كتاب أصول الإيمان الصفحة 4 من 12

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

( وقول الله تعالى ) : (( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)) سورة الأنبياء الآية : 101 وقوله تعالى : (( مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً )) سورة الأحزاب الآية : 38 وقوله تعالى : (( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ )) سورة الصافات الآية :96 ، وقوله تعالى : (( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)) سورة القمر الآية : 49 وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء )) .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة )) قالوا : يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ، قال : (( اعملوا فكل ميسر لما خلق له – وأما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة ، ثم قرأ : (( فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى )) سورة الليل الآية:6 متفق عليه.
وعن مسلم بن يسار الجهني قال : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية : ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ )) سورة الأعراف الآية : 172 فقال عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال : (( إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون )) فقال رجل : يا رسول الله ففيم العمل ؟ فقال : (( إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار )) رواه مالك والحاكم وقال على شرط مسلم .
ورواه أبو داود من وجه آخر ، عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة عن عمرو قال إسحق بن راهويه حدثنا بقية فقال أخبرني الزبيدي محمد ابن الوليد عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة عن أبيه عن هشام ابن حكيم بن حزام أن رجلاً قال يا رسول الله أتبتدأ الأعمال أم قد قضى القضاء ؟ فقال : (( إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه فقال هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار )) .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : (( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها )) متفق عليه .
وعن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول يارب أشقيّ أو سعيد فيكتبان فيقول يا رب أذكر أو أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص )) رواه مسلم وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال : (( أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم )) .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كل شيء بقدر حتى العجز والكيس )) رواه مسلم .
وعن قتادة رضي الله عنه في قوله تعالى :(( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ
)) سورة القدر الآية : 4 ، قال يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها ، رواه عبد الرزاق وابن جرير وقد روى معنى ذلك عن ابن عباس والحسن وأبي عبد الرحمن السلمي وسعيد بن جبير ومقاتل .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن مما خلق الله لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور عرضه ما بين السماء والأرض ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ، ففي كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء فذلك قوله : (( كل يوم هو في شأن )) سورة الرحمن الآية : 29 رواه عبد الرزاق وابن المنذر والطبراني والحاكم .
قال ابن القيم رحمه الله لما ذكر هذه الأحاديث وما في معناها قال :
فهذا تقدير يومي والذي قبله تقدير حولي والذي قبله تقدير عمري عند تعلق النفس به والذي قبله كذلك عند أول تخليقه وكونه مضغة والذي قبله تقدير سابق على وجوده لكن بعد خلق السموات والأرض ( والذي قبله تقدير سابق على على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق وفي ذلك دليل على كمال علم الرب وقدرته وحكمته وزيادة تعريفة للملائكة وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه ثم قال فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه بل يوجب الجد والاجتهاد ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال ما كنت بأشد اجتهاداً مني الآن وقال أبو عثمان النهدي لسلمان لأنا بأول الأمر أشد فرحاً مني بآخره وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقة وهيأه ويسره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها ، وعن الوليد بن عبادة قال دخلت على أبي وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال أجلسوني فلما أجلسوه قال : بني إنك لن تجد طعم الإيمان ولن تبلغ الحقيقة العلم بالله تبارك وتعالى حتى تؤمن بالقدر خيره وشره ، قلت يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره ؟ قال تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وما أصابك لم يكن ليخطئك ، يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أول ما خلق الله القلم قال اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة ، يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار ، رواه أحمد .
وعن أبي خزامة عن أبيه قال : قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها وداواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً ؟ قال : لا هي من قدر الله . رواه أحمد والترمذي وحسنه .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن ( لو ) تفتح عمل الشيطان )) رواه مسلم .