كتاب مجموعة رسائل الصفحة 7 من 19

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى :

تأمل رحمك الله ستة مواضع من السيرة ، وافهمها فهماً حسناً ، لعل الله أن يفهمك دين الأنبياء لتتبعه ، ودين المشركين لتتركه ، فإن أكثر من يدعي الدين ويدعى من الموحدين لا يفهم الستة كما ينبغي :

(الأول) قصة نزول الوحي ، وفيها أن أول آية أرسله الله بها : ’ يا أيها المدثر قم فأنذر ’ إلى قوله : ’ ولربك فاصبر ’ فإذا فهمت أنهم يفعلون أشياء كثيرة يعرفون أنها من الظلم والعدوان مثل الزنا ، وعرفت أيضاً أنهم يفعلون شيئاً من العبادة يتقربون بها إلى الله مثل الحج والعمرة والصدقة على المساكين والإحسان إليهم وغير ذلك ، وأجلها عندهم الشرك فهو أجل ما يتقربون به إلى الله عندهم كما ذكر الله عنهم أنهم قالوا : ’ ما نعبدهم إلا لقربونا إلى الله زلفى ويقولون ‘هؤلاء شفعاؤنا عند الله ’ وقال تعالى : ’ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ’ فأول ما أمره الله به الإنذار عنه قبل الإنذار عن الزنا والسرقة وغيرهما ، وعرفت أن منهم من تعلق على الأصنام ، ومنهم من تعلق على الملائكة وعلى الأولياء من بني آدم ويقولون ما نريد منهم إلا شفاعتهم ، ومع هذا بدأ بالإنذار عنه في أول آية أرسله الله بها فإن أحكمت هذه المسألة فيا بشراك ، خصوصاً إذا عرفت أن ما بعدها أعظم من الصلوات الخمس ، ولم تفرض إلا في ليلة الإسراء سنة عشر بعد حصار الشعب وموت أبي طالب وبعد هجرة الحبشة بسنتين ، فإذا عرفت أن تلك الأمور الكثيرة والعداوة البالغة وكل ذلك عند هذه المسألة قبل فرض الصلاة رجوت أن تعرف المسألة .

(الموضع الثاني) : أنه صلى الله عليه وسلم لما قام ينذرهم عن الشرك، ويأمرهم بضده وهو التوحيد ، لم يكرهوا ذلك واستحسنوه وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه ، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة وقالوا : سفه أحلامنا وعاب ديننا وشتم آلهتنا . ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يشتم عيسى وأمه ولا الملائكة ولا الصالحين ، لكن لما ذكر أنهم لا يدعون ولا ينفعون ولا يضرون جعلوا ذلك شتماً .

فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ـ ولو وحد الله وترك الشرك ـ إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض كما قال تعالى : ’ لا تجد قوماَ يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ’ الآية . فإذا فهمت هذا فهماً جيداً عرفت أن كثيراً من الذين يدعون الدين لا يعرفونها ، وإلا فما حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجرة إلى الحبشة ، مع أنه صلى الله عليه وسلم أرحم الناس لو يجد لهم رخصة لأرخص لهم ، كيف وقد أنزل الله تعالى : ’ ومن الناس من يقول آمنا بالله ، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ’ . فإذا كانت الآية فيمن وافقهم بلسانه فكيف بغير ذلك.

(الموضع الثالث) : قصة قراءته صلى الله عليه وسلم سورة النجم بحضرتهم ، فلما بلغ : ’ أفرأيتم اللات والعزى ’ ألقى الشيطان في تلاوته : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترجى . فظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها فرحوا بذلك وقالوا كلاماً معناه : هذا الذي نريد ونحن نعرف أن الله هو النافع الضار وحده لا شريك له ، ولكن هؤلاء يشفعون لنا عنده . فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه ، فشاع الخبر أنهم صافوه ، وسمع بذلك من بالحبشة فرجعوا ، فلما أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عادوا إلى شر مما كانوا عليه . ولما قالوا له إنك قلت ذلك خاف من الله خوفاً عظيماً حتى أنزل الله عليه : ’ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ’ الآية ، فمن فهم هذه القصة ثم شك بعدها في دين النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفرق بينه وبين دين المشركين فأبعده الله خصوصاً إن عرف أن قولهم : ‘تلك الغرانيق ’ الملائكة .

(الموضع الرابع) : قصة أبي طالب . فمن فهمها فهماً حسناً وتأمل إقراره بالتوحيد ، وحث الناس عليه ، وتسفيه عقول المشركين ، ومحبته لمن أسلم وخلع الشرك ، ثم بذل عمره وماله وأولاده وعشيرته في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن مات ،ثم صبره على المشقة العظيمة والعداوة البالغة ، لكن لما لم يدخل فيه ولم يتبرأ من دينه الأول لم يصر مسلماً ، مع أنه يعتذر من ذلك بأن فيه مسبة لأبيه عبد المطلب ولهاشم وغيرهما من مشايخهم ، ثم مع قرابته ونصرته استغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى عليه : ’ ما كان للنبي والذين آمنوا معه أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم’ والذي يبين هذا أنه إذا عرف رجل من أهل البصرة أو الاحساء بحب الدين وبحب المسلمين ، مع أنه لم ينصر الدين بيد ولا مال ولا له من الأعذار مثل ما لأبي طالب ، وفهم الواقع من أكثر من يدعى الدين تبين له الهدى من الضلال ،وعرف سوء الأفهام ، والله المستعان .

(الموضع الخامس) : قصة الهجرة ، وفيها من الفوائد والعبر مال لا يعرفه أكثر من قرأها ، ولكن مرادنا الآن مسألة من مسائلها ، وهي أن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يهاجر ـ من غير شك في الدين وتزين دين المشركين ـ ولكن محبة للأهل والمال والوطن ، فلما خرجوا إلى بدر خرجوا مع المشركين كارهين ، فقتل بعضهم بالرمي والرامي لا يعرفه ، فلما سمع السحابة أن من القتلى فلاناً وفلاناً شق عليهم وقالوا : قتلنا إخواننا ، فأنزل الله تعلى : ’ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً ، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ، وكان الله عفواً غفوراً ’ .

فمن تأمل قصتهم وتأمل قول الصحابة قتلنا إخواننا ‘علم’ أنه لو بلغهم عنهم كلام في الدين أو كلام في تزيين دين المشركين لم يقولوا قتلنا إخواننا ، فإن الله تعالى قد بين لهم ـ وهم بمكة قبل الهجرة أن ذلك كفر بعد الإيمان بقوله تعالى : ’ من كفر بالله من بعد إيمانه ، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ’ . وأبلغ من هذا ما تقدم من كلام الله تعلى فيهم ، فإن الملائكة تقول : ‘فيم كنتم ’ ؟ ولم يقولوا كيف تصديقكم ’ قالوا كنا مستضعفين في الأرض ’ ولم يقولوا كذبتم مثل ما يقول الله والملائكة للمجاهد الذي يقول جاهدت في سبيلك حتى قتلت ، فيقول الله كذبت ، وتقول الملائكة كذبت ، بل قاتلت ليقال جرئ ، وكذلك يقولون للعالم والمتصدق كذبت بل تعلمت ليقال عالم ، وتصدقت ليقال جواد . وأما هؤلاء فلم يكذبوهم بل أجابوهم بقولهم : ’ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها’ ؟ ويزيد ذلك إيضاحاً للعارف والجاهل الآية التي بعدها وهي قوله تعالى : ’ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ’ فهذا أوضح جداً أن هؤلاء خرجوا من الوعيد فلم يبق شبه ، لكن لمن طلب العلم ، بخلاف من لم يطلبه بل قال الله فيهم : ’ صم بكم عمي فهم لا يرجعون ’ . ومن فهم هذا الموضع والذي قبله فهم كلام الحسن البصري قال : ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ،ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال . وذلك أن الله تعالى يقول : ’ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ’ .