ثانية وفي كل مكان، الشرعية التي لغت وجودنا كشعب ودولة، ورسخت مكانه شتات أناس لا وجود لهم على الأرض أو الخارطة.
نحن امة اعتادت أن تقدس الأشياء والأشخاص، الأشياء النابتة من أصول فكرة نبيلة، لكنها أشياء لا تمت إلى موطن جذورها بشيء، إلا أنها تنتمي لنبالة الأصل اسما، ولكنها فعلا تتحول إلى أشياء مفارقة ومناقضة ومشوهة للأصل الذي نبتت منه، وأشخاص ينتمون إلى تلك النبالة بالصورة فقط، ولكن إذا ما خلعنا عنهم الإزار الخارجي، وجدنا بهم كل العلامات التي تدل على بعدهم عن تلك النبالة، ولأننا نعرف أن الأمور بخواتيمها، فعلينا دائما وأبدا، أن ننتظر التحولات التي يصار إليها كلما اشتدت الظروف وادلهمت الخطوب.
ومن هنا قمنا بتسليم أمورنا إلى مجموعة تمكنت من السيطرة على مقدرات الشعب الفلسطيني وإمكاناته، فانطلقوا نحو أوسلو ومدريد، مهرولين مسرعين بتقديم كل التنازلات للعدو، دون أن يحصلوا على أي مقابل للتنازلات التي قدمت، وهي تنازلات مصيرية، لم تحدث في تاريخ الثورات التي حملت هموم الوطن والمواطن على كاهل الحرية والاستقلال، وعلى رأس الحق باسترجاع الحق- كل الحق- الذي سلب بقوة القهر والسلاح والإرهاب، ونتج عن ذلك وجود هزيل، يرعى مصالحه الاقتصادية والدعائية الخاصة، دون الاهتمام بحقوق الشعب ومتطلباته، وانصبت الأموال والفوائد القادمة من الدول التي أوجدت هذا الحل في جيوب الساسة والقادة، ومنحوا حق التنقل والتجول من فلسطين إلى فلسطين، ومن فلسطين إلى العالم بإشارة وإرادة العدو، ومنحوا كذلك مظلة حماية هائلة من العدو ومن يدعمه.
ثم جاءت الدول العربية، لتعلن عن مبادرتها الداعية للتنازل النهائي عن الحق الإسلامي والعربي والفلسطيني بأرض فلسطين، وأضافت بان كل الدول التي لم تعترف بالعدو، ستسارع بالاعتراف به إذا ما وافق على منحنا شيئا من حقنا المسلوب.
ورغم كل ذلك، فان العدو ما زال يضرب بكل تلك التنازلات بوجوه الأمة العربية والإسلامية، رافضا التنازل عن باطله وظلمه ودجله، أو رافضا حتى الاعتراف بكل اؤلئك كشريك يمكن الجلوس معه للتفاوض، وهذا ناتج حتمي، فالمتتبع لحركة العقل الصهيوني، يدرك تماما ما معنى أن تأخذ دون أن تعطي، وما معنى أن تركز جذورك في الأرض والتاريخ، في نفس الحين الذي تخلع جذور أصحاب الحق من كل منابتها وأصولها.
والان جاء دور الأسرى،-واقصد كل من وقع على الوثيقة أو أيدها- جاء دورهم ليتنازلوا عن ألمهم وعذابهم وشتاتهم، ليعلنوا بورقة معتقلة الإرادة التنازل عن كل ما تنازلت عنه جوقة أوسلو، جاءوا ليجردوا الأسر من معنى الثبات والصمود والصلابة، وليحولوه إلى ورقة سياسية تخدم مصالح العدو ومن لف لفيفهم، وقالوا بصوت خرق آذان كل الشرفاء، نحن ندعوكم للتنازل عن أرضكم، عن حقكم في حيفا ويافا وبئر السبع، تنازلوا عن أم خالد والعفولة وأم الرشراش وسلمه، تنازلوا عن دماء عبد الرحيم محمود وعبد القادر الحسيني وعز الدين القسام، تنازلوا عن التاريخ والوطن والتراث، لان المرحلة تتطلب ذلك، ولأننا أسرى فإننا نملك الحق بتوجيه إرادتكم وعقولكم نحو التنازل.
ولكن صوت العقل والمنطق والدين والتاريخ، يقول: نحن لن نسمع منكم، انتم تقاسون آلام الظلم وآلام الاستعمار، وهذه ليست ميزة تضعكم فوق رؤوسنا، ولا تدخلكم بأحداق عيوننا، لان هذا قدر كل مناضل اختار الوطن، واختار ولوج باب المقاومة، ومن يختار الوطن عليه ألا ينتظر الثمن، وخاصة إذا كان الثمن الذي سيدفع عن طريقكم إلى العدو، وليس إلى الوطن ذاته، انتم ليس بالشيء الكبير، وليس بالمميز، انتم تقبعون خلف القضبان، والناس على الأرض تقف تحت مطر الموت والدمار، تحت وطأة الجوع والفاقة، تحت وطأة الاهانة والرعب اليومي، الأمهات تزف جثث أولادهن إلى مقابر الشهداء وهن يزغردن، والآباء لا يملكون أي حول أو قوة أمام فوهات الرشاشات والمدافع والصواريخ، والأطفال لا يذهبون إلى المدارس، ولا يحتفلون بالأعياد.
الكل على الأرض يدفع الثمن، كل بطريقة غير الأخرى، فلا فضل لأحد على احد، وانتم تدفعون بعض الثمن، من أعماركم، فهل سألتم عطا الزير، ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي، وملايين مثلهم، لماذا دفعوا ذلك الثمن، هل سألتم اؤلئك الذين ماتوا دون أن نعرف عنهم أو عن موتهم شيئا لماذا دفعوا الثمن.
نعم انتم أسرى، ولكم علينا حق احترام أسركم، ولكن حين تحترمون انتم وجودكم هناك، وحين تثبتون وببساطة الحقيقة أنكم إنما تدفعون الثمن من اجل الوطن، كل الوطن، وإلا، فإننا نطلب منكم باسم كل ما هو مقدس أن تنفضوا أيديكم عن قضايا الشعب حتى تبقوا في صف التاريخ والوطن، ولا تجعلوا من أسركم منة وفضلا تمنون وتتفضلون به على الناس، ولا تحولوا ألمكم لشيء يختلف عن الم الشعب والأرض.
أما الاستفتاء الذي يدعو إليه محمود عباس، فانا لحد هذا اليوم لا اعرف على ماذا سيستفتي، على الوطن؟ أم على الصلاحيات؟ ولماذا تحول الاستفتاء الشعبي مهمة مقدسة مرة واحدة؟ لماذا لم يتم استفتاء الشعب في الوطن والمنافي على اتفاقيات أوسلو ومدريد وشرم الشيخ والعقبة وواي ريفر؟ لماذا لم يستفتى الشعب على الشخصيات التي زجت قسرا وقهرا على تمثيله منذ وصول السلطة إلى الوطن؟
الأسرى ووثيقتهم، لا يشكلون إرادة الشعب الفلسطيني، ولا يمكن لهم في اللحظة التي يسجلون تنازلهم عن الحق التاريخي في فلسطين أن يكونوا هم ضمير الشعب، أو قلبه النابض، وعلينا نحن كشعب، أن نحترم حقنا وذاتنا ووطننا وتاريخنا ودماء شهداءنا ومستقبلنا ومستقبل أولادنا، وان نحترم نضالنا ونضال من سبقونا، علينا أن نرفع هالة القدسية عن الأشخاص والأحداث، وان نضع الأمور في نصابها الحقيقي، لنقول: بان فلسطين، هي فلسطين، وكل ذرة تراب فيها هي ملك لنا، وللأجيال القادمة، ومن يساوم عليها، تحت أي مسمى، وتحت أية حجة، ملكا كان أم فردا، سلطانا أم أسيرا، رئيسا أم زبالا، أميرا أم ماسح أحذية، فانه لا يمثل إلا نفسه وذاته، ولا يمثل إلا إرادته ومعتقده، وعليه يوما ما أن يستعد لإجابة ربه حين يسأله: لم فعلت ما لم تؤمر به؟