كتابات حسن الأشرف الصفحة 11 من 84

بواسطة:

- هل اقتفى أحدٌ ما أثرك يا وحيد؟...

لم يكن ممكنا لأخي أن يجيبني وهو في حالته التي تقشعر لها الأبدان... تركته يستريح بضعة لحظات ليلتقط أنفاسه اللاهثة، وبعدها رد باقتضاب: ‘لا، لم يتبعني أحد...’، ولكن الفزع الذي ينط من عينيه ونافورة الدم المنبجس من ثنايا وجهه المغبر لم يتركانني أرتاح لأفاجئه بسؤال آخر: ‘هل ضربوك بعنف إلى هذا الحد؟’. أومأ برأسه بالإيجاب، فساد بيننا صمت رهيب لم يكن تمزقه سوى زفرات تخرج ساخنة من خياشيمه، وحشرجة حادة تنبعث من صدره... كنت أعلم أنه سيجد صعوبة في الدخول إلى القبيلة... حاول وحيد الوصول إلى غايته مستعينا بتنكره في زي نسائي، لكن محاولته باءت بالفشل، فالعيون المتربصة ميزت ملامحه ووشت به لدى سيد القبيلة الذي يعد نفسه سيد قبائل المنطقة أجمع، فكان أن أمر حراسه وجنوده كي يأتوه بوحيد قبل أن يرتد إليه طرفه، وجاءوا به مكبل اليدين، مطأطأ الرأس، منكسر الجناح... رموا به أمام سيدهم المطاع كما الجيفة ترمى في الخلاء لتأكلها السباع الضارية... كان المسكين يحكي لي ما حدث له في قبيلتنا بعين يملأها الدمع ويأبى أن يسقط، وبكبرياء مشروخة ترفض أن تخدش... دخل ليلتها القبيلة من أبوابها الخلفية الشرقية بلباس امرأة عجوز شمطاء حتى لا يعرفه أحد... سأله العسس عن هويته فقال لهم: ‘امرأة عجوز لا حول لها ولا قوة، جئت عند حفيدي الذي لم أره منذ سنين عدة’... انطلت الحيلة مؤقتا على الحرس فتركوه يدخل دون أن يعترض طريقه أحد... ولكن في غمرة الانشغال بهيئته الجديدة، سقط النقاب الذي كان يدنيه عليه.. رأته إحدى نساء القبيلة، فصاحت: ‘يا قوم... لص في قبيلتنا يرتدي لباس امرأة، يا قوم عليكم بهذا اللص الخطير..’ كان ضوء الصباح يخترق ستار الليل الأسود في هدوء وسكينة مزقتهما صيحات تلك المرآة الغبية... استفاق الناس على صراخها الفظيع فتحلقوا حوله فرادى وجماعات ينظرون إليه نظرة شك وريبة ويحملقون فيه كمعتوه آت من كوكب آخر غير الأرض.. قال الجميع: إنه هو.. إنه هو.. ابن الإسكافي! لكن ما الذي جعله يتشبه بالنساء، تساءلوا في استغراب ووجوم.. وصل الخبر بسرعة البرق إلى سيد القبيلة الذي ما إن نهض من نومه حتى بادره وزيره بالمفاجأة السارة، فأمر جنده وعيونه بإحضاره فورا دون تأخير أو تأجيل.. إنها فرصة عمره أن يرى غريمه ابن الإسكافي بين يديه مكبلا بالأصفاد والأغلال.. وحيد ابن الإسكافي كان هو الآخر يحلم بالالتقاء بالسيد وجها لوجه، ولهذه الغاية تسلل إلى القبيلة متنكرا ومتخفيا. كان يأمل في الدخول إلى خيمته ليقول في حضرته ما يعتمل في صدره من كلام وما يضطرم في دواخله من براكين خامدة تنتظر الفرصة للاشتعال، وقد خطط للانقضاض عليه كالوحش الكاسر لينتقم لمقتل أبينا وإخوتنا الذين اغتالتهم أيادي الإثم والغدر بأمر من سيد القبيلة.. لم يبق في الحياة سوانا أنا ووحيد.. كنا يومها في القبيلة المجاورة نبتاع بعض الأغراض.. كان والدنا الأجدر بأخذ زمام الأمور في القبيلة، فهو سليل أول عائلة سكنت أرض القبيلة وملكتها أبا عن جد.. لم يكن صاحب الأمر والنهي الحالي الذي يلقبونه بالخنزير سوى متشرد تائه يصول ويجول في الأرض بلا هدف ولا غاية.. يحكون بأنه خرج يوماً إلى وجهة غير معلومة، فمكث بضع سنين ثم عاد رجلا آخر... تغيرت هيأته كثيرا.. لم يعد ذلك الرجل الهزيل الضامر، غائر العينين، عظمي الصدر، متصلب الشرايين، فقد امتلأ جسمه وظهرت عليه بوادر الغنى وملامح القوة والتمكين، بل إنه جاء محملا بعتاد ومال كثيرين، ومحاطا بحاشية مهابة الجانب.. ذهل الناس في قبيلتنا، ولم يصدقوا هذا التغيير، وكيف لصعلوك أن يملك هذه القوة وهذا المجد.. هناك من قال إنه عثر على كنز عظيم في الجبال المجاورة، وهناك من قال إن قبيلة ثرية جدا إلى حد التخمة هي من صنعت منه ذلك البطل... من ورق.. وهناك من يزعم أنه كان من قطاع الطريق الذين ينهبون القوافل بقدها وقد يدها.. عاد بألف يد ويد يبطش بها كيفما شاء، وألف عين وعين يرى بها متى شاء.. لم يتقبل الناس الخنزير في حلته الجديدة.. رفضوه ونبذوه كأي شيطان رجيم غير أنه استطاع بين عشية وضحاها أن يقلب الموازين فانصاع له الكثيرون خائفين ومكرهين ... حز في نفسه أن تجتمع القبيلة كلها على احترام والدي وتبايعه على السمع والطاعة، فاز أعوانه أزًّا وحرضهم على قتله... إنه كالضفدع لا يهوى العيش إلا في المياه الراكدة.. وتأتى له ما أراد بفضل شياطين الإنس الذين لم يهدأ لهم بال حتى سفكوا دم والدي الإسكافي، ودفعهم تعطشهم للدماء أن أضافوا إلى لائحة ضحاياهم جثث باقي أفراد أسرتنا... ظللنا معا – أنا وشقيقي – سنوات طوال خارج مدار قبيلتنا إلى حين كبرنا وكبر معنا حلم الرجوع إليها رجوع المنتصرين.. كنا ننتظر هبوب نسائم الحرية والانبعاث على أرجاء تلك الأرض الطيبة التي أنجبتنا، لكن الزمن طال ولم يزدد الخنزير سوى نجاسة على نجاسته، ولم يلح في الأفق أمل.. مجرد آلام تتجرعها القبيلة عن مفضض وَلاَتَ حين مفر.. فكر أخي وقدر ثم فكر وقدر، فاهتدى إلى حيلة تنكره في ثياب امرأة عجوز ترغب في رؤية حفيدها، فلا تعثر عليه مما يجعلها تتوسل بسيد القبيلة، وحين دخولها عليه في خيمته وبعد أن يرتاح لحديثها وينخدع لسذاجتها، تكشف عن وجهها الحقيقي، لينقض عليه وحيد انقضاض الأسد الجائع على طريد ته.. عندئذ يعلن للناس جميعا أن فجراً جديداً قد بزغ.. هذا الحلم الجميل لم يبلغه أخي فقط لأن شرذمة من أتباع الخنزير أبلغوا سيدهم المجنون بداء العظمة كونهم حصلوا على صيد ثمين.. مر الوقت بطيئا، يقول وحيد، وهم يحملونه على أكتافهم حتى أوصلوه إلى خيمة رب القبيلة فرموه عنده... حدج فيه الخنزير مثل خنزير حقيقي يهم بأكل فريسته... لم ترتعد فرائص وحيد كما ينتظر السيد... واجهه بقوة وحزم.. صرخ في وجهه أنه لا يستحق أن يكون سيداً لقبيلة حرة، فمتى كانت الخنازير أسيادا؟!.. فتح الخنزير فاه مندهشا، فلأول مرة يقول له إنسان: أنت خنزير... ومن يجرؤ على فعل كهذا سوى أحد شخصين: إما مجنون لا يدري ما يصنع أو ثمل لا يدري ما يقول... تملك السيدَ غضب عارم اهتزت له جنبات خيمته الكبيرة، فصاح صيحة واحدة تجمَّع لها كافة جنده وعسسه وخدمه وكلابه الأخرى.. وبإصبع واحد أمرهم: ‘انهشوا لحم هذا الطفيلي المقيت، فليس له ولا لأقرانه مكان هنا في قبيلتي.. هيا’.. أصاب الوجوم حراس أمير القبيلة.. هبوا فوقفوا وقفة رجل واحد، وضربوه جميعهم ضربة رجل واحد.. فكان ما كان من جروح في وجهه وكدمات في ظهره وأطرافه .. ولما فرغوا جاء زعيمهم ليقول لأخي بنبرة التحدي والعجرفة: ‘اهنأ يا ابن الإسكافي، لن تموت من الضرب والتعذيب.. سأتركك تعيش لترجع إلى أخيك ويرى ماذا حل بك’، فضحك ضحكة خال معها وحيد أنه لم يضحك مثلها من قبل.. استجمع كل البصاق الموجود في فمه وقذفه به في عينيه.. استشاط الخنزير غيظا، فقال آمراً جلاديه مرة أخرى: ‘عذبوا هذا الكلب ولا تمنحوه أكلا ولا شربا، ولكن لا تقتلوه ليكون عبرة لمن لم يعتبر بعد، ثم ارموا به خارج مضارب القبيلة’.. نفذوا أوامره بحذافيرها واجتهدوا في ذلك أيما اجتهاد.. قال لي وحيد: ‘وها أنذا الآن أمامك فما العمل؟’... صمتت برهة من الزمن واستجمعت شتات أفكاري، فأجبته: ‘اسمع يا وحيد، لست وحيدا، فإذا فعل بك الخنزير ما فعله، فهو يريد أن يوجه لي من خلالك رسالة مفادها أن أخاف وأرجع أدباري خائبا منهزما، ولكن أنَّى له ذلك؟ سأطلب من القبائل المجاورة مساعدتي وسأستعين برجالات قبيلتي الأكفاء لنيل حقنا في السيادة والأرض’... كان التعب قد أخذ مأخذه من أخي وحيد فتركته يستريح استراحة محارب في بيت متواضع نسكنه خارج القبيلة.. وعزمت على الذهاب إلى قبيلتنا وتحقيق مرادنا مهما كلفني ذلك من ثمن... انتظرت بعض الوقت وأنا أفكر في الوسيلة لبلوغ مرماي..