كتاب الجهاد الصفحة 6 من 9

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

باب الأمان يصح أمان المسلم المكلف ذكراَ كان أو أنثى ، وفي أمان الصبي المميز روايتان : يصح من كل مسلم بالغ عاقل ذكراً كان أو أنثى حراً أو عبداً وهو قول الأكثر ، وروي عن أبي حنيفة لا يصح أمان العبد إلا أن يكون مأذوناً له في القتال ، ولنا حديث علي وفيه ' يسعى بذمتهم أدناهم ' . ويصح أمان الأسير إذا عقده غير مكره ، وكذلك الأجير والتاجر في دار الحرب ، وقال الثوري : لا يصح أمان أحد منهم ، ولنا عموم الحديث . وأما الصبي المميز ففيه روايتان إحداهما لا يصح وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ، والثانية : يصح وبه قال مالك للعموم ، ولا يصح أمان ذمي لقوله صلى الله عليه وسلم : ' يسعى بذمتهم أدناهم' ويصح أمان أحد الرعية للواحد والعشرة والقافلة الصغيرة والحصن الصغير ولا يصح لأهل بلدة وجمع كثير لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام ، ويصح أمان الأسير بعد الاستيلاء عليه لأن عمر أمن الهرمزان وهو أسير ، فأما أحد الرعية فليس له ذلك وهو مذهب الشافعي ، وحكى عن الأوزاعي أنه يصح لأن زينب أجارت أبا العاص وهو أسير فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولنا أن أمر الأسير مفوض إلى الإمام وحديث زينب إنما صح بإجازة النبي صلى الله عليه وسلم . وإذا شهد للأسير اثنان أو أكثر أنهم أمنوه قبل إذا كانوا بصفة الشهود ، وقال الشافعي : لا يقبل لأنهم يشهدون على فعل أنفسهم ، ولنا أنهم عدول غير متهمين كما لو شهدوا على غيرهم أنه أمنه ، فإن شهد واحد إنى أمنته فقال القاضي : قياس قول أحمد أنه يقبل وهو قول الأوزاعي ، ويحتمل أن لا يقبل وبه قال الشافعي . وصفة الأمان الذي ورد به الشرع لفظتان : ' أجرتك ، وأمنتك ' قال تعالى : ( فأجره حتى يسمع كلام الله ) وقال : ' من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ' وفي معناه ' لا تخف ، لا بأس عليك ' وروي عن عمر أنه قال : إذا قلتم لا بأس أو لا تذهب أو مترس فقد أمنتوه فإن الله يعمل الألسنة لا نعلم في هذا كله خلافاً . فإن قال : قف أو أقم أو ألق سلاحك فقيل : هو له أمان لأن الكافر يعتقده أماناً ، وقال الأوزاعي : إن أدعى الكافر أنه أمان فهو أمان وإلا فلا يقبل : فإن قال نويت به الأمان فهو أمان ، وإن قال : لم أنوه وقال الكافر أعتقد أنا أرد إلى مأمنه ، فإن أشار عليهم بما اعتقدوه أماناً وقال: أردت به الأمان فهو أمان وإن قال لم أرد به الأمان فالقول قوله لأنه أعلم بنيته فإن خرجوا من حصنهم بهذه الإشارة لم يقتلوا ويردون إلى مأمنهم لقول عمر : والله لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك فنزل بأمانه فقتله لقتلته به رواه سعيد . وإن مات المسلم أو غاب فإنهم يردون إلى مأنهم وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر . ومن جاء بمشرك وادعى أنه أمنه فأنكر فالقول قوله ، وعنه قول الأسير ، وعنه من تدل الحال على صدقه . وإن طلب الأمان ليسمع كلام الله وجب إجابته ثم يرد إلى مأمنه لا نعلم فيه خلافاً للآية ، قال الأوزاعي : هي إلى يوم القيامة . وإذا دخل حربي دار إسلام بغير أمان فادعى أنه رسول قبل منه ولم يجز التعرض له لقوله : ' لولا أن الرسل لا تقتل ألخ ' ، وإن ادعى أنه تاجر وقد جرت العادة بدخول تجارهم إلينا لم يعرض له إذا كان معه ما يبيعه لأنهم دخلوا يعتقدون الأمان . قال أحمد : إذا ركب القوم في البحر فاستقبلهم تجار مشركون من أرض العدو يريدون دار الإسلام لم يعرضوا لهم ، وكل من دخل بلاد الإسلام من أرض الحرب بتجارة بويع ولا يسأل عن شيء ، وإن كان ممن ضل في الطريق أو حملته الريح في مركب إلينا فهو لمن أخذه في إحدى الروايتين ، والأخرى يكون فيئاً لأنه أخذ بغير قتال . روي عن أحمد أنه سئل الدابة من بلد الروم فتدخل القرية وعن القوم يضلون في الطريق فيدخلون القرية قال : تكون لأهل القرية يتقاسمونها ، وقال الزهري : غنيمة وفيها الخمس . ومن دخل دار الحرب رسولا أو تاجراً فخيانتهم محرمة عليه لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطاً بترك خيانتهم ، وكذلك من جاءنا منهم بأمان فمتى خان انتقض عهده . وإذا أودع المستأمن ماله مسلماً أو أقرضه ثم عاد إلى دار الحرب بقى الأمان في ماله فإذا طلبه صاحبه بعث إليه ، وإن مات في دار الحرب انتقل المال إلى وراثه ولم يبطل الأمان فيه ، وقال أبو حنيفه والشافعي : يبطل لأنه صار لورثته ولم يعقد فيه أماناً ، ولنا أن الأمان حق لازم متعلق بالمال وهذا اختيار المزني ، وإن لم يكن وارثاً صار فيئاًَ. وإن أخذ المسلم من الحربي مالا وديعة أو مضاربة فدخل بها دار الإسلام فهو في أمان . وإن أطلقوا الأسير بشرط أنه يقيم عندهم مدة لزمه الوفاء لقوله : ' المؤمنون عند شروطهم ' وقال الشافعي : لا يلزمه ، وإن أطلقوه وأمنوه صاروا في أمان منه لأن أمانهم له يقتضي سلامتهم منه ، وإن لم يشرطوا شيئاً أو شرطوا كونه رقيقاً فله أن يقتل ويسرق ويهرب ، وإن أحلفوا على ذلك وكان مكرهاً لم تنعقد يمينه . وإن أطلقوا بشرط أن يبعث إليهم مالا وإن عجز عنه عاد إليهم لزمه الوفاء إلا أن تكون امرأة ، وقال الخرقي : لا يرجع الرجل أيضاً نص عليه . وإن كان مكرهاً لم يلزمه الرجوع ولا الفداء لقوله : ' عفى لأمتي ألخ ' ، وإن لم يكره وقدر على الفداء لزمه وبه قال الحسن وغيره : وقال الشافعي : لا يلزمه لأنه حر لا يستحقون بدله ، ولنا قوله : ' وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ' ولما صالح أهل الحديبية وفي لهم وقال : ' لا يصلح في ديننا الغدر ' . ولأن الوفاء مصلحة للأسارى ، وفي الغدر مفسدة في حقهم ، فإن عجز أو كانت امرأة لم ترجع لقوله : ( فلا ترجعوهن إلى الكفار ) الآية . وفي الرجل روايتان إحداهما لا يرجع وبه قال الحسن والنخعي والشافعي لأن الرجوع إليهم معصية ، والثانية : يلزمه وهو قول الزهري والأوزاعي لقصة أبي بصير . وإذا اشترى المسلم أسيراً بإذنه لزمه أن يؤدي إلى الذي اشتراه ما أداه فيه بغير خلاف ، وإن كان بغير إذنه لزمه أيضاً وبه قال الحسن وغيره : وقال الشافعي وابن المنذر : لا يلزمه لأنه تبرع بما لا يلزمه ، ولنا ماروى سعيد أن عمر كتب إلى السائب : أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما اقتسم فلا سبيل إليه : وإيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رءوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى فحكم للتجار برءوس أموالهم . ويجب فداء أسير المسلمين إذا أمكن لقوله : ' وفكوا العاني ' . ويجب فداء أسير أهل الذمة وبه قال عمر ابن عبد العزيز والليث لأننا التزمنا حفظهم بمعاهدتهم وأخذ جزيتهم ، وقال القاضي : إنما يجب إذا استعان بهم الإمام في قتالهم فسبوا وجب عليه ذلك وهو المنصوص عن أحمد .