كتابات اخرى الصفحة 2 من 37

بواسطة:

مثقفونا والصــمــــت ...
الركون إلى الصمت هو السمة الغالبة التي تميز معظم مثقفينا في العالم العربي والإسلامي الذين يخلدون إلى هذا الحل كلما نزلت بالأمة قضية أو حدث جلل يمس هويتها في الصميم؛ حتى أنه يخيل للواحد منا أن المثقف العربي ليس له رأي أو أنه لا يتفاعل مع أحداث مجتمعه وأمته الإسلامية. وليس هناك ابرز من مثال : الحرب ضد العراق من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا زعيمتا هذا العالم الجديد :

فلماذا لا يتفاعل المثقف مع الوقائع الجسام التي تمر بها الأمة ؟ وهل حقا يفضل هذا المثقف الصمت والركون إلى الظل ؟ أم أن هناك عوامل أخرى لا يعرفها إلا هو؟.

يعلل المثقف العربي انحسار دوره وعدم وصول صوته إلى الجمهور بعدة عوامل. أولا: استهلاك الكتاب في الوطن العربي والإسلامي يصل إلى حدود ألفين نسخة في أحسن الأحوال وهو رقم ضعيف جدا بالمقارنة مع معدلات استهلاك الكتاب في بلدان أوربية أخرى. فتداول الكتاب بهذا المعدل يعني أننا أمة لا تقرأ. ثانيا : تلعب الرقابات في الوطن العربي دورا خطيرا في تراجع إشعاع المثقف القهقرى، بحيث أنها تتدخل في النقير والقطمير عند كل إنتاج ثقافي وفكري يحمل في طياته بذور الجدية والالتزام بقضايا الأمة.

ثالثا : مازال هناك خلل كبير في مستويات الجمهور المتلقي للمنتوج الثقافي كيف ما كان كتابا أو أفكارا أو موقفا سياسيا أو بيانا مناهضا أو مدافعا عن قضية ما.

إن المستوى الأول الذي يمثل قاعدة هرم المتلقي بنسبة كبيرة هو الجمهور الأمي المرتبط بالثقافات الشفوية، والمتأثر بشكل سلبي للغاية بالإعلام المرئي. وهو جمهور سلبي لا يعير اهتمام كبيرا للشأن الفكري وللقضايا الكبرى التي تعيشها الأمة الإسلامية. أما المستوى الثاني فهو جمهور محدود العدد، يمثل المتلقي المرتبط أساسا بالثقافة المكتوبة. لقد هيمن مفهوم الدولة القطرية بشكل غير مسبوق داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ بحيث أن المثقف العربي اليوم – يقول جورج طرابيشي – يكتب ليقرأ له مواطنوه فقط داخل بلده. فالمثقف المغربي ينتج للقارئ المغربي، والمثقف السعودي يكتب للمتلقي السعودي، وهكذا دواليك، إذ لا يوجد – إلا في ما ندر – مثقف عربي يخاطب كل العرب، ويتلقى فكره وإنتاجه بالقبول كل العرب من المحيط إلى الخليج.

لقد ميز غرامشي بين نوعين من المثقف : هناك مثقف تقليدي، ومثقف عضوي. المثقف التقليدي – عند غرامشي – يعيش على التراث التقليدي الديني للثقافة. أما المثقف العضوي فهو ملتزم بقضايا مجتمعه، ومدافع عن مصالح طبقة معينة وتحكمه إيديولوجية معينة. إن نظرية غرامشي هذا فيها كثير من الصحة رغم أنها كانت تنتسب إلى فترة بائدة هي مرحلة الحرب الباردة … يقول طرابشي : ‘للأسف، المثقف النقدي ما زال غائبا ونادرا في مجتمعنا، فنحن نجد المثقف المرتبط بالسلطة، ونجد أيضا المثقف التقليدي الذي له جمهور هائـل’.

ونعود لنتساءل : هل هذه الموانع تنفي مسؤولية المثقف في اتخاذ الموافق الحاسمة إزاء قضايا أمته ؟. طبعا لا، فمهما كانت العوامل التي تقف حجر عثرة في طريق التواصل بين المثقف وجمهوره، فإنها لا تشفع له انتكاسه وصمته عن قول ما يؤمن به. لكن هل هذا الصمت هو في حد ذاته موقف يتم عن حيرة المثقف العربي إزاء ما يجري ويدور ؟ بحيث أن ما يحدث حاليا من تجييش وحرب مزعومة ضد الإرهاب قد يكون أكبر من إدراكه، ثم إن المعادلة الصعبة التي تضع المجتمعات الإسلامية بين مطرقة القوة والهيمنة الأمريكية أحادية الجانب، وسندان الانتساب إلى الهوية الإسلامية هي معادلة تحكمها، ولا شك، خلفيات معقدة الصياغة ورهانات عسيرة الإنجاز.

إن الحرب ضد العراق كمثال لا غير قضية قد يكون للمثقف كفرد رأيه الخاص فيها، ولكن صياغة هذا الموقف رفقة مثقفين آخرين في شكل بيان أو تنديد أو غيره هو الذي لم يبلغه مثقفونا بعد. والأمر نفسه بالنسبة لاعتقاد الكثيرين من مثقفينا بأن الحكم في العراق هو حكم شمولي ديكتاتوري ذو تاريخ دموي يقوم على القمع، لكنه موقف يحتاج إلى جرأة من طرفهم وإفصاح له في صيغة موحدة وموقف موحد يهم الجميع. فمتى يتكلم مثقفونا ؟ ومتى تنفك عقدة صمتهم إزاء قضايا أمتنا ؟