كتاب كشف الشبهات الصفحة 3 من 4

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

فقل صدقت ، وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها . فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام فهو المطلوب . ويقال له أيضاً : قولك الشرك عبادة الأصنام هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا ، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك ، فهذا يرده ما ذكره الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين ، فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن . وهذا هو المطلوب . وسر المسألة : أنه إذا قال أنا لا أشرك بالله . فقل له ، وما الشرك بالله فسره لي : فإن قال هو عبادة الأصنام : فقل وما معنى عبادة الأصنام فسرها لي : فإن قال أنا لا أعبد إلا الله وحده . فقل : ما معنى عبادة الله وحده فسرها لي ، فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب ، وإن لم يعرفه فكيف يدعى شيئاً وهو لا يعرفه . وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان ، وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه ، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم حيث قالوا : (( اجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب )) صورة ص آية : 5 . فإن قال إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء ، وإنما يكفرون لما قالوا : الملائكة بنات الله ، فإنا لم نقل عبد القادر ابن الله ولا غيره . فالجواب أن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل ، قال الله تعالى : ( قل هو الله أحد ، الله الصمد )) سورة الإخلاص آية:2 . والأحد الذي لا نظير له . والصمد هو المقصود في الحوائج ، فمن جحد هذا فقد كفر ، ولو لم يجحد السورة ، وقال الله تعالى : (( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله )) سورة المؤمنون آية : 91 . ففرق بين النوعين ، وجعل كلا منهما كفراً مستقلاً ، وقال تعالى : (( وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم ، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم )) سورة الأنعام آية :100 ففرق بين كفرين ، والدليل على هذا أيضاً : أن الذين كفروا بدعاء اللات مع كونه رجلاً صالحاً لم يجعلوه ابن الله ، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك . وكذلك أيضاً العلماء في جميع المذاهب الأربعة يذكرون في ( باب حكم المرتد ) أن المسلم إذا زعم أن الله ولداً فهو مرتد ، ويفرقون بين النوعين ، وهذا في غاية الوضوح . وإن قال : (( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) سورة يونس آية : 62 ، فقل هذا هو الحق ، ولا يعبدون . ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله وشركهم معه ، وإلا فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم . ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال ، ودين الله وسط طرفين ، وهدى بين ضلالتين وحق بين باطلين ، فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا ( كبير الاعتقاد ) هو الشرك الذي نزل فيه القرآن وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عليه . فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين : أحدهما : أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء . وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء . كما قال تعالى : (( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً )) سورة الإسراء آية :67 . وقوله : (( قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ، بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون )) . سورة الأنعام آية 40 . وقوله : (( وإذا مسّ الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه )) إلى قوله : (( قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار )) سورة الزمر آية : 8 وقوله : (( وإذا غشيهم موج كالظّلل دعوا الله مخلصين له الدين )) سورة لقمان آية : 32 . فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه ، وهي أن المشركين الذين فاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء . وأما في الضراء والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له وينسون سادتهم ، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين . ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهماً راسخاً ، والله المستعان. الأمر الثاني : أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء ، وإما ملائكة ، أو يدعون أشجاراً أو أحجاراً مطيعة لله ليست عاصية . وأهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس . والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك . والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به . إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصح عقولاً ، وأخف شركاً من هؤلاء . فاعلم أن لهؤلاء ( شبهة ) يوردونها على ما ذكرنا ، وهي من أعظم شبههم فاصغ سمعك لجوابها . وهي أنهم يقولون : إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن ( لا إله إلا الله ) ويكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم وينكرون البعث ، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً ، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ونصدق القرآن ، ونؤمن بالبعث ، ونصلي ، ونصوم . فكيف تجعلوننا مثل أولئك . فالجواب : أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء وكذبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام ، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه ، كمن أقرّ بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة ، أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة ، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم أو أقر بهذا كله وجحد الحج . ولما لم ينقد أناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للحج ، أنزل الله في حقهم (( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً . ومن كفر فإن الله غني عن العالمين )) سورة آل عمران آية : 97 . ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع ، وحل دمه وماله كما قال تعالى : (( إن الذين يكفرون بالله ورسله ، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ، ويقولون نؤمن ببعض ، ونكفر ببعض ، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً ، أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً )) سورة النساء آية : 150 ، 151 . فإذا كان الله قد صرّح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقاً ، وأنه يستحق ما ذكر زالت الشبهة . وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الإحساء في كتابه الذي أرسله إلينا . ويقال أيضاً إن كنت تقر أن من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء ، وجحد وجوب الصلاة إنه كافر حلال الدم والمال بالإجماع ، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث ، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله لا تختلف المذاهب فيه ، وقد نطق به القرآن كما قدمنا . فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فكيف إذا جحد الإنسان شيئاً من هذه الأمور كفر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر ، سبحان الله ما أعجب هذا الجهل . ويقال أيضاً : هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوا بني حنيفة ، وقد أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويؤذنون ويصلون . فإن قال إنهم يقولون : إن مسيلمة نبي ، فقل هذا هو المطلوب ، إذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي صلى الله عليه وسلم كفر وحلّ ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف ؟ أو صحابياً أو نبياً إلى مرتبة جبار السموات والأرض ، سبحان الله ما أعظم شأنه (( كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون )) سورة الروم آية : 59 . ويقال أيضاً : (( الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار كلهم يدعون الإسلام ، وهم من أصحاب علي ، وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما ، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم ؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين ؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر ، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفّر . ويقال أيضاً ، بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس كلهم يشهدون أن (( لا إله إلا الله