كتاب الصلاة الصفحة 3 من 16

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

باب شروط الصلاة أولها الوقت . والظهر هي الأولى ، ووقتها من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال ، وقال عطاء لا تفريط للظهر حتى تدخل الشمس صفرة ، وقال طاوس وقت الظهر والعصر إلى الليل ، وتعجلها في غير الحر والغيم أفضل بغير خلاف علمناه . ويستحب تأخيرها في شدة الحر ، وقال القاضي : إنما ييتحب الإبراد بثلاثة شروط : شدة الحر ، وأن يكون في البلدان الحارة ومساجد الجماعات ، فأما من صلى في مسجد بفناء بيته فالأفضل تعجيلها ، وهذا مذهب الشافعي ، فأما الجمعة فلم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أخرها بل كان يعجلها . ثم العصر وهي الوسطى في قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم ، وأول وقتها من خروج وقت الظهر ، وقال اسحق : آخر وقت الظهر أول وقت العصر يشتركان في قدر الصلاة وحكى عن ابن المبارك لما في حديث ابن عباس : وصلى في المرة الثانية الظهر لوقت العصر بالأمس ، وآخره اختلفت الرواية فيه فعنه إذا صار ظل كل شيء مثليه وهو قول مالك والشافعي لقوله : 'الوقت ما بين هذين' ، وعنه ما لم تصفر الشمس لحديث ابن عمر ، وقال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية فقد صلاها في وقتها وتعجيلها أفضل بكل حال ، وروى عن أبي هريرة وابن مسعود أنهما كانا يؤخرانها وبه قال أصحاب الرأي . ثم المغرب ولا خلاف في دخول وقتها بالغروب ، وآخره إذا غاب الشفق ، وقال مالك والشافعي في أحد قوليه : ليس لها إلا وقت واحد لأن جبرائيل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليومين لوقت واحد ، وعن عطاء لا تفوت المغرب حتى النهار ، ولنا حديث بريدة وأبي موسى رواهما مسلم وقال : وقت المغرب ما لم يغب الشفق رواه مسلم ، وهذه نصوص صحيحة لا يجوز مخالفتها بشيء محتمل ، وأحاديثهم محمولة على تأكيد فعلها في أول وقتها ، ولو تعارضت وجب النسخ لأنها في أول فرض الصلاة ، وأحاديثنا بالمدينة . والشفق الحمرة هذا قول ابن عمر وابن عباس ومالك والشافعي ، وعن أنس ما يدل على أنه البياض اختاره ابن المنذر لحديث ابن بشير أنه يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثه ، ولنا قوله صلى الله عليه وسلم :' وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق' رواه أبو داود ، وروى 'ثور الشفق' وفوره فوران وثوره ثوران حمرته ، وما رووه ليس فيه أنه أول الوقت ، ولا نعلم خلافاً في استحباب تعجيلها إلا ما ذكرنا من اختلافهم في الغيم . ثم العشاء ولا خلاف في دخول وقتها بغيبوبة الشفق ، وإنما اختلفوا في الشفق . وآخره ثلث الليل لما في حديث جبرائيل وبريدة . وعنه نصف الليل وهو قول المبارك وإسحق لما في حديث ابن عمر رواه مسلم ، وفي المتفق عليه من حديث أنس : أخر صلى الله عليه وسلم العشاء إلى نصف الليل ، ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر وتأخيرها أفضل ما لم يشق اختاره أكثر أهل العلم . وحكى عن الشافعي أن الأفضل تقديمها لقوله :'الأول رضوان الله والآخر عفو الله' وعن أم فروة مرفوعاً سئل عن أفضل الأعمال فقال : 'الصلاة لأول وقتها' رواه أبو داود . ولنا الأحاديث الصحيحة وأحاديثهم ضعيفة ، أما خبر أول الوقت فيرويه العمري وهو ضعيف ، وحديث أم فروة قال الترمذي : لا يروي إلا من حديث العمري ، ولو ثبت فهي عامة وأحاديثنا خاصة ، قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : كم قدر تأخير العشاء؟ قال : يؤخرها بعد أن لا يشق على المأمومين وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بتأخيرها كراهة المشقة وروى عنه 'من شق على أمتي شق الله عليه' ، ولا يستحب تسميتها العتمة وكان ابن عمر إذا سمع من يقول العتمة صاح وغشب وقال إنما هو العشاء . ثم الفجر وتعجيلها أفضل ، وعنه الاعتبار بحال المأمومين فإن أسفروا فالإسفار أفضل لفعله صلى الله عليه وسلم في العشاء ، وقال الثوري : الأفضل الإسفار لقوله :' أسفروا بالفجر' ألخ ، ولنا الأحاديث الصحيحة ، والإسفار في حديثهم أن ينكشف ضوء الصبح ويتبين ، من قولهم أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته . ومن أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج الوقت فقد أدرك الصلاة سوءا أخرها لعذر كحائض أو لغيره ، وقال أصحاب الرأي فيمن طلعت الشمس وقد صلى ركعة : تفسد لأنه قد صار في وقت نهي ن ولنا المتفق عليه 'من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح' وإنما نهى عن النافلة بدليل ما قبل الطلوع ، وهل يدرك بدون الركعة؟ فيه روايتان : إحداهما : لا ـ وهو مذهب مالك لظاهر الخبر ، والثانية : يدرك بإدراك جزء منها أي جزء وهذا قول الشافعي لقوله :'من أدرك سجدة' ألخ . ومتى شك في الوقت لم يصل حتى يتيقن دخوله أو يغلب على ظنه إلا صلاة العصر في الغيم لحديث بريدة قال شيخنا : معناه ـ والله أعلم ـ إذا حل فعلها ليقين أو غلبة ظن لأن وقتها المختار في الشتاء ضيق . وإذا سمع الأذان من ثقة عالم بالوقت فله تقليده لقوله :'المؤذن مؤتمن' ولم يزل الناس يجتمعون في مساجدهم ويبنون على قول المؤذن من غير نكير . ومن صلى قبل الوقت لم يجز في قول أكثر أهل العلم ، وعن ابن عباس في مسافر صلى الظهر قبل الزوال يجزئه ، ونحوه قول الحسن والشعبي ، وعن مالك كقولنا ، وعنه فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق جاهلاً أو ناسياً يعيد في الوقت فإن ذهب الوقت قبل علمه أو ذكره فلا شيء عليه. وإن بلغ الصبي أو أسلم كافر أوطهرت حائض قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة لزمهم الصبح ، وإن كان قبل غروب الشمس لزمهم الظهر والعصر ، وإن كان قبل طلوع الفجر لزمهم المغرب والعشاء ، روى هذا في الحائض عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس ، قال أحمد : عامة التابعين إلا الحسن وحده قال : لا يجب إلا الصلاة التي تطهرت في وقتها وحدها وهو قول أصحاب الرأي ، وحكى من مالك إن أدركت قدر خمس ركعات من وقت الثانية وجبت الأولى ، والقدر الذي يتعلق به الوجوب قدر تكبيره الإحرام ، وقال الشافعي : قدر ركعة لأنه الذي روى عن عبد الرحمن وابن عباس في الحائض ، فإن أدرك من وقت الأولى من صلاتي الجمع قدراً تجب به ثم طرأ عليه العذر ثم زال بعد خروج وقتهما وجبت الأولى ، وهل يجب قضاء الثانية؟ على روايتين . ومن فاتته صلوات لزمه قضاؤها على الفور مرتباً قلت أو كثرت ، وروي عن ابن عمر ما يدل على وجوب الترتيب ، ونحوه عن الزهري ومالك ، وقال الشافعي : لا يجب ، ولنا أنه صلى الله عليه وسلم فاتته أربع صلوات فقضاهن مرتباً وقال : 'صلوا كما رأيتموني أصلي' ، ولأحمد حديث أبي جمعة أنه صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب صلى المغرب ، فلما فرغ أخبروه أنه لم يصل العصر فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر ثم أعاد المغرب ، وقال مالك وأبو حنيفة : لا يجب الترتيب في أكثر من صلاة يوم وليلة فإن ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى والوقت متسع أتمها وقضى الفائته ثم أعاد الصلاة التي كان فيها ، وهذا قول مالك والليث وإسحق في المأموم ، وعن أحمد في المتفرد روايتان : إحداهما : يقطع الصلاة ، والثانية يتم فإن حضرت جماعة في صلاة الحاضرة فقال أحمد في رواية أبي داود فيمن عليه صلوات فادركته الظهر يصلي مع الإمام الظهر ويحسبها من الفوائت ويصلي الظهر في آخر الوقت . وفه رواية ثالثة إذا كثرت الفوائت بحيث لا يتسع لها وقت الحاضرة أنه يصلي الحاضرة في أول وقتها ، وذكر ابن عقيل فيمن عليه فائته وخشى فوات الجماعة روايتين . ويجب القضاء على الفور وإن كثرت ما لم يلحقه مشقة ولا يصلي سننها لأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ، فإن كانت صلاة واحدة فلا بأس بقضاء سنتها لأنه صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة الفجر صلى سنتها قبلها ، وقال مالك يبدأ بالمكتوبة ، والأول أولى لما ذكرنا من الحديث . ومن أسلم في دار الحرب فترك صلاة أو صياماً لا يعلم وجوبه لزمه قضاءه ، وقال أبو حنيفه : لا يلزمه ، وإن صلى الحاضرة ناسياً للفائته ولم يذكرها حتى فرغ فليس عليه إعادة ، وقال مالك : يجب الترتيب مع النسيان لحديث أبي جمعة ، ولنا قوله :'عفي لأمتي الخطأ والنسيان' وحديث أبي جمعة فيه ابن لهيعة . ومن هنا إلى آخر الباب من (الانصاف) : وقال الشيخ : الأشهر عندنا إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الإسم ، وإن مثلها في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء يعني تسمية العشاء العتمة ، وقال : يعمل بقول المؤذن في دخول الوقت مع إمكان العلم بدخول الوقت وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين كما شهدت به النصوص انتهى . ومن أدرك قدر تكبيرة ألخ وعنه لا بد أن يمكنه الأداء . اختاره الشيخ واختار أنه لا تترتب الأحكام إلا أن يتضايق الوقت عن فعل الصلاة ثم يوجد المانع وذكر الخلاف فيما إذا طرأ مانع أو تكليف هل يعتبر بتكبيرة أو ركعه ، واختار بركعة في التكليف ، وقال ابن رجب في شرح البخاري : وقع في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين أنه لا يجزيء فعل الصلاة إذا تركها عمداً منهم الجوزجاني وأبو محمد البر بهاري وابن بطة .