كتابات حسن الأشرف الصفحة 3 من 84

بواسطة:

‘أماه:

قد تستفيقين هذا الصباح وأنتِ منهكة كعادتك، فلا تجدينني في الغرفة التي نتكدس فيها كلنا... ولن تبالي في الحين... لكنك ستجدين رسالتي هاته قرب الإبريق الوسخ، وقد لا تكترثين فتحسبينها لفافة ورق مهملة... أماه، تريثي وتمهلي، إنها رسالتي إليك وآخر ما تبقى مني في هذا البلد.

نعم، يا أمي. لن ترينني بعد اليوم.. لقد خرجت الليلة الماضية خِلسة دون أن تشعري، على أطراف أصابعي وحملت زادي وثيابي وقليلا من متاعي وتوكلت على الخالق الواحد ثم خرجت إلى مكان الموعد المحدد حيث سأجتمع رفقة بعض الشباب الراغب في الهجرة السرية إلى إسبانيا عبر البحر.. تعلمين أيتها الأم الحنون أنه لم يعد لي مكان في هذا الوطن العزيز.. ولأنني فقير معدم وشهادتي الجامعية تآكلت من فرط القدم وكثرة النسخ فقد عزمت أن لا أظل هنا يوما واحدا.. حيطان وجدران الحي سئمت من اتكائي عليها طيلة النهار.. بل لو أتيحت لها إمكانية الكلام، لتأففت وتبرمت مني وطردتني إلى مكان بعيد آخر.

بلا ريب، فقد تكونين سمعت يا أمي بالهجرة السرية إلى البلد الأوربي المجاور. نحن الشباب نسميها: ‘الحريك’.. لا تهلعي ، فلن أحرق شيئا.. لست طارق ابن زياد الذي أحرق سفن جنده، ولا أنا نيرون محرق روما، ولا أنا مجرم عتيد. إنما سأحرق أوراق هويتي، حتى إذا عثروا علي جهلوا من أين أتيت.. قلبي يا أمي هو الذي حُرق..

قد تتساءلين، يا أمي، من أين لي بالنقود والمال حتى أؤدي ثمن هذه المغامرة على ظهر قارب خشبي لا يكاد يحمل نفسه على الماء!.. لا تفزعي إن طلبت منك أن تذهبي بعد قراءة هذه الرسالة – طبعا من طرف أحد إخوتي الكثر – إلى دولابنا العتيق الذي تخبئين في الرف العلوي منه بعضاً من حليك وذهبك، هو كل رأسمالك وما كسبتيه طيلة سنواتك الستين..

أماه: سامحيني، لن تجدي ذلك الذهب الذي كنت تقولين عنه دائما إنه ينفع لمقالب الزمن.. لقد أخذته في المساء وبعته وزدت عليه واقترضت.. وهكذا أكون قد أديت ثمن الرحلة نحو مصيري المجهول فقد أجد شغلا محترما هناك في الضفة الأخرى.. وأرجوك، لا ترفعي كفيك لله للدعاء لي بالويل والثبور، فربما أكون الآن على متن الزورق، فتصادف دعوتك أبواب السماء مفتوحة وينقلب القارب بما فيه ومن عليه.. وتعلمين يا أمي، إنني لا أحسن العوم، وقد تتلقفني إحدى الأسماك أو يبلعني سمك القرش.. إنه البحر يا أمي.. وأنا لست مثل نبي الله يونس الذي ظل في بطن الحوت دون أن يمسه بسوء، إذ بمجرد ما يشم الحوت رائحتي فلن يتردد في جعلي كفتة شهية له.. إن الحوت والحراس والأمواج والظروف كلها ضدنا نحن المهاجرون السريون. وفي الختام، أطلب منك يا أمي السماح والعفو، ومن يدري فقد أجيء عندك بعد سنتين محملا بذهبك وزيادة، وقد لا أعود’.