كتاب الجهاد الصفحة 7 من 9

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

باب الهدنة وهي جائزة لقوله تعالى : ( براءة من الله ورسوله ) الآية وقوله : ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) الآية ، وصالح صلى الله عليه وسلم سهيلا عشر سنين . وإنما تجوز للنظر للمسلمين إما لضعفهم عن القتال أو طمع في إسلامهم أو في أدائهم الجزية وغير ذلك من المصالح ، فإن صالحهم على مال يبذله لهم فقد أطلق القول بالمنع لأن فيه صغاراً وهو مذهب الشافعي ، قال أحمد : وهو محمول على غير حالة الضرورة لبذله لعيينة ومن معه ثلث ثمار المدينة ، فإن عقدها غير الإمام أو نائبه لم يصح ، وإن مات الإمام أو عزل لم تنتقض لقوله : ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) فإن نقضوا بقتال أو مظاهرة أو قتل مسلم أو أخذ مال انتقض عهدهم وجاز قتالهم لقوله : ( وإن نكثوا أيمانهم ) الآية وقوله : ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) الآية وإن نقضه بعضه دون بعض فسكت باقيهم عن الناقض فالكل ناقض لأن قريشاً أعان بعضهم بني بكر على خزاعة وسكت الباقون فانتقض عهدهم ، وإن شرط فيها شرطاً فاسداً كنقضها متى شاء أو رد النساء إليهم أو إدخالهم الحرم لم يصح الشرط وفي العقد وجهان . وإن قال هادنتكم ما شئنا أو شاء فلان أو شرط ذلك لنفسه دونهم لم يصح لأنه ينافي مقتضى العقد كما لو شرطه في البيع أو النكاح ، وقال القاضي : يصح وهو قول الشافعي لقوله لأهل خيبر : ' نقركم ما أقركم الله ' ولنا أنه عقد لازم فلم يجز اشتراط نقضه ، وقصة أهل خيبر لم تكن هدنة وإنما ساقاهم ، وقد وافقوا الجماعة في أنه لو شرط في الهدنه أقركم ما أقركم الله لم يصح فيكف يجتمعون مع الإجماع على عدم جوازه ، كذلك إن شرط إدخالهم الخرم فهو فاسد لقوله تعالى : ( إنما المشركون نجس ) الآية . وإذا عقد الهدنة من غير شرط فجاءنا منهم إنسان مسلماً أو بأمان لم يجب رده ولم يجز ، ولا يجب رد مهر المرأة ، وقال بعض أصحاب الشافعي : إن خرج العبد قبل إسلامه ثم أسلم لم يرد إليهم ، فإن أسلم قبل خروجه إلينا لم يصر حراً لأنه في أمان منا ، وقال الشافعي في قوله : إذا جاءت امرأة مسلمة رد مهرها لقوله : ( وآتوهم ما أنفقوا ) الآية . ولنا أنه من غير دار الإسلام خرج إلينا فلم يجب رده ولا رد شيء عنه كالحر كما لو أسلم بعد خروجه ، وقوله : إنه في أمان منا قلنا : إنما أمناهم ممن هو في دار الإسلام الذين هم في قبضة الإمام كما لو خرج قبل إسلامه ، ولهذا لما قتل أبو بصير الرجل لم ينكر عليه ولم يضمنه ، فلما انفرد هو وأصحابه فقطعوا الطريق عليهم لم ينكر ذلك عليهم ولم يأمرهم برد ما أخذوه . وأما المرأة فلا يرد مهرها لأنها لم تأخذ منهم شئياً ولو أخذته كانت قد قاهرتهم عليه في دار القهر ، ولو وجب لوجب مهر المثل دون المسمى ، وأما الآية فقال قتادة : نسخ رد المهر ، وقال عطاء والزهري : لا يعمل بها اليوم على أنها في قصة الحديبية حين شرط رد من جاء مسلماً ، وكلامنا فيما إذا وقع الصلح من غير شرط ، وإذا شرط رد النساء لم يصح أيضاً . وإن شرط رد من جاء مسلماً من الرجال جاز ، وقال أصحاب الشافعي : لا يجوز شرط رده إلا أن يكون له عشيرة تحميه ، ولنا أنه صلى الله عليه وسلم لم يخص ذا العشيرة ولأنه إذا كانت عشيرته هي التي تفتنه فهو كمن لا عشيرة له لكن إنما يجوز هذا الشرط عند شدة الحاجة إليه ، وله أن يأمره سراً بالهرب منهم ومقاتلتهم لقصة أبي بصير ولقول عمر لأبي جندل دم أحدهم دم الكلب . وإذا طلبت امرأة مسلمة الخروج من عندهم جاز لكل مسلم إخراجها لقصة بنت حمزة . وعلى الإمام حماية من هادنه من المسلمين دون غيرهم . وإن سباهم كفار آخرون لم يجز لنا شراؤهم ، وعن أبي حنيفة يجوز . وإن خاف نقض العهد منهم نبذ إليهم عهدهم لقوله تعالى : ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ) الآية أي تصير أنت وهو سواء في العلم بالنبذ . ولا يجوز أن يبدأهم بقتال أو غارة قبل إعلامهم للآية . ومن أتلف منهم شئياً على مسلم ضمنه ، وإن قذفه جلد لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين بهم .