كتاب الصداق الصفحة 1 من 3

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

الأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع :
أما الكتاب فقوله تعالى : ’ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ’ الآية قال : ’ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ’ قال أبو عبيد : يعني عن طيب نفس بالفريضة التي فرض الله ، وقيل : نحلة من الله تعالى للنساء .

وأما السنة فقوله لعبد الرحمن : ’ ما أصدقتها ؟ قال : وزن نواة من ذهب ’ .
وأجمعوا على مشروعيته ويستحب تخفيفه لقول عمر : لا تغلوا في صدقات النساء الحديث أخرجه أبو داود والنسائي .

ويستحب تسميته لأنه صلى الله عليه وسلم يزوج ويتزوج كذلك وقال : ’ التمس ولو خاتماً من حديد ’ ، وأجمعوا على أنه لا يتقدر أقله ولا أكثره وبه قال الشافعي وإسحق ، وعن مالك وأبي حنيفة تقدير الأقل . ثم اختلفوا فيه . ولنا قوله : ’ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ’ وقوله : ’ ولو خاتماً من حديد ’ وأجمعوا على أنه لا توقيت في أكثره .
وكل ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون صداقاً من دين ومنفعة معلومة كرعاية غنمها مدة معلومة وخياطة ثوب ، وقال أبو حنيفة : منافع الحر لا تجوز لأنها ليست مالا وإنما قال : ’ أن تبتغوا بأموالكم ’ الآية ولنا قوله تعالى : ’ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ’ الآية وقولهم ليست مالا ممنوع فإنها تجوز المعارضة عنها وبها ، ثم إن لم تكن مالا فقد أجريت مجراه في هذا فكالنكاح . وإن أنكحها على أن يحج بها لم تصح التسمية ، وقال مالك والثوري : تصح ، وكل موضع لا تصح التسمية فيه يجب فيه مهر المثل ، وعنه يفسد .
وإن أصدقها تعليم شيء معين من القرآن لم يصح ، وعنه يصح لحديث سهل ، وقيل معناه زوجتكها لأنك من أهل القرآن كما زوج أبا طلحة على إسلامه .
ويجوز لأبي المرأة أن يشترط شيئاً معين من الصداق لنفسه وبه قال إسحق ، وروي عن مسروق أنه لما زوج ابنته اشترط لنفسه عشرة آلاف وروي ذلك عن علي بن الحسين ، وقال الثوري وأبو عبيد يكون كله للمرأة ، ولنا قصة شعيب . وإن شرطه غير الأب فالكل لها .
وللأب تزويج ابنته بدون صداق مثلها بكراً كانت أو ثيباً وإن كرهت ، وقال الشافعي : ليس له ذلك فإن فعل فلها مهر مثلها ، ولنا قول عمر بمحضر من الصحابة : لا تغالوا في صداق النساء .
وإن تزوج بإذن سيده على صداق مسمى صح بغير خلاف . والمهر والنفقة على سيده ، وعنه يتعلق بكسبه فإن لم يكن عنده ما ينفق فرق بينهما . وأجمعوا على أنه ليس له النكاح بغير إذن سيده ، فإن فعل ففيه روايتان أظهرهما البطلان وهو قول عثمان وابن عمر والشافعي ، وعنه موقوف على إجازة السيد وهو قول أصحاب الرأي ، وإذا تزوج امرأة فضمن أبوها نفقتها عشر سنين صح . والزوج هو الذي بيده عقدة النكاح فإذا طلقها قبل الدخول فأيهما عفا لصاحبه عما وجب من المهر بريء منه صاحبه ، وعنه أنه الأب أن يعفو عن نصف صداق الصغيرة إذا طلقت قبل الدخول .

والتفويض على ضربين : تفويض البضع ، وهو أن يزوج الأب ابنته البكر أو تأذن المرأة لوليها في تزويجها بغير مهر . والثاني : تفويض المهر ، وهو أن يزوجها على ما شاء أو شاءت أو شاء أجنبي ، فالنكاح صحيح ويجب مهر المثل في قول عامة أهل العلم لقوله : ’ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ’ ولحديث بروع صححه الترمذي وقال الشافعي : لا يكون التفويض إلا بإذنها .
ويجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئاً سواء كانت مفوضة أم لا وبه قال الشافعي ، وقال مالك : لا يدخل بها حتى يعطيها شيئاً وروي عن ابن عباس لأن علياً أراد الدخول بفاطمة فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعطيها شيئاً . ولنا حديث عقبة بن عامر في الذي زوجه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بها ولم يعطها شيئا ً. وأما الأخبار فمحمولة على الاستحباب ويمكن حمل قول ابن عباس ومن وافقه عليه فلا يكون بين القولين فرق .

وإن طلقت قبل الدخول لم يكن لها إلا المتعة ، وعنه لها نصف مهر مثلها ، وقال مالك : المتعة مستحبة لتخصيصه المحسنين . ولنا قوله : ’ ومتعوهن على الموسع قدره ’ الآية وآية الأحزاب ولقوله : ’ حقاً على المتقين ’ وأداء الواجب من الإحسان فلا تعارض ، والمتعة معتبرة بحال الزوج للآية وقيل : بحال الزوجة والآية نص في القول الأول ، وكل من وجب لها نصف المهر لم يجب لها متعة ، وعنه لكل مطلقة متاع روى عن علي وغيره لظاهر قوله : ’ وللمطلقات متاع بالمعروف ’ الآية قال أبو بكر : كل من روى عن أبي عبد الله أنه لا يحكم بالمتعة إلا لمن لم يسم لها مهراً ، إلا حنبلاً فإنه روى عن أحمد أن لكل مطلقة متاعاً والعمل عليه عندي لولا تواتر الروايات عنه بخلافها ، ولنا قوله : ’ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ’ الآية إلى قوله : ’ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ’ فخص الأولى بالمتعة والثانية بنصف المفروض فدل على اختصاص كل قسم بحكمه ، ويحتمل أن الأمر به في غير المفروضة للاستحباب جمعاً بين الآيات .
والنكاح الفاسد إن افترقا قبل الدخول فلا مهر ، فإن دخل بها استقر المهر المسمى ، وعنه مهر المثل . ولا يستقر بالخلوة في قول الأكثر .
وإذا تزوجت المرأة تزويجاً فاسداً لم يحل تزويجها لغير من تزوج بها حتى يطلقها أو يفسخ نكاحها ، فإن امتنع فسخ الحاكم ، وقال الشافعي : لا حاجة إلى فسخ ولا طلاق لأنه غير منعقد أشبه النكاح في العدة . ولنا أنه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد فاحتاج إلى التفريق .
ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة والمكرهة على الزنا ، قال الشافعي : إذا أكرهها فعليه المهر وأرش البكارة ، وإذا دفع أجنبية فأذهب عذرتها فعليه أرش البكارة وهو مذهب الشافعي ، وعن أحمد لها صداق نسائها .

ومن هنا إلى آخر الباب من ( الانصاف ) :
قوله يستحب أن لا يعرى النكاح عن تسمية ، هذا مبني على أصل وهو أن الصداق هل هو حق لله أو لها ، قال الشيخ : كلام أحمد يقتضي أن المستحب أن يكون أربعماءة درهم وهو الصواب مع اليسار فيستحب بلوغه ولا يزاد عليه ،وإن تزوجها على عبد فخرج حراً أو مغصوباً ، أوعصير فبان خمراً فلها قيمته ، وقيل : مهر المثل ، وعند الشيخ لا يلزمه في هذه المسائل شيء . وكذا قال في مهر معين تعذر حصوله . وذكر في بعض قواعده جواز فسخ المراة إذا ظهر المعقود عليه حراً أو مغصوباً أو معيباً . قوله : وإن فعل ذلك غيره بإذنها صح وبغير إذنها يجب مهر المثل فيكمله الزوج ، ويحتمل أن لا يلزمه إلا المسمى والباقي على الولي كالوكيل في البيع اختاره الشيخ .
والزوج هو الذي بيده عقدة النكاح ، وعنه أنه الأب اختاره الشيخ وقال : ليس في كلام أحمد أن عفوه صحيح لأن بيده عقدة النكاح بل إن له أن يأخذ من مالها ما شاء ، وتعليله بذلك يقتضي جواز العفو بعد الدخول عن الصداق كله وكذلك سائر الديون .
ولو اتفقا قبل العقد على مهر وعقداه بأكثر منه تجملا فالمهر المعقود عليه ، وعلى هذا قال أحمد : تفي بما وعدته وشرطته ، وقال القاضي : استحباباً ، وقال أبو حفص البرمكي : وجوباً ، قلت : وهو الصواب . قال الشيخ : إن كنت الهدية قبل العقد وقد وعدوه أن يزوجوه فزوجوا غيره رجع به ، وقال : ما قبض بسبب النكاح فكمهر .

قوله : والتفويض على ضربين إلى أن قال : وإن مات أحدهما قبل الإصابة ورثة صاحبه ولها مهر نسائها وقيل : لا مهر ، وعنه لا بتنصف ، قال الشيخ في القلب جزازة من هذه الرواية ، فالمنصوص عنه في رواية الجماعة أن لها مهر المثل على حديث بروع ، وهذه تخالف السنة وإجماع الصحابة بل الأمة فإن القائل قائلان : قائل يوجب مهر المثل ، وقائلٌ بسقوطه ، فعلمنا أن ناقل ذلك غالط عليه ، ولاغلط إما في النقل أو ممن دونه في السمع أو في الحفظ أو في الكتاب ، إذ من أصل أحمد الذي لا خلاف عنه أنه لا يجوز الخروج عن أقوال الصحابة ولا ترك الحديث الصحيح من غير معارض من حنسه ، وكان شديد الإنكار على من يخالف ذلك ، فكيف يفعله مع إمامته من غير موافقة لأحد ومع أن القول لاحظ له في الآية ولا له نظير ، هذا مما يعلم قطعاً أنه باطل .

واختار أن لكل مطلقة متعة ولو كان قد دخل بها وسمى لها مهراً ، قال أحمد : فيما خرجه في مجلسه : قال ابن عمر : لكل مطلقة متاع إلا التي لم يدخل بها وقد فرض لها . قوله : ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة ، وظاهر كلام الشيخ لا يجب لأنه قال : البضع إنما يتقوم على زوج أو شبهة فيملكه به . قوله : والمكرهة على الزنا لها مهر المثل ، وعنه للبكر خاصة ، وعنه لا يجب مطلقاًً اختاره الشيخ وقال : هو خبيث .