كتاب الصيد الصفحة 1 من 1

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

الأصل في إباحته الكتاب والسنة والإجماع . من صاد صيداً فأدركه حياً حياة مستقرة لم يحل إلا بالذكاة ، فإن كان الزمان لا يتسع لذكاته فمات حلَّ ، قال قتادة : يأكله ما لم يتوانَ في ذكاته أو يتركه عمداً . وقال أبو حنيفة : لا يحل فإن لم يجد ما يذكيه به أرسل الصائد له حتى يقتله ، وعنه لا يحل وهو قول الأكثر ، وإن أدركه متحركاً كحركة المذبوح لم يحتج إلى ذكاة .

ومتى أدركه ميتاً ( حلَّ ) بشروط أربعة :
( أحدهما ) أن يكون من أهل الذكاة ، وما لا يفتقر إلى ذكاة كالحوت والجراد فيباح إذا صاده من لا تحل ذبيحته إجماعاً ، إلا أن مالكاً والليث وأبا ثور شذوا في الجراد . فلم ير أكله إذا صاده المجوسي مالك والليث ، وأباح أبو ثور صيد المجوسي وذبيحته . وإن أرسل كلبه المعلم فاسترسل معه معلم آخر بنفسه لم يحل في قول الأكثر .

( الثاني ) الآلة وهي نوعان : محدود فيشترط له ما يشترط لآلة الذكاة ، ولا بد أن يجرحه ، فإن ( قتله ) بثقله لم يبح لأنه وقيذ . وإن صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده دون عرضه . المعراض : عود محدد ربما جعل في رأسه حديده . وقال الأوزاعي وأهل الشام : يباح ما قتل بحده وعرضه ، ولنا حديث عدي متفق عليه . وإن رمى صيداً فغاب ثم وجده ميتاً لا أثر به غير سهمه حلّ ، وعنه إن كان الجراح موجبة حل وإلا فلا ، وعنه إن وجده من يومه حل وإلا فلا . وكره الثوري أكل ما غاب لأن ابن عباس قال : كل ما أصميت ، وما أنميت فلا تأكل . الإصماء أن يموت في الحال والإنما أن يغيب عنك . لنا حديث عدي متفق عليه . وإن ضربه فأبان منه عضواً وبقيته فيه حياة مستقرة لم يبح ما أبان منه ، وإن بقي معلقاً بجلده حل ، وإن أبانه ومات في الحال حلّ الجميع ، قال أحمد قوله : ’ ما أبين من حيّ فهو كميته ’ إذا قطعت وهي حيّة تمشي وتذهب .

النوع الثاني : الجارحة فيباح ما قتلته إذا كانت معلّمة إلا الكلب الأسود البهيم ، والبهيم : الذي لا يخالط لونه سواد . قال أحمد : ما أعلم أحداً يرخص فيه يعني من السلف ، وأباح صيده مالك والشافعي لعموم لآية الخبر ، ولنا أنه محرم اقتناؤه وتعليمه فلم يبح .

والذي يصيد بنابه تعليمه أن يسترسل إذا أرسل وينزجر إذا زجر ، وإذا أرسل لم يأكل . وعن مالك لا يشترط الأكل لحديث أبي ثلعبة : ’ إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل ’ رواه أبو داود .
ولنا حديث عدي وهو أولى لأنه أصح ، والانزجار إنما يعتبر قبل ارساله على الصيد أو رؤيته أما بعد ذلك فلا يعتبر ، قال شيخنا ولا أحسب هذه الخصال تعتبر في غير الكلب لأن الفهد لا يكاد يجيب داعياً وإن عد متعلماً فيكون التعليم في حقه بما يعده أهل العرف معلماً . فإن أكل بعد تعلمه لم يبح ما أكل منه فيروى عن ابن عباس وغيره . وعنه يحل روي عن ابن عمر وغيره وبه قال مالك لعموم الآية ، والآية لا تتناول هذا لأنه أمسك على نفسه ، وحديث أبي ثعلبه قال أحمد : يختلفون عن هشيم فيه ، وقال حديث الشعبي هذا أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني حديث عدي ، الشعبي يقول كان جاري وربيطي فحدثني ، وإن شرب من دمه لم يحرم وكرهه الثوري . ولنا عموم الآية والأخبار ، وكل ما يقبل التعليم ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم وجوارح الطير حكمه حكم الكلب ، وحكي عن ابن عمر : لا يجوز الصيد إلا بالكلب لقوله : ’ مكلبين ’ . ولنا أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صيد البازي فقال : ’ إذا أمسك عليك فكل ’ . والجوارح في الآية الكواسب قال الله تعالى : ’ ويعلم ما جرحتم بالنهار ’ والتكليب الإغراء . ولا يعتبر في الطير ترك الأكل ، وقال الشافعي : يعتبر ، ولنا إجماع الصحابة فذكرنا عن أربعة منهم إباحة ما أكل ( منه ) الكلب ، وخالفهم ابن عباس في الكلب ووافقهم في الصقر قال : لأنك تستطيع أن تضرب الكلب ولا تستطيع أن تضرب الصقر ، ولم ينقل عن أحد في عصرهم خلافهم . وحديث مجالد ’ إن أكل الكلب والبازي فلا تأكل ’ فمجالد ضعيف ، قال أحمد : كم من أعجوبة لمجالد ، ولا بد أن يجرخ ، وقال الشافعي : يباح لعموم الآية والخبر ، ولنا أن الله حرم الموقوذة وقوله ’ ما أنهر الدم ’ . وهل يجب غسل ما أصاب فم الكلب ؟ على وجهين.

( الثالث ) أن يرسل الآلة فإن استرسل بنفسه لم يبح وإن زجره إلا أن يزيد عَدْوَه بزجره فيحل وبه قال مالك والشافعي ، وقال الأوزاعي : يؤكل إذا جرح ، وقال إسحق : يؤكل إذا سمى عند انفلاته . ولنا قوله : إذا أرسلت كلبك .

( الرابع ) التسمية وهي شرط لإباحة الصيد ولا تسقط سهواً وهو قول الشعبي وأبي ثور وأباحه مالك في النسيان ، وعنه إن نسي على السهم أبيح دون الجارحة ، وكره الشيخ الرمي بالنبل لنهي عثمان عنها قاله في الإنصاف .