كتاب الطهارة الصفحة 7 من 11

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

باب نواقض الوضوء الأول : الخارج من السبيلين إن كان معتاداً كالمذي والودي والريح نقض إجماعاً . ودم الاستحاضة ينقض في قول عامة أهل العلم إلا ربيعة وإن كان نادراً كالدم والدود فينقض أيضاً . وقال مالك : ليس في الدود الذي يخرج من الدبر وضوء ، وروى عن مالك أنه لم يوجب الوضوء من هذا الضرب لأنه نادر . ولنا أنه صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة ودمها غير معتاد . وسئل أحمد عن رجل ربما ظهرت مقعدته قال : إن علم أن يظهر معها ندى توضأ وإلا فلا شيء عليه ، قال شيخنا : يحتمل أنه أراد ندى ينفصل فأما الرطوبة اللازمة فلا تنقض لأنها لا تنفك عن رطوبة . والمذي ينقض إجماعاً ، وهل يجب غسل الذكر والانثيين منه؟ فيه روايتان إحداهما : يجب لما في حديث على 'توضأ وانضح فرجك' رواه مسلم ولأبي داود يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ فعلى هذا يجزئه غسلة واحدة لقوله : ' انضح فرجك ' سواء غسله قبل الوضوء أو بعده ، والثانية : لا يوجب إلا الاستنجاء والوضوء روى ذلك عن ابن عباس وهو قول أكثر أهل العلم لحديث سهل ابن حنيف 'إنما يجزيك من ذلك الوضوء ' صححه الترمذي . والغسل في حديث على محمول على الاستحباب وقوله : 'إنما يجزيك ' الخ صريح في حصول الإجزاء به . الثاني : الخارج النجس من غير السبيلين غير البول والغائط ينقض كثيره روى عن ابن عباس وابن عمر ، وقال مالك والشافعي وابن المذر : لا وضوء فيه كالبصاق ، ولنا حديث ثوبان قيل لأحمد : ثبت عندك ؟ قال : نعم . ولأنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة : 'إنه دم عرق فتوضئي لكل صلاة ' رواه الترمذي ، علل بكونه دم عرق وهذا كذلك ، فأما القليل فلا ينقض حكاه القاضي رواية واحدة . وقيل ينقض وهو قول أبي حنيفة وسعيد بن جبير فيما إذا سال الدم ، ووجه الأولى أنه قد روى عن جماعة من الصحابة قال أبو عبد الله : عدة من الصحابة تكلموا فيه ، أبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه ، وابن عمر عصر بثرة فخرج دم فصلى ولم يتوضأ ، وابن أبي أوفى عصر دملاً ، وابن عباس قال : إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة ، وجابر أدخل أصابعه في أنفه ، قيل لأحمد : ما الفاحش ؟ قال : ما فحش في قلبك ، والقيح والصديد كالدم فيما ذكرنا قال أحمد : هما أخف حكماً من الدم . الثالث : زوال العقل على ضربين نوم وغيره ، فأما الجنون والإغماء والسكر ونحوه فينقض إجماعاً ، وأما النوم فينقض في الجملة في قول عامة أهل العلم إلا ما حكى عن أبي موس الأشعري وأبي مجلز وعن سعيد بن المسيب أنه كان ينام مراراً مضطجعاً ينتظر الصلاة ثم يصلي ولا يعيد الوضوء ، ولعلهم ذهبوا إلى أنه ليس بحدث في نفسه والحدث مشكوك فيه فلا يزول اليقين بالشك ، ولنا حديث صفوان بن عسال لكن من غائط وبول ونوم حديث صحيح . ونوم المضطجع ينقض يسيره عند جميع القائلين بنقض الوضوء بالنوم ،ونوم القاعد إن كان يسيراً لم ينقض وهذا قول مالك ، وقيل : متى خالط النوم القلب نقض بكل حال وهذا قول اسحق وأبي عبيد وابن المنذر لعموم الأحاديث ، ولنا ماروى مسلم عن أنس قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضأون ، ولأبي داود ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم ، وقال الشافعي : لا ينقض وإن كثر إذا كان قاعداً متمكناً مفضياً بمحل الحدث إلى الأرض لحديثي أنس وبهما يتخصص العموم ، ولنا العموم وخصصناه بحديث أنس وليس فيه بيان كثرة ولا قلة فحملناه على اليقين ، وأما نوم القائم والراكع والساجد ففيه روايتان : إحداهما ينقض وهو قول الشافعي لأنه ليس في معنى المنصوص عليه ، والثانية حكمه حكم الجالس قياساًَ وهذا قول سفيان وأصحاب الرأي لحديث ابن عباس : فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني رواه مسلم . واختلفت الرواية في المستند والمحتبي ، واختلفت في حد اليسير ، قال شيخنا : الصحيح أنه لا حد له لأن التحديد إنما يعلم بالتوقيف . (الرابع) مس الذكر واختلفت الرواية فيه على ثلاث : إحداهما لا ينقض روى عن علي وعمار وابن مسعود وأصحاب الرأي وابن المنذر لحديث 'إنما هو بضعة منك' رواه أبو داود والترمذي وأحمد . والثانية ينقض بكل حال وهو مذهب ابن عمر وابن المسيب والشافعي والمشهور عن مالك لحديث بسرة صححه الترمذي وأحمد ، فأما حديث قيس فقال أبو زرعة وأبو حاتم : قيس مما لا تقوم بروايته حجة ووهناه ولم يثبتاه . والثالثة لا ينقض إلا أن يقصد مسه . وقال الشافعي ومالك : لا ينقض مسه بظاهر الكف . ولا فرق بين ذكره وذكر غيره خلافاً لداود ، قال الزهري والأوزاعي : لا ينقض مس ذكر الصغير لأنه يجوز مسه والنظر إليه ، ولنا عموم الأحاديث . وفي مس الدبر ومس المرأة فرجها روايتان إحداهما ينقض لعموم قوله : :من مس فرجه فليتوضأ' رواه ابن ماجه عن أم حبيبة قال أحمد وأبو زرعة : حديث أم حبيبة صحيح . (الخامس) أن تمس بشرته أنثى لشهوة ، وعنه لا ينقض ، قال ابن مسعود : القبلة من اللمس وفيها الوضوء رواه الأثرم . وعن أحمد لا ينقض بحال يروى عن ابن عباس . وقول عائشة : فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي متفق عليه ، والآية أريد بها الجماع قاله ابن عباس ، والرواية الثالثة ينقض لشهوة جمعاً بين الآية والأخبار وهو مذهب مالك واسحق ، فإن لمسها من وراء حائل لم ينقض في قول أكثر أهل العلم ، وقال مالك : ينقض إذا كان ثوباً رقيقاً ، وكذا قال ريعة إذا غمزها من وراء ثوب رقيق لشهوة . وسئل أحمد عن المرأة إذا مست زوجها قال : ما سمعت فيه شيئاً ولكن هي شقيقة الرجل يعجبني أن تتوضأ . ولا ينقض لمس شعر المرأة ، ويتخرج أن ينقض إذا كان لشهوة ، وفي نقض وضوء الملموس روايتان . (السادس) غسل الميت لأن ابن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسله بالوضوء ، قال أبو هريرة : أقل ما فيه الوضوء ولا نعلم لهم مخالفاً في الصحابة ، وقيل : لا ينقض وهو قول أكثر العلماء ، قال شيخنا : وهو الصحيح لأنه لم يرد فيه نص ولا هو في معنى المنصوص عليه ، وكلام أحمد يدل على أنه مستحب فإنه قال : أحب إلىّ أن يتوضأ وعلل نفي الوجوب بكون الخبر موقوفاً على أبي هريرة . (السابع) أكل لحم الجزور ، وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي : لا وضوء عليه . ومن العجب أنهم أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة تخالف الأصول ، فأبو حنيفة أوجبه بالقهقهة في الصلاة دون خارجها بحديث مرسل من مراسيل أبي العالية ، ومالك والشافعي أوجباه بمس الذكر بحديث مختلف فيه معارض بمثله ، فإن شرب من لبنها فعلى روايتين : إحداهما ينقض لحديث أسيد بن حضير رواه أحمد وعن ابن عمر مثله ، والثانية لا وضوء عليه لأن حديث أسيد فيه الحجاج بن أرطاة وحديث ابن عمر فيه عطاء بن السائب وقد اختلط في آخر عمره . وإن أكل من كبدها وطحالها فعلى وجهين أحدهما : لا ينقض والثانية : ينقض لأن اللحم يعبر به عن جملة الحيوان كلحم الخنزير . (الثامن) الردة عن الإسلام ، قال ابن المنذر : أجمع من نحفظ قوله على أن القذف وقول الزور لا ينقض . وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث وذلك استحباب ،وثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال : ' من حلف باللات فليقل لا إله إلا الله' ولم يأمره بالوضوء ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بني على اليقين وبهذا قال عامة أهل العلم ، وقال مالك : إذا شك في الحدث إن كان يلحقه كثيراً فهو على وضوئه وإلا توضأ ولا يدخل في الصلاة مع الشك ، ولنا حديث أبي هريرة وفيه : 'فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً' رواه مسلم . ومن أحدث حرم عليه مس المصحف ، وأباحه داود لأنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر آية ، ولنا قوله : (لا يمسه إلا المطهرون) وفي كتاب عمرو بن حزم 'أن لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر' ويجوز تقليبه بعود ومسه به وكتب المصحف بيده من غير أن يمسه . وذكر ابن عقيل في ذلك كله ، وفي حمله بعلاقته روايتين ، والصحيح الجواز لأن النهي إنما تناول مسه ،وفي مس الصبيان ألواحهم التي فيها القرآن وجهان ، ولا تجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب لحديث ابن عمر . ومن هنا إلى آخر الباب من (الانصاف) : قوله (الثاني) خروج سائر النجاسات من سائر البدن ، واختار الشيخ : لا ينقض الكثير مطلقاً ، وعنه لا ينقض نوم الجالس وإن كان كثيراً واختاره الشيخ ، ونقل الميموني لا ينقض النوم بحال ، واختاره الشيخ إن ظن بقاء طهره . (الرابع) مس الذكر ، وعنه لا ينقض بل يستحب الوضوء منه اختاره الشيخ . (الخامس) مس أنثى لشهوة ، وعنه لا ينقض مطلقاً اختاره الشيخ ، وحيث قلنا لا ينقض استحب الوضوء مطلقاً ،وقال الشيخ : يستحب إن لمسها لشهوة وإلا فلا . (السادس) غسل الميت ،وعنه لا ينقض اختاره الشيخ . (السابع) أكل لحم الجزور ، وعنه لا ينقض اختاره الشيخ ، وعنه لا يعيد إن طالت المدة ، وقيل لا يعيد متأول . وعنه إن علم النهي نقض فعليها عدم العلم بالنهي هو عدم العلم بالحديث قاله الشيخ فمن علم لا يعذر ، وعنه بلى مع التأويل ، وقال الشيخ : أما لحم الخبيث المباح للضرورة كلحم السباع فينبني الخلاف فيه على أن النقض بلحم الإبل تعبدي فلا يتعدى أو معقول المعنى فيعطى حكمه بل هو أبلغ منه ، والصحيح من المذهب أنه تعبدي ، وقيل : معلل فقد قيل أنها من الشياطين كما جاء في الحديث الصحيح رواه أبو داود ، فإذا أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية فشرع الوضوء منها ليذهب سورة الشيطان وفي حديث آخر 'على ذروة كل بعير شيطان' . والطواف يشترط له الطهارة ، وعنه يجزئه بلا طهارة ويجبره بدم ، وعنه وكذا الحائض واختاره الشيخ وقال : لا دم عليها لعذر .