كتاب النكاح الصفحة 1 من 6

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

يجب إن خاف على نفسه العنت في قول عامة الفقهاء ، فإن لم يخف وله شهوة استحب وهو أفضل في حقه من التخلي لنوافل العبادة ، وقال الشافعي التخلي أفضل لقوله تعالى : ' وسيداً وحصورا' فلو كان أفضل لما مدخ بتركه ، ولنا أمر الله ورسوله به وحثهما عليه وقوله : ' وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ' ولا يشتغل صلى الله عليه وسلم إلا بالأفضل ، ولا يجمع الصحابة على ترك الأفضل ، وأما من لا شهوة له فهل يستحب له أو التخلي له أفضل ؟ فيه وجهان . ولا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه ، فإن أحمد قال : ينبغي للرجل أن يتزوج ، فإن كان عنده ما ينفق أنفق وإلا صبر ، فلو تزوج بشر كان قد تم أمره واحتج بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصبح وما عندهم شيء ويمسي كذلك ، وزوج من لا يقدر على خاتم حديد ، وهذا فيمن بمكنه فأما من لا يمكنه فقد قال تعالى : ' وليستفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله ' . وعنه أنه واجب على الأطلاق ، وعن داود يجب في العمر مرة للآية والخبر المشهور ما تقدم لأن الله علقه على الاستطاعة والواجب لا يقف عليها قال : ' مثنى وثلاث ورباع ' ولا يجب ذلك الاتفاق والخبر يحمل على الندب أو على من يخاف على نفسه العنت . ويستحب تخيّير ذات الدين الولود البكر الحسنة الجميلة الأجنبية لقوله : ' فاظفر بذات الدين ' وقوله : ' تزوجوا الودود الولود ' وقوله لمّا سئل أي النساء خير ؟ قال : ' التي تسره إذا نظر ' الخ . ولا نعلم خلافً في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها ، وفيه أحاديث كثيرة . ولا يباح إلى ما لا يظهر عادة . وعن الأوزاعي ينظر إلى مواضع اللحم ، وأما ما يظهر غالباً سوى الوجه والكفين والقدمين ففيه روايتان ، ووجه الجواز أنه صلى الله عليه وسلم أذن في النظر إليها من غير علمها ولا يمكن إفراد الوجه بالنظر ، وله النظر إلى ذلك وإلى الرأس والساقين من الأمة المستامة ومن ذوات محارمه ، وعنه لا ينظر من ذوات محارمه إلا الوجه والكفين ، والصحيح إباحته إلى ما يظهر غالباً لقوله تعالى : ' ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ' الآية . وقالت سهلة : كان سالم يراني فضلا ، قال ' أرضعيه ' ومعنى ' فضلا ' في ثياب البذلة التي لا تستر الأطراف ، قال : لدى الستر إلا لبسة المتفضل وذوات المحارم كل من حرم نكاحها على التأبيد لحديث سالم مع سهلة وزينب مع الزبير لما ارتضعت من أسماء ، وقوله لعائشة : ' ائذني له فإن عمك ' . وتوقف أحمد في النظر إلى أم امرأته وابنتها لأنهما غير مذكورين في الآية ، قال القاضي : إنما حكى قول سعيد بن جبير ولم يأخذ به ، وقد صرح في رواية المروذي أنه محرم يجوز له المسافرة بها ، وقال في يهودي أسلمت ابنته لا يسافر بها ليس هو بمحرم لها ، يعني في السفر . أما النظر فلا لأن أم حبيبة لم تحتجب عن أبي سفيان . وللعبد النظر إليهما من مولاته لقوله تعالى : ' أو ما ملكت أيمانهن ' فأما النظر إلى شعرها فكرهه الحسن وأباحه ابن عباس للآية ولقوله : ' ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ـ إلى قوله ـ ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ' الآية ، ولغير أولي الأربة أي الشهوة كالكبير والعنّين ونحوهما إلى ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يمنع المخنث من الدخول على نسائه ، فلما وصف ابنة غيلان وفهم أمر النساء أمر بحجبه ، وللشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها ، وكذلك من يعامل المرأة في بيع أو إجارة . ولطبيب النظر إلى ما تدعو إل حاجة إليه لأمره بالكشف عن مؤتزر بني قريظة . وللصبي المميز غير ذي الشهوة النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة لقوله : ' ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ' الآية والتي بعدها فدل على التفريق بين البالغ وغيره ، وقال أبو عبد الله : حجم أبو طيبة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام ، وعنه حكمه حكم ذي المحرم في النظر إذا كان ذا شهوة لقوله تعالى : ' أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ' ، وعنه كالأجنبي لأنه كالبالغ في الشهوة ، وللمرأة مع المرأة والرجل مع الرجل النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة . وعنه أن الكافرة مع المسلمة كالأجنبي ( وأما الغلام قبل السبع فلا عورة له يحرم النظر إليها ) لقوله : ' أو نسائهن ' والأول أولى لأن اليهوديات وغيرهن من الكوافر يدخلن على أزواجه صلى الله عليه وسلم فلا يحتجبن . وللمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة . وعنه لا يباح لحديث نبهان عن أم سلمة في ابن أم مكتوم . ولنا قوله لفاطمة ' اعتدي في بيت أم مكتوم ' وستر عائشة وهي تنظر إلى الحبشة متفق عليهما . ونبهان مجهول ، قال أحمد روى حديثين عجيبين هذا والآخر ' إذا كان لأحدا كن مكاتب فلتحتجب ' ثم يحتمل الخصوص ، قيل لأحمد : حديث نبهان لأزواجه صلى الله عليه وسلم وحديث فاطمة لسائر الناس ، قال : نعم . فأما الرجل ينظر إلى الأجنبية من غير سبب فيحرم ، وقيل إلا الوجه والكفين ، وهذا مذهب الشافعي لقوله : ' إلا ما ظهر منها ' قال ابن عباس : الوجه والكفين . فأما العجوز التي لا تشتهي فلا بأس بالنظر إلى ما يظهر غالباً لقوله تعالى ' والقواعد من النساء ' الآية وفي معناها الشوهاء التي لا تشتهي . والأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالباً لأن عمر رأي أمة ملثمة فضربها بالدرة وقال يالكاع تشبهين بالحرائر . فإن كانت جميلة حرم النظر إليها كما يحرم إلى الغلام عند خشية الفتنة ، قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة تنتقب ، ولا ينظر إلى المملوكة ، كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل . ولا بأس بالنظر إلى الطفلة ، قال أحمد في الرجل يأخذ الصغيرة فيضعها في حجره يقبلها : إن وجد شهوة فلا وإلا فلا بأس ، فأما إذا بلغت حداً يصلح للنكاح كابنة تسع فإن عورتها ليس كالبالغة لقوله : ' لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ' وقد دل على صحة صلاة من لم تحض مكشوفة الرأس ، فيحتمل أن يكون حكمها كذوات المحارم . ولا يجوز التصريح بخطبة المعتدة ، ولا التعريض بخطبة الرجعية . وأما المتوفى عنها والبائن بطلاق ثلاث أو فسخ لتحريمها كرضاه أو لعان فيجوز التعريض للآية . وهل يجوز في عدة البائن بغير الثلاث كالمختلعة ؟ فيه وجهان أحدهما يجوز للآية ، فإن صرح أو عرض فيما لا يجوز التعريض فيه ثم تزوجها بعد حلها صح ، وقال مالك : يطلقها تطليقة ثم يتزوجها . ولا يجوز أن يخطب على خطبة أخيه إن أجيب ، وإن رد حل لحديث فاطمة بنت قيس : ' انكحي أسامة ' وإن وجد منها ما يدل على الرضا تعريضاً لم تحل خطبتها ، وقال الشافعي يجوز لحديث فاطمة لأن الظاهر كونها إلى أحدهما ، واستدل القاضي بخطبته لها قبل سؤالها هل وجد منها ما يدل على الرضا أو لا ، ولنا عموم النهي وحديث فاطمة لا حجة فيه فإن فيه ما يدل على أنها لم تركن لأحدهما من وجهين : أحدهما أنه قال لها : ' لا تسبقينا بنفسك ' ، وفي رواية : ' إذا حللت فآذنيني ' فلم تكن لتفتات بالإجابة قبل إذنه . الثاني : أنها ذكرت له ذلك كالمستشير . وخطبته على خطبة أخيه محرمة فإن فعل فنكاحه صحيح ، وعن مالك وداود لا يصح . ولا تحرم الخطبة على خطبة الذمي ، وقال ابن عبد البر : لا تجوز لأنه خرج مخرج الغالب لا لتخصيص المسلم . ولنا أن لفظ النهي خاص والأخوة الإسلامية لها تأثير في وجوب الاحترام فلم يجز خلافها . ويستحب أن يخطب بخطبة ابن مسعود ، وليس واجبة عند أحد إلا داود ، والمستحب خطبة واحدة ، وقال الشافعي : خطبتان الثانية من الزوج قبل قبوله ، والمقول عنه صلى الله عليه وسلم وعن السلف خطبة واحدة . وليقل إذا زفت إليه ما روى صالح عن أبيه حدثنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد مولى ابي أسيد أنه تزوج فحضره ابن مسعود وأبو ذر وحذيفة وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضرة الصلاة فقدموه فصلى بهم وهو مملوك ثم قال له : ' إذا دخلت على أهلك فصلّ ركعتين ثم خذ بأرس أهلك فقل : اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهي فيّ ، وارزقهم مني وارزقني منهم ، ثم شأنك وشأن أهلك ' ولأبي داود من حديث عمروا بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه : ' إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادماً فليقل : اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه ، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه ، وإذا اشترى بعيراً فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك ) ومن هنا إلى آخر الباب من ( الانصاف ) : قال الشيخ : إذا خشى العنت جاز له تزوج الأمة مع أن تركه أفضل ، أو مع الكراهة وهو يخاف العنت فيكون الوجوب مشروطاًبالقدرة على النكاح الخ . واختار أيضاً كراهة نظر المرأة إلى الرجل ، وأنه لا يجوز النظر إلى من يحل النظر إليه إذا خاف ثوران الشهوة ، وأن اللمس أولى بالمنع من النظر . وقال الخلوة بأمرد حسن ومضاجعته كامرأة والمقر ( لمواليه ) عند من يعاشره كذلك ملعون وديوث ولو لمصلحة تعليم وتأديب . وقال : لو خطبت المرأة أو وليها ابتداء فأجابها فينبغي أن لا يحل لآخر خطبتها إلا أنه أضعف من أن يكون هو الخاطب ، ونظير الأولى أن تخطبه امرأة أو وليها بعد أن يخطب امرأة فإن هذا إيذاء للمخطوب في الموضعين كما أن ذلك إيذاء للخاطب .