كتاب الطهارة الصفحة 1 من 11

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

باب المياه وهي ثلاثة : طهور ، وهو الباقي على خلقته . وجملته أن كل صفة خلق عليها ماء وبقي عليها فهو طهور ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ' اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد ' وفي البحر ' هو الطهور ماؤه الحل ميتته ' وهذا قول أهل العلم إلا ما روى عن ابن عمرو في ماء البحر : التيمم أعجب إلى منه ، والأول أولى لقوله تعالى :(فلم تجدوا ماء) وهذا واجد للماء قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه أن الوضوء بالماء الآجن جائز سوى ابن سيرين فانه كره ذلك. والماء المتغير بورق الشجر وما ينبت في الماء أو تحمله الريح أو السيول أو ما تغير في آنية الأدم والنحاس ونحوه يعفى عن ذلك كله لأنه يشق التحرز منه ، أو لا يخالطه كالعود والدهن والعنبر إذا لم يستهلك فيه ولم يتحلل لأنه تغير عن مجاورة أو ما أصله الماء كالملح البحري فإن كان معدنياً فهو كالزعفران ، وكذلك الماء المتغير بالتراب ، لأنه يوافق الماء في صفته أشبه الملح أو ماتروح بريح ميتة إلى جانبه لا نعلم في ذلك خلافاً ، أو سخن بالشمس ، وقال الشافعي : تكره الطهارة بماء قصد تشميسه لحديث 'لا تفعلي فإنه يورث البرص' رواه الدار قطني وقال : يرويه خالد بن اسماعيل وهو متروك وعمرو الأعسم وهو منكر الحديث ، ولأنه لو كره لأجل الضرر لما اختلف بقصد التشميس وعدمه ، أو بطاهر كالحطب ونحوه فلا يكره لا نعلم فيه خلافاً إلا ما روى عن مجاهد أنه كره الوضوء بالمسخن ، وإن سخن بنجاسة فهل يكره على روايتين ، ولا يكره الغسيل والوضوء بماء زمزم لحديث أسامة ، وعنه يكره لقول العباس : ' لا أحلها لمغتسل' وإذا خالط الماء طاهر لم يغيره لم يمنع الطهارة . قال شيخنا : لا نعلم فيه خلافاً . وإذا وقع فيه ماء مستعمل عفى عن يسيره ، وهذا ظاهر حاله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأنهم يتوضأون من الأقداح ، فإن كثر منع في إحدى الروايتين ، وقال أصحاب الشافعي إن كان الأكثر المستعمل منع وإلا فلا . فإن كان معه ماء لا يكفيه لطهارته فكمله بمائع آخر لم يغيره جاز الوضوء به في إحدى الروايتين . الثاني : طاهر غير مطهر ، وهو كل ماء خالطه طاهر فغير اسمه حتى صار صبغاً أو خلا أوطبخ فيه فصار مرقاً فلا يجوز الوضوء به لا نعلم فيه خلافاً ، إلا أنه حكى عن أصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلاء المغلي أنه يجوز الوضوء به وحكى عن أبي ليلي جواز الوضوء بالمياه المعتصرة ، وسائر أهل العلم على خلافه لأن هذا لا يقع عليه اسم الماء ، فإن غير أحد أوصافه ففيه روايتان : إحداهما أنه غير مطهر وهو قول مالك والشافعي أشبه ماء الباقلاء المغلي . إذا ثبت هذا فإن أصحابنا لا يفرقون بين المذرور كالزعفران والأشنان وبين الحبوب من الباقلاء ونحوه . وقال الشافعية : ما كان مذروراً منع إذا غير وما عداه لا يمنع إلا أن ينحل في الماء ، ووافقهم أصحابنا في الخشب والعيدان وخالفوهم فيما ذكرنا وشرط الخرقي الكثرة في الرائحة ، لسرعة سرايتها ولكونها تحصل عن مجاورة فاعتبرت الكثرة ليعلم أنها عن مخالطة . والرواية الثانية أنه باق على طهوريته نقلها عن أحمد جماعة ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وأصحابه ، لأن الله تعالى قال (فلم تجدوا ماء) وهذا عام في كل ماء لأنه نكرة في سياق النفي ، ولأن الصحابة كانوا يسافرون وغالب أسقيتهم الأدم وهي تغير أوصاف الماء عادة ولم يكونوا يتيممون معها . واختلف في المنفصل من المتوضيء عن الحدث والمغتسل من الجنابة فروى أنه طاهر غير مطهر وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن مالك لقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة' رواه أبو دواد ، ولولا أنه يفيد منعاً لم ينه عنه ، ولأنه أزال به مانعاً من الصلاة . والثانية أنه مطهر وهو قول الحسن وعطاء والنخعي وإحدى الروايتين عن مالك ، والقول الثاني للشافعي وهو قول ابن المنذر . وروى عن علي وابن عمر فيمن نسى مسح رأسه إذا وجد بللاً في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه به لما روى عنه صلى الله عليه وسلم : ' الماء لا يجنب' وأنه اغتسل من الجنابة فرأي لمعة لم يصبها الماء فعصر شعره عليها رواه أحمد ، ولأنه أدى به فرضاً فجاز أن يؤدي به غيره كالثوب يصلي فيه مراراً ، وقال أبو يوسف : هو نجس لأنه يسمى طهارة وهي لا تعقل إلا عن نجاسة وتطهير الطاهر محال ، ووجه طهارته أن النبي صلى الله عليه وسلم صب على جابر من وضوئه ، والدليل على طهارة أعضاء المحدث قول النبي صلى الله عليه وسلم : 'المؤمن لا ينجس' . وأما المستعمل في طهارة مشروعة كالتجديد ففيه روايتان ، أو غمس فيه يد قائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثاً فهل يسلب طهوريته على روايتين : إحداهما لا يسلبه وهو الصحيح لأن الماء قبله طهور فبقى على الأصل ، والنهي عن الغمس إن كان لوهم النجاسة فالوهم لا يزيل الطهورية ، وإن كان تعبداً اقتصر على النص ، والثانية يسلبه للنهي فلولا أنه يفيد منعاً لم ينه عنه ، وروى عن أحمد أحب إلى أن يريقه إذا غمس يده فيه ، وهل يكون غمس بعض اليد كالجميع ؟ فيه وجهان . ولا يجب غسلهما عند القيام من نوم النهار ، وسوى الحسن بينهما ، ولنا قوله : ' فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ' والمبيت يكون في الليل خاصة ، وإن كان القائم صبياُ ففيه وجهان ، واختلفوا في النوم الذي يتعلق به هذا فذكر القاضي أنه الذي ينقض الوضوء ، وقال ابن عقيل هو ما زاد علىنصف الليل . وتجب النية للغسل في أحد الوجهين ، والثاني لا يفتقر ، لأنه علل بوهم النجاسة ، ولا يفتقر الغسل إلى تسمية ، وقال أبو الخطاب يفتقر قياساً على الوضوء وهو بعيد ، لأنها لو وجبت في الوضوء وجبت تعبداً ، وإذا وجد ماء قليلاً ولم يمكنه الاغتراف ويداه نجستان فإن أمكنه الاغتراف بفيه ويصب عليهما فعل وإلا تيمم ، وإن كانتا بعد نوم الليل فمن قال إن غمسهما لا يؤثر قال يتوضأ ومن جعله مؤثراً قال يتوضأ ويتيمم معه . فإن توضأ من ماء كثير أو اغتسل منه بغمس أعضائه ولم ينو غسل اليد فعند من أوجب النية له يرتفع حدثه ولا يجزيه عن غسل اليد لأن غسلهما إما تعبداً وإما لوهم النجاسة بقاء النجاسة على العضو لا يمنع ارتفاع الحدث ، وإذا انغمس الجنب أو المحدث في ماء دون القلتين ينوي رفع الحدث صار مستعملاً ولم يرتفع حدثه ، وقال الشافعي : يصير مستعملاً ويرتفع حدثه لأنه إنما يصير مستعملاً ويرتفع حدثه لأنه إنما يصير مستعملاً بارتفاع الحدث . ولنا قوله : ' لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ' والنهي يقتضي الفساد . وإذا اجتمع ماء مستعمل إلى قلتين صار الكل طهوراً وإن بلغ قلتين باجتماعه فيحتمل أن يزول المنع بحديث القلتين ، وإن انضم مستعمل إلى مستعمل وبلغ قلتين ففيه احتمالان ، وإن أزيلت به النجاسة فانفصل غير متغير بعد زوالها فهوطاهر رواية واحدة إن كان المحل أرضاً ، وقال أبو بكر : إن ما يحكم بطهارته إذا نشفت أعيان البول فإن كانت قائمة فجرى الماء عليها فطهرها ففي المنفصل روايتان كغير الأرض . ولنا قوله :' صبوا على بول الإعرابي ذنوباً من ماء' فلو كان المنفصل نجساً لكان تكثيراً للنجاسة ولم يفرق بين نشافه وعدمه . الظاهر أنه إنما أمر عقيب البول ، وإن كان غير الأرض فهو طاهر في اصح الوجهين وهو مذهب الشافعي ، وإن خلت بالطهارة منه امرأة فهو طهور ، ولا يجوز للرجل الطهارة به لحديث الحكم بن عمروا قال أحمد : جماعة كرهوه وخصصناه بالخلوة لقول عبد الله بن سرجس : توضأ انت ههنا وهي ههنا فأما إذا خلت به فلا تقربنه ، وفيه رواية يجوز لحديث ميمونه ، فإن خلت به في إزالة النجاسة ففيه وجهان ، وإن خلت به في بعض أعضائها أو تجديد أو استنجاء فوجهان . وإن خلت به الذمية في غسل الحيض فوجهان أحدهما المنع لأنه أبعد عن الطهارة وقد تعلق به إباحة وطئها ، والثاني الجواز لأن طهارتها لا تصح . ويجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا ويتوضآ من إناء واحد من غير كراهة ، ولا يجوز رفع الحدث إلا بالماء . وقال عكرمة : النبيذ وضوء من لم يجد الماء ، وعن أبي حنيفة كقول عكرمة لحديث ابن مسعود ' ثمرة طيبة وماء طهور ' ولنا قوله تعالى ' (فلم تجدوا ماء فتيمموا) أوجب الانتقال إلى التيمم عند عدم الماء وحديثهم لا يثبت ، فأما غير النبيذ فلا نعلم بين أهل العلم خلافاً أنه لا يجوز الوضوء به غير ما ذكرنا في الماء المعتصر . القسم الثالث : نجس وهو ما تغير بمخالطة النجاسة فهو نجس بالإجماع حكاه ابن المنذر ، فإن لم يتغير وهو يسير فهل ينجس ؟ على روايتين : إحداهما ينجس لحديث القلتين ، وتحديده بهما يدل على نجاسة ما دونهما وإلا لم يكن مفيداً ، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم القائم من نومه عن غسل يده في الماء فدل على أنه يفيد منعاً ، وأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقة سؤره ولم يفرق بين ما تغير وبين ما لم يتغير . والثانية لا ينجس الماء إلا بالتغير روى عن حذيفه وأبي هريرة وابن عباس والحسن وهو مذهب الثوري وابن المنذر لحديث بضاعة . وذهب أبو حنيفة إلى أن الكثير ينجس بالنجاسة من غير تغير إلا أن يبلغ حداً يغلب على الظن أن النجاسة لا تصل إليه واختلفوا في حده لقوله : ' لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه ' ولم يفرق بين قليله وكثيره ، ولنا خبر القلتين وبئر بضاعة ، وحديثهم لابد من تخصيصه بما زاد على الحد الذي ذكروه ، فتخصيصه بقول النبي صلى الله عليه وسلم أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم من غير أصل ، وما ذكروه من الحد تقدير من غير توقيف ولا يصار إليه من غير نص ولا إجماع مع أن حديثهم خاص بالبول وهو قولنا في إحدى الروايتين جمعاً بين الحديثين فنقصر الحكم على ما تناوله النص وهو البول لأن له من التأكيد والانتشار ما ليس لغيره إلا أن تكون النجاسة بولاً أو عذره مائعة ففيه روايتان إحداهما لا ينجس وهو مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم لحديث القلتين ، وحديث النهي عن البول فيه لابد من تخصيصه بما لا يمكن نزحه اجماعاً فتخصيصه بخبر القلتين أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم ، والأخرى ينجس لحديث النهي عن البول فيه ، وإن كوثر النجس بماء يسير أو بغير الماء كالتراب ونحوه فأزال التغير لم يطهر في أحد الوجهين ، والثاني يطهر لأن علة النجاسة زالت . فأما غير الماء إذا وقعت فيه نجاسة ففيه ثلاث روايات : إحداهن : ينجس وإن كثر لقوله : ' وإن كان مائعاً فلا تقربوه ' ولم يفرق بين قليله وكثيره . الثانية : أنها كالماء لا ينجس منها مابلغ قلتين إلا بالتغير قياساً على الماء قال حرب : سألت أحمد قلت كلب ولغ في سمن أو زيت ، قال : إذا كان في آنية كبيرة مثل حب أو نحوه رجوت أن لا يكون به بأسٌ ، يؤكل ، وإن كان في آنية صغيرة فلا يعجبني . والثالثة : أن ما أصله الماء كالخل التمري يدفع النجاسة وما لا فلا . والماء المستعلم في رفع الحدث وما كان طاهراً غير مطهر ففيه احتمالان ، ولا فرق بين يسير النجاسة وكثيرها ، وما أدركه الطرف وما لم يدركه ، وعن الشافعي أن ما لا يدركه الطرف معفى عنه للمشقة ، ولنا أن دليل التجنس لا يفرق بين قليل النجاسة وكثيرها فالتفريق تحكم ، وما ذكروه من المشقة ممنوع لأنا إنما نحكم بالنجاسة إذا علمنا وصولها ، ثم أن المشقة بمجردها حكمة لا يجوز تعلق الحكم بها بمجردها ، وجعل ما يدركه الطرف ضابطاً لها إنما يصح بالتوقيف أو باعتبار الشرع له في موضع واحد ولم يوجد واحد منهما . والقلتان خمسمائة رطل بالعراقي وعنه أربعمائة رطل ، وهل ذلك تقريب أو تحديد على وجهين ،ونقل عن أحمد التفريق بين الجاري والواقف فإنه قال في حوض الحمام : قد قيل إنه بمنزلة الماء الجاري ، وقال في البئر : تكون لها مادة وهو واقف ليس هو بمنزلة الجاري فعلى هذا لا ينجس إلا بالتغير لأن الأصل طهارته ولأنه بمجموعة يزيد على القلتين ، فإن قيل فالجرية لا تبلغهما قيل : تخصيص الجرية بهذا التقدير تحكم وهذا اختيار شيخنا وهو الصحيح إن شاء الله تعالى . وإن اشتبهت ثيابٌ طاهرة بنجسة صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة ، وقال أبوثور : لا يصلي في شيء منهما ، وقال أبو حنيفة والشافعي : يتحرى كقولهما في الأواني والقبلة. فإن سقط عليه من طريق ما ء لم يلزمه السؤال عنه قال عمر : يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد عليها وترد علينا ، رواه في الموطأ قال ابن عقيل : لا يلزم رد الجواب لخبر عمر ، قال شيخنا يحتمل أن يلزمه لأنه سئل عن شرط الصلاة كما لو سئل عن القبلة وخبر عمر يدل على أن سؤر السباع طاهر. ومن هنا إلى آخر الباب من (الانصاف) : وعند الشيخ أن كل ماهو طاهر تحصل به الطهارة . وقال في ماء زمزم وعنه يكره الغسل وحده اختاره الشيخ . وذكر عنه أيضاً في الماء المستعمل والمغموسة به يد القائم من نوم الليل . ولو نوى جنب بانغماسه كله أو بعضه في ماء قليل راكد رفع حدثه لم يرتفع ، وقيل يرتفع اختاره الشيخ . والماء في محل التطهير لا يؤثر تغيره ، وقيل يؤثر اختاره الشيخ وقال : التفريق بينهما بوصف غير مؤثر لغة وشرعاً . وإن لم يتغير وهو يسير فهل ينجس ؟ الرواية الثانية لا ينجس اختارها الشيخ ، وقيل بالفرق بين يسير الرائحة وغيرها فيعفى عن يسير الرائحة ذكره ابن البنا ونصره ابن رجب في شرح البخاري ، وأظن أنه اختيار الشيخ وابن القيم. وإذا لاقت النجاسة مائعاً فاختار الشيخ أن حكمه حكم الماء واختار أن الثياب الطاهرة والنجسة إذا اشتبهت صلى في واحد منها بالتحري .