كتاب الطهارة الصفحة 6 من 11

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

باب المسح على الخفين قال ابن المبارك : ليس في السمح على الخفين اختلاف ، وعن جرير قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه متفق عليه . قال ابراهيم :كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة . قال أحمد : ليس في قلبي من المسح شيء ، فيه أربعون حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال : هو أفضل من الغسل لأنه صلى الله عليه وسلم واصحابه إنما طلبوا الأفضل . وهو مذهب الشافعي واسحق لحديث : ' إن الله يحب أن يؤخذ برخصه' ولأن فيه مخالفة أهل البدع ،وعنه الغسل أفضل ، لأنه المذكور في كتاب الله تعالى والمسح رخصة . ويجوز المسح على الجرموقين ، والجرموق مثال الخف إلا أنه يلبس فوق الخف والجوربين ، قال ابن المنذر : يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة وبه قال ابن المسيب والثوري وإسحق ، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي : لا يجوز إلا أن ينعلا لأنه لا يمكن متابعة المشي فيهما . ولنا قول المغيرة : مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجوربين والنعلين رواه أبو داود والترمذي وصححه ، وهذا يدل على أنهما لم يكونا منعولين لأنه لو كانا كذلك لم يذكر النعلين فإنه لا يقال مسح على الخف ونعله ، ولأن الصحابة فعلوه ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم ، وسئل أحمد عن جورب الخرق فكره المسح عليه ولعله إنما كرهه لأن الغالب فيه الخفة وأنه لا يثبت بنفسه وإن كان مثل جورب الصوف في الصفاقة فلا فرق فإن كان لا يثبت إلا بالنعل أبيح المسح عليه مادام في النعل لحديث المغيرة ، قال القاضي : يمسح على الجورب والنعل كما في الحديث ، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم إنما مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم فأما أسفله وعقبه فلا يسن مسحه من الخف فكذلك من النعل . وممن قال بحواز السمح على العمامة أبو بكر وعمر وهو قول ابن المنذر ، وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي : لا يمسح عليها لقوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم) ولنا قول المغيرة : توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة صححه الترمذي وروى مسلم أيضاً معناه وروى البخاري معناه أيضاً عن عمر وابن أمية مرفوعاً ، ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم ، والآية لا تنفي ما ذكرنا فإنه صلى الله عليه وسلم مبين لكلام الله ومسحه يدل على أن المراد المسح على الرأس أو حائله . ويجوز المسح على الجبائر لحديث صاحب الشجة رواه أبو داود ، وهذا قول مالك واصحاب الرأي ، وقال الشافعي : في أحد قوليه يعيد الصلاة لأن الله أمر بالغسل ولم يأت به ، ووجه الأولى ما ذكرنا ولأنه مسح على حائل أبيح له المسح عليه فلم تجب الإعادة .وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان أراد القلانس المبطنات كدنيات القضاة ، فأما الكلتة فلا يجوز المسح عليها لا نعلم فيه خلافاً لأنها لا تستر جميع الرأس عادة ولا تدوم عليه ، فأما القلانس التي ذكرنا فعنه لا يجوز المسح عليها وبه قال مالك والشافعي النعمان ، قال ابن المنذر : لا نعلم أحداً قال به إلا أنه روى عن أنس انه مسح على قلنسيته ، وعنه يجوز وهو اختيار الخلال قال : لأنه روى عن صحابيين بأسانيد صحاح ، وفي الخٌمر روايتان ، إحداها : يجوز، روى عن أم سلمة حكاه ابن المنذر ، والثانية : لا يجوز وهو قول مالك والشافعي . ولا نعلم خلافاً في اشتراط تقدم الطهارة لكل ما يجوز المسح عليه إلا الجبيرة ، ووجهه حديث المغيرة وفيه 'دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ' متفق عليه ، فأما إن غسل إحداهما ثم لبس الخف ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف لم يجز ، وعنه يجوز ، واختلف الرواية في الجبيرة فعنه لا يشترط تقدم الطهارة لها لحديث صاحب الشجة لأنه لم يذكر الطهارة ، ويحتمل أن يشترط التيمم عند العجز عن الطهارة لأن فيه : 'إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليها' وعنه يشترط الطهارة لها فعليها إذا خاف من نزعها تيمم ولا يحتاج مع مسحها إلى التيمم ، قال شيخنا : يحتمل أن يتيمم مع المسح فيما إذا تجاوز بها موضع الحاجة لأن ما يمسح على موضع الحاجة يقتضي المسح والزائد يقتضي التيمم ، وكذا إذا شدها على غير طهارة لأنه مختلف في جواز المسح عليها فإذا جمع بينهما خرج من الخلاف ، وللشافعي في الجمع بينهما قولان في الجملة لحديث صاحب الشجة ،ولنا أنه محل واحد فلا يجمع بين بدلين كالخف ، وإن وضع على جرحه دواء وخاف من نزعه مسح عليه لما روى الأثرم عن ابن عمر أنه خرج بإبهامه قرحة فألقمها مرارة وكان يتوضأ عليها . وإن كان في رجله شق وجعل فيه قير فقال أحمد : ينزعه هذا أهون هذا لا يخاف منه وتعليله يقتضي أنه متى خاف منه جاز المسح عليه ، قال مالك في الظفر يسقط : يكسوه مصطكاً ويسمح عليه ، فإن لم يكن على الجرح عصابة غسل الصحيح وتيمم للجريح ولم يسمح ، وروى حنبل عن أحمد في المجروح والمجدور يخاف عليه يمسح موضع الجرح ويغسل ما حوله يعني يمسح إذا لم يكن عصابة . ويمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن لا نعلم فيه خلافاً في المذهب ، وقال الليث : يمسح ما بدا له ، وكذلك قال مالك في المسافر ، وعنه في المقيم روايتان لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه 'قيل له : أنمسح على الخفين؟ قال : نعم قيل : يوماً قال : ويومين قيل : وثلاثة؟ قال : ما شئت' رواه أبو داود . ولنا حديث علي رواه مسلم . وعن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم رواه أحمد وقال : هذا أجود حديث في المسح لأنه في آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وحديثهم ليس بالقوي وقد اختلف في إسناده قاله أبو داود . وابتداء المدة من الحدث بعد اللبس ، وعنه من المسح وهو اختيار ابن المنذر لقوله يسمح المسافر ثلاثة أيام ، ووجه الأول ما نقل في حديث صفوان : من الحدث إلى الحدث . ومن مسح مسافراً ثم أقام أتم مسح مقيم لا نعلم فيه خلافاً ، وإن مسح مقيم ثم سافر أتم مسح مقيم ، وعنه مسح مسافر ، لحديث يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن وهذا مسافر ، وأن أحدث ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر لا نعلم فيه خلافاً . ولا يحوز إلا على ما يستر محل الفرض ويثبت بنفسه . وحكى عن الأوزاعي ومالك جواز المسح على المقطوع دون الكعبين فأما ما يسقط إذا مشى فلا يشق نزعه ولا يحتاج إلى المسح عليه ، وقال الثوري وإسحق وابن المنذر : يجوز المسح على كل خف يعنى وإن ظهر بعض القدم ، وقال الأوزاعي : يمسح على المخروق وعلى ما ظهر من رجله ، وقال مالك إن كثر وتفاحش لم يجز وإلا جاز ، وتعلقوا بعموم الحديث . ولا يجوز المسح على اللفائف والخرق لا نعلم فيه خلافاً . وإن ليس خفاً فلم يحدث حتى لبس عليه آخر جاز المسح على الفوقاني . ومنع منه مالك والشافعي في أحد قوليهما لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب فلم يتعلق به رخصة عامة كالجبيرة فأما إن لبس الفوقاني بعد أن أحدث لم يجز المسح لأنه لبس على غير طهارة . وقال بعض أصحاب الشافعي : يجوز ويمسح أعلا الخف دون أسفله وعقبه فيضع يده على الأصابع ثم يمسح إلى ساقه رواه الخلال من حديث المغيرة ، قال أحمد : كيفما فعلت فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين . ولايسن مسح أسفله ولاعقبه . وروى مسح ظاهرهما وباطنهما عن سعد بن أبي وقاص وغيره لقول المغيرة : مسح أعلا الخف واسفله رواه أبو داود . ولناحديث علي : لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه رواه أبو داود . وحديثهم معلول قاله الترمذي قال : سألت أبازرعة ومحمداً عنه فقالا : ليس بصحيح . قال أحمد هذا من وجه ضعيف ولا خلاف أنه يجزيء الاقتصار على مسح ظاهرهما حكاه ابن المنذر . والمجزيء أن يسمح أكثر مقدمه . وقال الشافعي : يجزيء القليل لأنه أطلق ولم ينقل فيه تقدير . ولا يستحب التكرار ، لأن في حديث المغيرة مسحة واحدة ، والمستحب أن يفرج أصابعه إذا مسح . ومن شرط جواز المسح على العمامة أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه ، ومتى كانت محنكة جاز المسح رواية واحدة سواء كان لها ذؤابة أو لا هذه عمائم العرب ، ولا يجوز على غير المحنكة إلا ذات الذؤابة فيجوز في أحد الوجهين لأنها لا تشبه عمائم أهل الذمة إذ ليس من عادتهم الذؤابة ، والثاني لا يجوز وهو الأظهر ، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتلحي ونهى عن الاقتطاط رواه أبو عبيد ، قال : والاقتطاط أن لا يكون تحت الحنك منها شيء . وما جرت العادة بكشفه من الرأس استحب أن يمسح عليه مع العمامة لأنه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعمامته في حديث المغيرة ، وهل يجب ؟ فيه وجهان . ولا يجب مسح الأذنين معها لا نعلم خلافاً ، واختلفت الرواية في وجوب استيعابها بالمسح فروى ما يدل على أنه يجزيء مسح أكثرها . ويمسح على الجبيرة إذا لم يتجاوز قدر الحاجة لأنه لا يشق المسح عليها كلها بخلاف الخف . فإن شدها على مكان يستغنى عن شدها عليه لم يجز ، وروى عنه أنه سهل فيه في مسألة الميموني والمروذي لأن هذا لا ينضبط وهو شديد جداً فعليه لا بأس بالمسح على العصائب كيف شدها . ومتى ظهر قدم الماسح أو رأسه وانقضت المدة استأنف الطهارة ، وعنه يجزيء مسح رأسه وغسل قدميه ، وقال الحسن وقتادة : لا يتوضأ ولا يغسل قدميه اختاره ابن المنذر ، وإذا انقضت المدة لزمه الخلع واستئناف الطهارة على الأولى ، وعلى الثانية يجزيه مسح رأسه وغسل قدميه . ونزع أحد الخفين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم ، وقال الزهري : يغسل القدم الذي نزع منه الخف ويمسح الآخر فإن أخرج قدمه إلى ساق الخف فهو كخلعه ، وقال الشافعي لا يتبين لي أن عليه الوضوء إلا أن يظهر بعضها ، قال أحمد : إذا زالت العمامة عن هامته لا بأس ما لم ينقضها أو يفحش ذلك ، ولا مدخل لحائل في الطهارة الكبرى إلا الجبيرة لحديث صفوان إلا من جنابة ، فأما الجبيرة فيجوز لحديث صاحب الشجة . ومن هنا إلى آخر الباب من (الانصاف) : قال الشيخ : وفصل الخطاب أن الأفضل في حق كل واجد ما هو الموافق لحال قدمه ، فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان غسلهما ولا يتحرى لبس الخف ليمسح كما كان عليه أفضل الصلاة والسلام يغسل قدميه إن كانتا مكشوفتين ويمسح إذا كان لابساً للخف . ويلبس بعد كمال الطهارة ، وعنه لا يشترط كمالها اختاره الشيخ وصاحب الفائق وقال : وعنه لا تشترط الطهارة لمسح العمامة ذكره ابن هبيرة ، وحكى أبو الفرج رواية بعدم اشتراط تقدم الطهارة رأساً فلو لبس محدثاً ثم توضأ وغسل رجليه في الخف جاز له المسح ، قال الزركشي : وهو غريب بعيد ، قلت : اختاره الشيخ وقال : يتوجه أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على الطهارة ويكفي فيها الطهارة المستدامة لأن العادة أن من توضأ مسح رأسه ورفع العمامة ثم أعادها ولا يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء . وقوله : ويمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام وقيل : يمسح كالجبيرة اختاره الشيخ وفي الاختيارات لا تتوقت مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلغ واللبس كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين . واختار الشيخ أيضاً جواز المسح على المخرق إلا أن يتخرق أكثره ما دام اسمه باقياً والمشي فيه ممكن ، واختار أيضاً جواز المسح على الملبوس ولو كان دون الكعبين قوله أو شد لفائفاً لم يجز المسح وجعله أبو البركات إجماعاً وفيه وجه يجوز اختاره الشيخ ، واختار أيضاً جواز المسح على القدم ونعلها التي يشق نزعها إلا بيد أو رجل كما جاءت به الآثار . قال : والاكتفاء هنا بأكثر القدم نفسها أو الظاهر منها غسلا أو مسحاً أولى من مسح بعض الخف ولهذا لا يتوقت كمسح العمامة . قال : ويجوز المسح على الخف المخرق إلا أن يتخرق أكثره فكالنعل ، ويجوز أيضاً على ملبوس دون النعل انتهى . قوله إلا أن تكون ذات ذؤابة فيجوز وهو مقتضى اختيار الشيخ فإنه اختار جواز المسح على العمامة الصماء فذات الذؤابة أولى ، وقال في الصماء : وهي كالقلانس . قوله : ومتى ظهر قدم الماسح الخ ، واختار الشيخ أن الطهارة لا تبطل كإزالة الشعر المسموح عليه ، ولو زالت الجبيرة فهي كالخف ، واختار الشيخ بقاءها قبل البرء وبعده كإزالة الشعر .