كتاب الصلاة الصفحة 2 من 16

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

باب الأذان والإقامة أجمعت الأمة على أن الأذان والإقامة مشروعة للخمس ولا يشرعان لغيرها ، لأن المقصود منه الإعلام بوقت المفروضة على الأعيان . وليس على النساء أذان ولا إقامة قاله ابن عمر وأنس وغيرهما ولا نعلم من غيرهام خلافهم . واختلفوا هل يسن لهن ذلك ، فعن أحمد إن فعلن لا بأس وعن جابر أنه أنها تقيم وبه قال عطاء ومجاهد ، وقال الشافعي : إن أذن وأقمن فلا بأس روي عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم ، وعنه لا يشرع لها . قال ابن المنذر : الأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر لأنه صلى الله عليه وسلم أمر به مالك بن الحويرث وصاحبه والأمر يقتضي الوجوب وداوم عليه وأصحابه ولأنه من شعائر الإسلام الظاهرة ، وظاهر كلام الخرقي أنه غير واجب ، وهو قول الشافعي ، وعلى كلا القولين إن تركهما صحت صلاته لما روي عن علقمة والأسود قالا : صلى بنا عبد الله بلا أذان ولا إقامة ، قال شيخنا : لا أعلم أحداً خالف في ذلك إلا عطاء قال : من نسي الإقامة يعيد ، ونحوه عن الأوزاعي ، ومن أجوبه من أصحابنا فعلى أهل المصر ، فأما المسافرون فلا يجب عليهم. وقال مالك : إنما يجب النداء في مساجد الجماعة ، ويكفي مؤذن المصر إذا كان يسمعهم ، ويجزيء بقيتهم الإقامة ، قال أحمد : في الذي يصلي في بيته : يجزيه أذان المصر ، وقال مالك : تكفيه الإقامة لأنه صلى الله عليه وسلم قال للذي علمه الصلاة :'إذا أردت الصلاة فأحسن الوضوء . ثم استقبل القبلة وكبر' وفي لفظ للنسائي 'فأقم ثم كبر' والأفضل لكل مصل أن يؤذن ويقيم ، وإن كان في الوقت في بادية أو نحوها استحب له الجهر لحديث أبي سعيد رفعه 'إذا كنت في غنمك أو باديتك' ألخ وكان ابن عمر يقيم لكل صلاة إلا الصبح فإنه يؤذن ويقيم ويقول : إنما الأذان على الإمام والأمير الذي يجمع الناس ، وعنه أنه لا يقيم في أرض تقام فيها الصلاة ، ولنا أنه صلى الله عليه وسلم يؤذن له حضراً وسفراً وأمر به مالك بن الحويرث وصاحبه ، وما نقل عن السلف فالظاهر أنهم أرادوا وحده كما قال إبراهيم ، والأذان مع ذلك أفضل لحديث أبي سعيد وأنس في صاحب المعز . ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما في أظهر الروايتين لقوله لعثمان بن العاص : 'واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجراً ' حسنه الترمذي ورخص فيه مالك ولا نعلم خلافاً في جواز أخذ الرزق ، لكن قال الشافعي : لا يرزق إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم . وينبغي أن يكون المؤذن صيتاً لقوله :'ألقه على بلال فإنه أندى صوتاً منك' والأذان خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيه وبه قال الثوري وإسحق وابن المنذر ، وقال مالك والشافعي : الأذان المسنون أذان أبي محذورة وهو كأذان عبد الله بن زيد ويزيد ترجيعاً وهو أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين يخفض بذلك ثم يعيدهما رافعاً بهما صوته إلا أن مالكاً قال : التكبير في أوله مرتان حسب فيكون عنده سبع عشرة وعند الشافعي تسع عشرة واحتجوا بما روى أبو محذورة أنه صلى الله عليه وسلم علمه الأذان وفيه يقول : واشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله تخفض بهما صوتك ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إله الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله ' ثم ذكر سائر الأذان أخرجه مسلم واحتج مالك قال كان الأذان الذي يؤذن به أبو محذور : 'الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله' رواه مسلم . ولنا حديث عبد الله بن زيد وأقر صلى الله عليه بلالاً عليه بعد أذان أبي محذورة . والإقامة إحدى عشرة فإن رجع في الأذان أو ثنى في الإقامة فلا بأس ، وقال الثوري : الإقامة مثل الأذان ويزيد قد قامت الصلاة مرتين لما روى عبد الله بن زيد قال كان أذان النبي صلى الله عليه وسلم شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة رواه الترمذي ، وعن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة قال الترمذي : حسن صحيح ، وقال مالك : الإقامة عشر كلمات لقوله :'قد قامت الصلاة' مرة لقول أنس أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ، ولنا قول ابن عمر : إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة مرة مرة إلا أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة رواه أبو داود والنسائي ، وفي حديث عبد الله بن زيد أنه وصف الإقامة كما ذكرنا وما احتجوا به من حديث عبد الله بن زيد رواه عنه ابن أبي ليليى وقال الترمذي : لم يسمع ، وقال : الصحيح مثل ما روينا والذي احتج به مالك حجه لنا مجمل فسره ابن عمر ، وخبر أبي محذورة متروك بالإجماع لأن الشافعي لم يعلم به في الإقامة أبو حنيفة لم يعمل به في الأذان . والتثويب في أذان الصبح مستحب وبه قال مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : التثويب بين الأذان والإقامة أن يقول حي على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين ، ولنا ماروى أبو داود والنسائي عن أبي محذورة قال : فإن كان في صلاة الصبح قلت : الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، وما ذكروه قال ابن اسحق : هذا أحدثه الناس ، قال الترمذي : هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم . ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر قال الترمذي : وعلى هذا العمل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم ألا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر ، ثم ذكر حديث أبي هريرة ، أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم رواه مسلم . ويستحب أن يترسل في الأذان ويحدر الإقامة ، الترسل التأني والحدر ضده وبه قال الثوري والشافعي وإسحق ولا نعلم عن غيرهم خلافاً ، قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه أن من السنة أن يؤذن قائماً فإن أذن قاعداً لعذر فلا بأس ، قال الحسن العبدي :رأيت أبا زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن قاعداً وكان رجله قد أصيبت في سبيل الله رواه الأثرم ، ويجوز على الراحلة قال ابن المنذر : ثبت أن ابن عمر كان يؤذن على البعير فينزل فيقيم ، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي ، إلا أن مالكاً قال : لا يقيم وهو راكب ، يستحب أن يؤذن متطهراً لقول أبي هريرة لا يؤذن إلامتوضيء فإن أذن محدثاً جاز لأنه لا يزيد على القراءة ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ،وقال مالك ، يؤذن على غير وضوء ولا يقيم إلا على وضوء ،وإن أذن جنباً فروايتان ، ألا جزاء في قول أكثر أهل العلم ، ويستحب أن يؤذن على موضوع عال لقول الأنصارية كان بيتي من أطول بيت حول المسجد فكان بلالا يأتيني يؤذن عليه ألخ لا نعلم خلافاً في استحبابه ، قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يستقبل القبلة بالأذان ، وسئل أحمد عن الرجل يؤذن وهو يمشي قال : نعم أمر الأذان عندي سهل . وسئل عن المؤذن يمشي وهو يقيم قال : يعجبني أن يفرغ ثم يمشي ، فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً ولم يستدر ، وذكر عن أحمد فيمن أذن في المنارة روايتان : إحداهما لا يدور للخبر ،والثانية : لا يحصل بدونه ، وتحصيل المقصود مع الإخلال بالأدب أولى من العكس وهذا قول إسحق . ويجعل أصبعيه في أذنيه هذا المشهور عن أحمد وعليه العمل عند أهل العلم وكذلك قال الترمذي لفعل بلال صححه الترمذي . وعن أحمد أحب إلى أن يجعل يديه على أذنيه على حديث أبي محذورة ، والأول أصح لصحة الحديث وشهرته وعمل أهل العلم به . ويتولاهما معاً وهو قول الشافعي ، وقال مالك : لا فرق بينه وبين غيره لأن في حديث بن زيد لما أذن بلال قال لعبد الله : أقم أنت . ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم :'إن أخا صداء قد أذن ، ومن أذن فهو يقيم' وما ذكر يدل على الجواز وهذا على الاستحباب فان سبق المؤذن بالأذان فأراد المؤذن أن يقيم فقال أحمد : له لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة ، فإن أقام بغير إعادة فلا بأس لما ذكرنا في حديث عبد الله بن زيد . ويستحب للمؤذن أن يقيم في موضع أذانه لقول بلال لا لا تسبقني بآمين ، وقول ابن عمر كنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا .و لا يقيم إلا بإذن الإمام لما في حديث الصدائي فجعلت أقول له صلى الله عليه وسلم : أقيم أقيم . وكره طائفة من أهل العلم الكلام في أثناء الأذان قال الأوزاعي : لا نعلم أحداً يقتدي به فعله ، ورخص فيه سليمان بن صرد وغيره ، قيل لأحمد الرجل يتكلم في أذانه؟ قال : نعم ، قيل : وفي الإقامة؟ قال :لا . وعن الزهري إذا تكلم في الإقامة أعادها ، وأكثر أهل العلم على أنه يجزئه قياساً على الأذان . ولا يصح إلا بعد دخول الوقت إلا الفجر أما غير الفجر فلا يجزيء بغير خلاف نعلمه ، وأما الفجر فيشرع قبل الوقت وهو قول مالك والشافعي ،و قال الثوري لا يجوز ، وقال طائفة من أهل الحديث : إذا كان له مؤذنان يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والآخر بعده فلا بأس ، ولنا حديث الصدائي أمره صلى الله عليه وسلم بالأذان قبل طلوع الفجر . ويستحب أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر الوضوء وصلاة ركعتين لقوله لبلال : 'اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله' ألخ ومن جمع بين صلاتين أذن للأولى وأقام للثانية ، وقال مالك : يؤذن ويقيم لكل منهما وهو مخالف للأحاديث الصحيحة فإن كثرت الفوائت أذن وأقام للأولى ثم أقام لكل صلاة لحديث ابن مسعود في قصة الخندق . ومن دخل مسجداً قد صلى فيه فإن شاء أذن وأقام كما فعل أنس ، وإن شاء تركها وقو قول الحسن والشعبي . وهل يصح أذان المميز للبالغين؟ على روايتين إحداهما : يصح وهو قول الشافعي وابن المنذر لما روي عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس ، والثانية : لا يصح لأنه شرع للإعلام وهو لا يقبل خبره ، ولا يؤذن قبل الراتب إلا أن يتأخر كما أذن زياد حين غاب بلال ، فأما مع حضوره فلا ، لأن ، مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد يسبقهم بالأذان . قال أحمد في الرجل يؤذن في الليل على غير وضوء فيدخل المنزل ويدع المسجد : أرجو أن يكون موسعاً عليه ، ولكن إذا أذن وهو متوضيء في وقت الصلاة فلا أرى له أن يخرج من المسجد حتى يصلي إلا أن يكون لحاجة . وروي عنه في الذي يؤذن في بيته وبينه وبين المسجد طريق يسمع الناس : أرجو أن لا يكون به بأس ، وقال في رواية الحربي فيمن يؤذن في بيته على سطح : معاذ الله ما سمعنا أن أحداً يفعل هذا ، فحمل الأول على القريب من المسجد والثاني على البعيد . ويستحب اتخاذ المساجد في الدور وتطييبها وتنظيفها لحديث عائشة ، ويستحب تخلقيه لحديث انس في النخامة وتسريحه لحديث ميمونة في بيت المقدس . ويباح النوم فيه لفعل ابن عمر . ويباح للمريض لقصة سعد بن معاذ ، ودخول البعير لطوافه صلى الله عليه وسلم ، ولا بأس بالإجتماع فيه والأكل والاستلقاء لحديث أبي واقد وفيه : فأما أحدهما فرأى فرجة الحديث ، ولحديث عبد الله بن زيد في الاستلقاء . ويجوز إنشاد الشعر واللعان فيه لما روى في ذلك . ومن هنا إلى آخر الباب من (الانصاف) : وإذا اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام وإذا قلنا إنهما سنة لم يقاتلوا ، وقيل : بلى اختاره الشيخ ، ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما ، وقيل : يجوز مع الفقر لا مع الغنى اختاره الشيخ قال : وكذا كل قربة ، ومال إلى عدم إجزاء أذان القاعد . ومن جمع بين صلاتين أو قضاء فوائت أذن للأولى وأقام ثم أقام لكل صلاة ، وعنه تجزيء الإقامة لكل صلاة من غير أذان اختاره الشيخ وقال : أما صحة أذان المميز في الجملة وكونه جائزاً إذا أذن غيره فلا خلاف في جوازه ، ومن الأصحاب من أطلق الخلاف ، والأشبه أن الذي يسقط الفرض عن أهل القرية ويعتمد في وقت الصلاة والصيام ولايجوز أن يباشره صبي قولا واحداً ، ولا يسقط الفرض ولا يعتمد في مواقيت الصلاة ، وأما الذي هو سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر ونحو ذلك فهذا فيه الروايتان والصحيح جوازه أ هـ . ويستحب إجابة مؤذن ثان وثالث اختاره الشيخ وقال : محله إذا كان الأذان مشروعاً ، وقال يجيبه المصلي والمتخلي . وقوله :'وابعثه المقام المحمود' هكذا ورد في لفظ رواه النسائي وغيره والصحيح التنكير . ورد ابن القيم الأول من خمسة أوجه. ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان ألخ ... قال الشيخ : إلا أن يكون للفجر قبل الوقت فلا يكره الخروج نص عليه .