كتابات حسن الأشرف الصفحة 6 من 84

بواسطة:

نهض مفزوعاً من فراشه، مصفر الوجه، مفزوعاً هلعا. شعر بدوار أصابه بالغثيان. لم يعرف سبب حالته.. حاول أن يتذكر وجبة عشائه فربما يكون الأكل هو السبب، لكنه لم يفلح في تحديد نوعية ما أكله.. استغرب الأمر، فنسيه بسرعة.. أحضر قرصاً فائرا اعتاد على تناوله في أزماته الصحية. بعد ساعة من الزمن، أحس بتحسن صحته فعزم على التجول بعض الوقت في حيه.. في ذلك الصباح ككل الصبيحات كان الحي مشبعا بصخب الباعة وضجيج الأطفال.. الحيوية تملأ المكان وأجواء الحماس تهيمن على الحي ومن فيه.. ترك الرجل الباب وراءه وخطا خطواته الأولى بَيْدَ أنه توقَّف بعد هنيهة.. رفع رأسه إلى أعلى كمن ستقرئ موعد غيم ممطر، لكنه رأى الشمس واضحة في كبد السماء، فارتد إليه طرفه حاسرا.. تمنى لو كانت السماء ملبدة بالغيوم.. إنه يحب اللون الرمادي الكئيب.

حملته رجلاه ليقف أمام جزار الحي.. هز الجزار هامته الضخمة فتغير لون محياه وامتقع وجهه ومجمج قائلا: ‘يا لطيف يا لطيف.. الصبح والملك لله وحده..’. دهش الرجل لردة فعل جاره الجزار.. تابع سيره محاولا إقناع نفسه أنه غير مقصود بتجهم الجزار وتصرفه السيئ معه.. التقى بشاب يحمل على كتفيه صندوق طماطم إلى دكانه.. حياه وسأله عن ثمن الطماطم هذا الصباح فلم يعره البائع الشاب أدنى اكتراث، بل إنه بصق على الأرض لمجرد رؤية ذلك الرجل غريب الأطوار وسماعه صوته الجهوري.. عَقد ما بيت حاجبيه غضبا إذ لم يستسغ إهانة الخضار له.. تأمل مليا في تصرفاته ذلك الصباح وعاود النظر إلى هندامه وشكله لعله يجد شيئا مريبا ينفر الناس منه بذلك الشكل الغريب.. وفي لحظة خاطفة، أتاه هاتف داخلي غيبي يجهل منبعه ليطرح عليه سؤالا ما كان ينتظره: ‘من أنت؟!’.. تملكه الفزع وتساءل بجدية: ‘من أنا؟ من أكون؟’.. كان الأطفال يلعبون غير عابئين بما حولهم ثم لا يلبثون أن يهرعوا عند سماعهم لخطواته تدنو منهم كأن مسا من الجن قد أصابهم.. اضطرب الرجل واستشاط غيظا فقد عجز عن الإجابة على تساؤل الهاتف الغيبي.. لم يعرف من هو ومن يكون!.. التقت عيناه بعيني بائع السمك الذي حاول تجاهله لكن الرجل شد السماك من ساعده وسأله: ‘أرجوك، قل لي لماذا تعاملونني هكذا؟ ثم من أكون أنا’ ابتسم بائع السمك ابتسامة بلهاء لا معنى لها مجيبا: ‘عجبا.. أتجهل من أنت..’.. لم يتمم كلامه وذهب إلى حال سبيله وضحكة شماتة تغلبه... ازدادت حيرة الرجل وكاد أن يجن.. شك في أمره وسلامة عقله فصفع وجهه ليتأكد من كونه عائش في الحقيقة لا في كابوس أو وهم.. شعر بالعجز يعصرهن أعلى رأسه إلى أخمص قدميه.. لقد شلت إرادته وفشلت ذاكرته في التقاط معالم تعينه على تحديد ملامح شخصيته.. وهو وسط عاصفة من الحيرة والغضب، قرر أن يعود أدراجه إلى منزله ليبحث عن أوراق هويته لعله يعرف من يكون.. فتش عن أوراقه تلك في كل مكان بالبيت ولم يعثر لها على أثر.. ضرب كفا بكف وصاح بملء حنجرته: ‘ما هذا الذي يحدث لي؟ أعرف أنها مؤامرة دنيئة حبكتها أيادي خفية تبغي أن أجن.. لن أجن.. لن أجن..’. فخرج مهرولا لا يلوي على شيء.. في الشارع، كان الرجل ملقى على الأرض وبجسمه بعض الرضوض والكدمات، فقد صدمته سيارة لم ينتبه إليها لحظة عبوره الطريق. هز الرجل يديه وقام متكئا على بعض الحاضرين. حينها ودون سابق إنذار، أتاه جواب من دواخله عن سؤاله الذي حيره: من يكون!.. لقد حركت صدمة السقوط ذاكرته ورجتها رجا، ونفضت عنها الغبار العالق بها.. تمتم رافعاً رأسه إلى السماء التي صارت غائمة كئيبة قائلا: ‘آه.. عرفت أخيراً من أنا وفطنت إلى سر كل ما حدث لي في هذا الصباح.. مهنتي: جلاد وسياق عند الحاكم!’.. كان سيافا ظالما لا يُقيل عثرة ولا يرحم عبرة.