كتاب الطهارة الصفحة 11 من 11

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

باب الحيض قال أحمد : الحيض يدور على ثلاثة أحاديث : حديث فاطمة وأم حبيبة وحمنة .و في رواية حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة . وهو يوجب البلوغ لقوله صلى الله عليه وسلم : 'لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار' وحرم وطؤها قبل الغسل ، قال ابن المنذر : هذا كالاجماع ، وقال أبو حنيفة : إن انقطع لأكثر الحيض حل وطؤها ، والاستمتاع بما فوق السرة وتحت الركبة جائز بالنص والإجماع . والوطء محرم بهما ، واختلف في الاستمتاع بما بينهما فذهب إمامنا إلىجوازه وهو قول عطاء والشعبي والثوري واسحق ، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي : لا يباح لحديث 'كأن يأمرني فأتزر ألخ' ولنا قوله تعالى (فاعتزلوا النساء في المحيض) فتخصيصه يدل على إباحة ما عداه ، ولما نزلت قال صلى الله عليه وسلم :'اصنعوا كل شيء غير النكاح' رواه مسلم ، فإن وطئها فعليه نصف دينار كفارة ،وعنه ليس عليه إلا التوبة لأنه سئل عن الحديث فقيل : في نفسك منه شيء؟ قال :نعم . وإذا استحيضت المعتادة لم تخل من أربعة أقسام : أحدها أن لا يكون لها تمييز لكون الدم على صفة واحدة أو أن الذي يصلح للحيض ينقص عن أقله أو يزيد على كثره فهذه تجلس أيام عادتها ثم تغتسل وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي وهذا القول للشافعي ، وقال مالك : لا اعتبار بالعادة بل بالتمييز فإن لم يكن استظهرت بعد عادتها بثلاثة أيام إن لم تتجاوز خمسة عشر ثم هي مستحاضة ، واحتج بحديث فاطمة . ولنا حديث أم سلمة أن امرأة تهراق الدماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : 'لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن ' الخ ، وروي في حديث فاطمة 'دعى الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضن' متفق عليه ، وفي حديث أم حبيبة 'أمكثي قد ما كانت تحبسك حيضتك' رواه مسلم ، ولا حجة له في الحديث على ترك العادة في حق من لا تمييز لها . وإن كان لها عادة وتمييز فإن كان الدم الذي يصلح للحيض في زمن العادة فقد اتفقت العادة والتمييز ، وإن كان أكثر من العادة أو أقل ولم ينقص عن أقل الحيض ولا زاد على أكثره ففيه روايتان : إحداهما يقدم التمييز وهو ظاهر مذهب الشافعي لما ذكرنا من الأدلة ، والثانية : تقدم العادة وهو قول أكثر الأصحاب لأنه صلى الله عليه وسلم رد أم حبيبة والتي استفتت لها أم سلمة إلى العادة ولم يستفصل ، وحديث فاطمة روي فيه أنه ردها إلى العادة أيضاً فتعارضت روايتاه وبقيت أحاديثنا لا معارض لها ، على أنها قضية في عين يحتمل أنها أخبرته أن لا عادة لها . وإن نسيت العادة عملت بالتمييز ، وقال أبو حنيفة : لا اعتبار بالتميير لحديث أم سلمة ، ولنا حديث فاطمة ، وحديث أم سلمة يدل على اعتبار العادة وهذه لا عادة لها ، فإن لم يكن لها تميير جلست غالب الحيض من كل شهر ، وعنه أقله لحديث حمنة 'تحيضي ستة أيام أوسبعة أيام ثم اغتسلي ' وقال الشافعي : لا حيض لها بيقين ، وجميع زمنها مشكوك فيه ، تغتسل لكل صلاة وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها . وعن عائشة أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : 'إنما ذلك عرق ، فاغتسلي ثم صلي ' فكانت تغتسل عند كل صلاة متفق عليه . ولنا حديث حمنة هو بظاهره يثبت الحكم في حق الناسية لأنه لم يستفصل ولم يسألها عن التمييز لأن في كلامها من تكثير الدم وصفته ما أغنى عن السؤال ولم يسألها عن العادة لاستغنائه عن ذلك بعلمه إياه إذ كان مشتهراً وقد أمر أختها أم حبيبة فلم يبق إلا أن تكون ناسية وأم حبيبة لها عادة لما روى مسلم أنه قال لها :'امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي' فكانت تغتسل عند كل صلاة . فدل على أنها تغتسل لكل صلاة في غير وقت الحيض . وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها جلستها من أول كل شهر لقوله :'تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي وصلي' فقدم حيضها على الطهر ثم أمرها بالصلاة ، واختار ابن أبي موسى أنها تجلس بالتحري لأنه ردها إلى اجتهادها في القدر فكذلك في الوقت ، وإن طهرت في أثناء عادتها اغتسلت وصلت ، وإن عاودها الدم في العادة فهل تلتفت إليه على روايتين ، ولم يفرق أصحابنا بين قليل الطهر وكثيره لقول ابن عباس ، أما من رأت الطهر ساعة فلتغتسل فإن كان النقاء أقل من ساعة فالظاهر أنه ليس بطهر ، قالت عائشة : لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء . قال أحمد : القصة شيء يتبع الحيضة أبيض لا يكون فيه صفرة ولا كدرة ، وقال الأزهري : القصة بضم القاف : القطنة التي تحشوها المرأة فإذا خرحت بيضاء لا تغير عليها فهي القصة البيضاء . وروي عن أحمد أن النفساء إذا رأت النقاء دون يوم لا يثبت لها أحكام الطهارة ، قال شيخنا : وهو الصحيح إن شاء الله لأن في إيجاب الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة حرج . وقال أبو حنيفة : ليس النقاء بين الدمين طهراً ولا يجب عليها فيه صلاة ولا يأتيها زوجها وهو أحد قولي الشافعي ، ولنا قوله تعالى (قل هو أذى) وقال ابن عباس : إذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل ، وقالت عائشة : لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء ، ولأنها صامت وهي طاهرة فلم يلزمها القضاء ، وقولهم : إن الدم يجري تارة وينقطع أخرى قلنا : لا عبرة بالانقطاع اليسير وإنما إذا وجد انقطاع كثير يمكن فيه الصلاة والصيام ، وإن عاودها الدم في العادة ولم يتجاوزها ففيه روايتان : إحداهما : أنه من حيضها وهو مذهب الثوري وأصحاب الرأي ، والثانية : ليس بحيض فإن تجاوز العادة وعبر أكثر الحيض فليس بحيض ، والصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض وبعده لا تعتد به نص عليه وهو مذهب مالك والشافعي ، وقال أبو يوسف وأبو ثور : لا يكون حيض إلا أن يتقدمه دم أسود لقول أم عطية كنا لا نعد الصفرة بعد الغسل شيئاً رواه أبو داود ، ولنا قوله : (قل هو أذى) وهذا يتناول الصفرة والكدرة ولقول عائشة : لا تعجلن الخ وقول أم عطية إنما يتناول ما بعد الطهر والاغتسال ونحن نقول به ويدل عليه قول عائشة ما كنا نعد الصفرة والكدرة حيضاً مع قولها المتقدم ، وروى البخاري باسناده عن فاطمة عن أسماء قال : كنا في حجرها مع بنات بنتها فكانت إحدانا تطهر ثم تكسر بصفرة يسيرة فنسألها فتقول : اعتزلن الصلاة حتى لا ترين إلا البياض ، قال القاضي : معناه لا تلتفت إليه قبل التكرار وقول أسماء فيما إذا تكرر جمع بين الأخبار . والمستحاضة تغسل فرجها وتعصبه وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي ما شاءت ، وكذا من به سلس البول المذي والريح والجريح الذي لا يرقأ دمه لحديث حمنة وأم سلمة ، ثم إن خرج لرخاوة الشد أعادت الشد والوضوء وإن كان لغلبة الخارج لم تبطل الطهارة لقول عائشة : اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي رواه البخاري ، وفي لفظ وإن قطر الدم على الحصير ، وصلى عمر وجرحه يثعب دماً ، وقال مالك : لا يجب الوضوء على المستحاضة ، واستحب مالك لمن به سلس البول أن يتوضأ لكل صلاة إلا أن يؤذيه البرد ، واحتج أحمد بقوله لفاطمة فاغتسلي وصلي ولم يأمرها بالوضوء ، ولنا أن في حديث فاطمة وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت صححه الترمذي ، وفي حديث عدي بن ثابت في المستحاضة وتتوضأ عند كل صلاة رواه أبو داود قال أحمد : إنما أمرها أن تتوضأ لكل صلاة وتصلي بذلك النافلة والصلاة الفائته حتى يدخل وقت الأخرى ، وقال الشافعي : لا تجمع بين فرضين بطهارة واحدة لقوله توضئي لكل صلاة ، ولنا أن في حديث فاطمة توضئي لوقت كل صلاة وحديثهم محمول على الوقت لقوله صلى الله عليه وسلم : 'أين ما أدركتك الصلاة فصلي' أي وقتها ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر حمنه بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد وأمر به سهلة ولم يأمرها بالوضوء قال أحمد بن القاسم : سألت أبا عبد الله قلت : إن هؤلاء يتكلمون بكلام كثير ويوقتون بوقت يقولون إذا توضأت وقد انقطع الدم ثم سال قبل أن تدخل في الصلاة تعيد الوضوء وإذا تطهرت والدم سائل ثم انقطع قولاً آخر، قال : لست أنظر في انقطاعه حيت توضأت سال الدم أو لم يسل ، إنما أمرها أن تتوضأ لكل صلاة فتصلي بذلك النافلة والفائتة حتى يدخل وقت الأخرى . ويستحب لها أن تغتسل لكل صلاة ، وذهب بعضهم إلى وجوبه ، وقيل لكل يوم غسلا روى عن عائشة وابن عمر ، وقيل تجمع بين كل صلاتي جمع يغسل وتغتسل للصبح لأمره حمنة وسهلة بذلك ،وأكثر أهل العلم على أنها تغتسل عند انقطاع الحيض ثم عليها الوضوء لكل صلاة لقوله :'فاغسلي عنك الدم وصلي' وكذلك حديث عدي بن ثابت ،وهذا يدل على أن الغسل المأمور به استحباباً جمعاً بين الأحاديث ، والغسل لكل صلاة أفضل ، ويليه الغسل مع الجمع لقوله وهو أعجب الأمرين إلى ، ويليه الغسل كل يوم مرة ثم بعده الغسل عند الانقطاع والوضوء لكل صلاة ، وهل يباح وطئها؟ على روايتين : إحداهما : لا يباح وهو مذهب ابن سيرين ، والثانية : يباح وهو قول أكثر أهل العلم لحديث حمنة وأم حبيبة . وأكثر النفاس أربعون وهو أكثر أهل العلم ، وقال مالك والشافعي : أكثره ستون ولاحد لأقله ، وقال أبو عبيدة : اقله خمسة وعشرون يوماً ، ولنا أنه لم يرد تحديده فيرجع إلى الوجود ،ويستحب أن لا يقربها في الأربعين لحديث عثمان بن أبي العاص ، وإن عاد في الأربعين فهو نفاس ، وعنه مشكوك فيه ، وقال مالك : أن رأته بعد يومين أو ثلاثة فهو نفاس وإن تباعد فيحيض . ومن هنا إلى آخر الباب من (الانصاف) : ويخرج الكفارة من أي ذهب كان ، واختار الشيخ لا يجزيء إلا المضروب لأن الدينار اسم للمضروب خاصة ، وأنه لاحد لأقل الحيض ولا لأكثره ولا للطهر بين الحيضتين بل كل ما استقر عادة للمرأة فهو حيض وإن نقص عن يوم أو زاد على السبعة عشر يوماً ما لم تصر مستحاضة ، واختار أن المبتدأة تجلس في الثانية ولا تعيد انتهى . ولا تلتفت لما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثاً ،وعند الشيخ تصير إليه من غير تكرار . واختار أن الصفرة والكدرة بعد زمن الحيض ليستا بحيض ولو تكررتا ، وقال : : لاحد لأكثر النفاس ولو زاد على السبعين وانقطع ، لكن إن اتصل فهو دم فاسد ، وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب ، وقال : الأحوط أن المرأة لا تستعمل دواء يمنع نفوذ المنى في مجاري الحبل .