كتابات حسن الأشرف الصفحة 12 من 84

بواسطة:

- ماذا بك أيها الرجل المسكين؟ لقد أفزعني منظرك!

مكث الرجل الغريب ينظر مليا إلى وجهي المصفر هلعا فقال لي وهو يبتسم ابتسامة بلهاء لا معنى لها: ‘أخيرا وجدتك يا قاتل القطط!’... اصطنعت عدم الفهم، فقذفت في محياه الممعن في الرعب والفزع كلمات تدفقت من فمي كالشلال الهادر: ‘انظر يا هذا، إذا كنتَ مجرما هاربا من قبضة العدالة فذلك شأنك ولكن أن تتهمني بقتل القطط فهذه لَعَمري نكتة صفراء تماماً مثل وجهك. وإن كنت متشردا تائها دللتك على الطريق ولا بأس، أما إن كنت متهكما ساخرا فسامحك الله’.

رمقني الرجل وهو يربت على كتفي قائلا: ‘أيها الأخ العزيز، أترى هذه حال من ذكرتَ؟’

شعرت حينها أنني ظلمته ولكن حسبي أن أدفع عني تهمته لي والتي أعلم أنها حق، فتداركتُ الموقف في شبه استحياء وأنا أدفع كلماتي دفعا: ‘ألتمس منك العذر، لكن من الذي فعل بك ما أراه من غمر الدماء لوجهك والشحوب البادي على سحنتك؟’... صمت الرجل هنيهة ففاجأني بِرَده: ‘إنهم أنفسهم الذين يبحثون عنك يا قاتل القطط’... وفي لحظة أقل من لمح البصر وضع رأسه على صدري مثل طير هوجاء العواصف إذا استكان لدوحة أمان... صار مثل الطفل الرضيع حين يغفو فوق ثديي أمه... قال لي إن اسمه حسام وهو فارٌّ لتوه من رجال أشداء من نفس البلدة التي أنتسب إليها ولادة ونشأة... هذه البلدة يحكمها رجل فظ غليظ القلب لا تعرف الرحمة طريقها إلى فؤاده. يعتبر القرية مجرد مزرعة كبيرة يعبث فيها كما يحلو له بلا حسيب ولا رقيب. ومن يقف في وجهه يجد نفسه معرضا لشتى أنواع الإهانات والتنكيل؛ إذ لم يكن يطيق من يعصي له أمراً أو يرفض له طلبا؛ وياويل من تجرأ ورفع صوته فوق صوته حتى أضحى الجميع يطبل ويزمر له صباحاً ومساء عسى أن يغدق عليهم من رضاه ويشملهم بسخاء يده وجوده، وهو رغم ذلك بخيل مع من يقرأ في عينيه بوادر تَشي بأي نوع من أنواع التحدي أو أية ملامح لأدنى إرادة أو عزم متين... هذا بالضبط ما يغيضه ويقض مضجعه أن يرى أحد سكان البلدة ينجز مشروعا أو يبني بيتا أو يفتح محلا تجاريا دون استشارته وأخذ صكوك الغفران والرضا منه... كان رجلا بدينا يمشي الهوينا كأن الأرض بعظمتها لا تسعه، ويرفع هامته إلى السماء كأن الجبال بشموخها لا تركع إلا له؛ لا يستمع إلى دعوة ولا يرحم عبرة ولا يُقيل عثرة. وإن سمع أن الناس يشتكون يجيبهم بأنه وحده من يرجع له الفضل في ما بلغته البلدة من مجد وتقدم وقوة، فلا يحق لأحد بعد ذلك أن يلومه على شيء، لأن آلاءه الحميدة وأياديه البيضاء على السكان واضحة لا تحتاج إلى بيان... والحقيقة أن القرية نالت ما نالته من حظوة وتقدير بفضل عطاءات الفلاحين والعمال الذين لا يكلون من العمل ليلا ونهارا هَمُّهم قوت يومهم وبناء قوتها لبنة لبنة تحسبا لأخطار السنوات العجاف... وَلِبَثِّ الرعب في نفوس الأهالي، يستعين ذلك الثري المستبد بقطط سِمان سوداء شريرة، بل كان يتحكم فيها بشكل عجيب: يأمرها فتطيع، وينهاها فتصدع... إنها قطط عاثت وما تزال في الأرض فسادا، تهاجم المحصولات الزراعية ولا تترك خلفها سوى دمار هائل كأنها جراد متوحش لا يبقي ولا يذر.. في النهار، تضايق المزارعين أثناء عملهم بتواجدها الكثيف في جميع أنحاء البلدة، وفي الليل لا تكف بعضها عن المواء الحاد الذي لا يدع أحداً ينام بهدوء، أما البعض الآخر من القطط فتجدها فرصة سانحة للقيام بتدمير ما يمكن تدميره من نباتات ومغروسات زراعية، وبإحداث فوضى عارمة في البيادر والحقول... كان أهل القرية يموتون في اليوم ألف مرة بلا موت، ويُسْجنون بلا سجن، ويترنحون في جو جنائزي بلا جنازة؛ وحبال الصمت القاتل تلفهم حتى تكاد تقضي على أنفاسهم... يحدقون في الرعب بأرواح صماء، ويتقوقعون في زجاجة هواء لا يملأ حياتهم سوى العجز والخواء، ورغم كل هذا فقد كانوا ينحتون الصخر نحتا ويشقون الأرض شقا من أجل ضمان لقمة عيش لهم ولأبنائهم.. وقد كنت أقرأ في سحنا تهم ظلالا وارفة لجميع الخيبات والانكسارات التي تراكمت واحدة تلو الأخرى فوق تاريخ القرية، وعلى جبينهم كان يقعد الغيم الكئيب رافضا الانزياح إلى حيث يسطع القمر مهللا ومنتشيا، وفي عيونهم إعلان خفي لحرب غير متكافئة الأطراف، وإصرار رغم المثبطات الكثيرة على تلقي أكبر كمية ممكنة من النور قبل حلول عتمة عارمة يختلط فيها الأبيض بالأسود والحابل بالنابل... وحدهما عينأي المعلقتان في وجهي – كمصباحين مهترئين خَفَتَ ضوءاهما أو كفأرين صغيرين تائهين عن حجرهما – يخوضان معركة حامية الوطيس مع ذلك الرجل الجائر؛ فقد كنت أتصيد الفرص لأصطاد القطط القاصية.. أرتمي على إحداها وأمسكها بِكِلْتَي يدي، وأخنقها بكل ما آتاني الله من قوة وجهد، ولا أدعها رغم شدة مقاومتها إلا وهي جثة هامدة. لم يكن لدي حل آخر، فإما أن أخنقها أو أضع لها سما زعافا في طعامها ويرتاح الجميع من شرها، وإما أن أتركها تهلك البلاد والعباد... كنت أقوم بهذه المغامرة ليس بدافع بطولة وهمية أو رغبة جامحة في شهرة زائفة، وإنما فقط بوازع الغيرة على قريتي التي أضحت وطنا لغربة محرقة حيث الجور والعجز توأمان لصيقان بهوية الأهالي المستضعفين.. نمت في داخلي إرادة عارمة في البطش بجميع تلك القطط السِّمَان، فحاولت إقناع بعض الرجال بجدوى عملي، ولكن هيهات هيهات لا حياة لمن تنادي.. واعتبرت في قرارة نفسي أن القضاء على القطط الشريرة مسألة شرف وكرامة بل قضية وجود. ولأن الألسن الطويلة لا تهدأ ولا تستكين إلا إذا بلَّغت الأقوال والأفعال إلى الآذان الصاغية، فالتحدي الخفي الذي رفعته وصلت أصداؤه إلى متعجرف البلدة الذي أمر أعوانه بالبحث عني في جميع الدور والدروب والأقبية والمزارع، وأن يحضروني عنده حيا أو ميتا على طريقة الكوبوي الأمريكية، فقد تجاوزت حدودي بأن قتلت العشرات من القطط. ولحسن حظي أنني وجه غير مألوف كثيرا لدى أهالي المنطقة لأنني أشتغل طيلة النهار في المدينة ولا أعود إلا عندما يرخي الليل ستاره الأسود الشفاف على المكان، حينها فقط أمارس هواية الفتك بالقطط السمان.. وهكذا، لما طبقت شهرتي الآفاق، شرعت في إتقان لعبة التخفي لعلي أفلت من المصيدة.. لم يكن الأمر هينا البتة في أول الأمر، بَيْد أنه مع توالي الأيام ألفت واقعي الجديد المحفوف بالمخاطر...

كان رأس حسام ما يزال على صدري عند توالي شريط هذه الأحداث أمام عيني في لحظات قلائل... أنهكه التعب وهَدَّه الفزع... رفع هامته إلى السماء وجال بنظره في ما حوله كأنه ستقرئ موعد غيم ممطر أو نيزك سيسقط لا محالة على كوكب الأرض!. قلت له في ما يشبه الاعتراف المرير: ‘نعم، أنا قاتل القطط اللعينة’... عندئذ، انفرجت أساريره شيئا ما فرد علي قائلا في فخر: وأنا مِثل من قال فيه الله سبحانه وتعالى: ‘وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين’... فهمت مراد قول حسام، وشكرت له صنيعه، فقد أوذي من أجلي... رجال حاكم البلدة المغرور لما علموا بأنه يؤيد أفعالي علنا وجهارا في كل المجالس والمنتديات، تكالبوا عليه وضربوه وعنَّفوه... وفي أول فرصة صغيرة للانفلات، فر منهم وبحث عني في كل مكان ولم يعثر لي على أثر، فأتى مهرولا والدماء ما تزال تنزف من وجهه إلى هذا المكان الموحش البعيد عن البلدة محاولة أخيرة منه لنصحي بعدم العودة إلى مسقط رأسي... أخذت بيد الرجل الطيب وافترشنا الأرض سويا...

قال لي حسام وهو يحدق في عيني: ‘ألا تشعر بأنك صرت سجين مكانك هذا؟’، فأجبته بسرعة كأن العبارة مُعَدَّة سلفا على طرف لساني: ‘أيها الرجل الصالح، السجن صار عندي هوية، والسوط عَلَما’، ثم انزلق حديثنا إلى سراديب وأقبية كثيرة بحيث تاه بنا الكلام الهامس إلى وقت متأخر من الليل... شكرت معروف الرجل، ولكنني قررت العودة إلى البلدة إذ لم أعد وحدي في مواجهة الإعصار، فهناك حسام، وأول الغيث قطرة...