كتاب الإيمان الكبير الصفحة 5 من 7

بواسطة: الشيخ ابن تيمية

فصل (204) (الوجه الثاني) من غلط ' المرجئة ': ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط دون أعمال القلوب ; كما تقدم عن جهمية المرجئة. (الثالث) ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون شيء من الأعمال ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبب ولا يجعلونها لازمة له ; والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر ; ولهذا صاروا يقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب مثل أن يقولوا: رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في قلب أبي بكر وعمر وهو لا يسجد لله سجدة ولا يصوم رمضان ويزني بأمه وأخته ويشرب الخمر نهار رمضان ; يقولون: هذا مؤمن تام الإيمان فيبقى سائر المؤمنين ينكرون ذلك غاية الإنكار. قال أحمد بن حنبل: حدثنا خلف بن حيان حدثنا معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فنفر منه أصحابنا نفورا شديدا منهم ميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك فإنه عاهد الله أن لا يؤويه وإياه سقف بيت إلا المسجد قال معقل: فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابي وهو يقرأ: {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} قلت: إن لنا حاجة فأخلنا ففعل ; فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا وتكلموا وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين ; فقال: أوليس الله تعالى يقول: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}. فالصلاة والزكاة من الدين قال: فقلت: إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة فقال: أوليس قد قال الله فيما أنزل: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} هذا الإيمان. فقلت: إنهم انتحلوك. وبلغني أن ابن ذر دخل عليك في أصحاب له ; فعرضوا عليك قولهم فقبلته. فقلت هذا الأمر فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو مرتين أو ثلاثا ثم قال: قدمت المدينة فجلست إلى نافع فقلت: يا أبا عبد الله إن لي إليك حاجة فقال: سر أم علانية ؟ فقلت: لا بل سر: قال: رب سر لا خير فيه فقلت: ليس من ذلك فلما صلينا العصر قام وأخذ بثوبي ثم خرج من الخوخة ولم ينتظر القاص فقال: حاجتك ؟ قال فقلت: أخلني هذا. فقال: تنح ; قال: فذكرت له قولهم. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ' {أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا: لا إله إلا الله ; فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله} ' قال: قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فرض ولا نصلي ; وبأن الخمر حرام ونشربها ; وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح. فنثر يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر. قال معقل: فلقيت الزهري فأخبرته بقولهم. فقال: سبحان الله وقد أخذ الناس في هذه الخصومات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ' {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ; ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن} '. قال معقل. فلقيت الحكم بن عتبة فقلت له: إن عبد الكريم وميمونا بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة فعرضوا بقولهم عليك فقبلت قولهم ; قال. فقبل ذلك علي ميمون ; وعبد الكريم لقد دخل علي اثنا عشر رجلا وأنا مريض فقالوا: يا أبا محمد بلغك {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل بأمة سوداء أو حبشية فقال: يا رسول الله علي رقبة مؤمنة أفترى هذه مؤمنة ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهدين أن لا إله إلا الله. فقالت: نعم. قال: وتشهدين أن محمدا رسول الله ؟.: قالت: نعم قال: وتشهدين أن الجنة حق والنار حق قالت: نعم قال: وتشهدين أن الله يبعثك من بعد الموت ؟. قالت نعم ; قال: فأعتقها فإنها مؤمنة} ': فخرجوا وهم ينتحلون ذلك. قال معقل: ثم جلست إلى ميمون بن مهران فقلت يا أبا أيوب لو قرأت لنا سورة ففسرتها قال: فقرأ: {إذا الشمس كورت} حتى إذا بلغ: {مطاع ثم أمين} قال: ذاكم جبريل والخيبة لمن يقول: أن إيمانه كإيمان جبريل ورواه حنبل عن أحمد ورواه أيضا عن ابن أبي مليكة قال: لقد أتى علي برهة من الدهر وما أراني أدرك قوما يقول أحدهم: ' إني مؤمن مستكمل الإيمان ثم ما رضي حتى قال: إيماني على إيمان جبريل وميكائيل وما زال بهم الشيطان حتى قال أحدهم: إني مؤمن وإن نكح أخته وأمه وبنته والله لقد أدركت كذا وكذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ; ما مات أحد منهم إلا وهو يخشى النفاق على نفسه وقد ذكر هذا المعنى عنه البخاري في ' صحيحه ' قال: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ; ما منهم أحد يقول: إيمانه كإيمان جبريل. وروى البغوي عن عبد الله بن محمد عن ابن مجاهد قال: كنت عند عطاء بن أبي رباح فجاء ابنه يعقوب فقال: يا أبتاه إن أصحابا لي يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل ; فقال: يا بني ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله. قلت: قوله عن ' المرجئة ': إنهم يقولون: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين قد يكون قول بعضهم فإنهم كلهم يقولون: ليستا من الإيمان وأما من الدين فقد حكي عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين ; ولا نفرق بين الإيمان والدين ومنهم من يقول: بل هما من الدين ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين وهذا هو المعروف من أقوالهم التي يقولونها عن أنفسهم: ولم أر أنا في كتاب أحد منهم أنه قال: الأعمال ليست من الدين بل يقولون ليست من الإيمان وكذلك حكى أبو عبيد عمن ناظره منهم فإن أبا عبيد وغيره يحتجون بأن الأعمال من الدين ; فذكر قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} إنها نزلت في حجة الوداع. قال أبو عبيد: فأخبر أنه إنما كمل الدين الآن في آخر الإسلام في حجة النبي صلى الله عليه وسلم وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك بعشرين سنة من أول ما نزل عليه الوحي بمكة حين دعا الناس إلى الإقرار حتى قال: لقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة.. إلى أن قال: إن الإيمان ليس بجميع الدين ولكن الدين ثلاثة أجزاء: الإيمان جزء ; والفرائض جزء والنوافل جزء. قلت: هذا الذي قاله هذا هو مذهب القوم قال أبو عبيد: وهذا غير ما نطق به الكتاب ألا تسمع إلى قوله: {إن الدين عند الله الإسلام} وقال {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه}. وقال: {ورضيت لكم الإسلام دينا} فأخبر أن الإسلام هو الدين برمته ; وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين. قلت: إنما قالوا: إن الإيمان ثلث ولم يقولوا إن الإيمان ثلث الدين. لكنهم فرقوا بين مسمى الإيمان ومسمى الدين وسنذكر إن شاء الله تعالى الكلام في مسمى هذا ومسمى هذا فقد يحكى عن بعضهم أنه يقول ليستا من الدين ولا يفرق بين اسم الإيمان والدين ومنهم من يقول بل كلاهما من الدين ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين والشافعي رضي الله عنه كان معظما لعطاء بن أبي رباح ويقول: ليس في التابعين أتبع للحديث منه وكذلك أبو حنيفة قال: ما رأيت مثل عطاء وقد أخذ الشافعي هذه الحجة عن عطاء. فروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي: حدثنا أبي حدثنا ميمون حدثنا أبو عثمان بن الشافعي سمعت أبي يقول ليلة للحميدي: ما يحتج عليهم يعني أهل الإرجاء بآية أحج من قوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}. وقال الشافعي رضي الله عنه في كتاب ' الأم ' في (باب النية في الصلاة: يحتج بأن لا تجزئ صلاة إلا بنية بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ' {إنما الأعمال بالنيات} ' ثم قال: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر. وقال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت ; فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة فقلت: هذا الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين. قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} الآية. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله. قلت: وأما احتجاجهم بقوله للأمة ' {أعتقها فإنها مؤمنة} ' فهو من حججهم المشهورة وبه احتج ابن كلاب وكان يقول: الإيمان هو التصديق والقول جميعا فكان قوله أقرب من قول جهم وأتباعه وهذا لا حجة فيه ; لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة فإن المنافقين الذين قالوا: {آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} هم في الظاهر مؤمنون يصلون مع الناس. ويصومون ويحجون ويغزون والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم كما كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر لا في مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ذلك ; بل لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول - وهو من أشهر الناس بالنفاق - ورثه ابنه عبد الله وهو من خيار المؤمنين وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون ; وإذا مات لأحدهم. وارث ورثوه مع المسلمين. وقد تنازع الفقهاء في المنافق الزنديق الذي يكتم زندقته هل يرث ويورث ؟ على قولين والصحيح أنه يرث ويورث وإن علم في الباطن أنه منافق كما كان الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة لا على المحبة التي في القلوب فإنه لو علق بذلك لم تمكن معرفته والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها وهو ما أظهره من موالاة المسلمين ; فقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم} ' لم يدخل فيه المنافقون وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار ; بل كانوا يورثون ويرثون ; وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين وقد أخبر الله عنهم أنهم يصلون ويزكون ومع هذا لم يقبل ذلك منهم فقال: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} وقال {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا}. وفي ' صحيح مسلم ' عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ' {تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا} ' وكانوا يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم في المغازي كما خرج ابن أبي في غزوة بني المصطلق وقال فيها: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل}. ' وفي الصحيحين ' عن {زيد بن أرقم قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيها شدة ; فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله. وقال: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأرسل إلى عبد الله بن أبي ; فسأله فاجتهد يمينه ما فعل وقالوا: كذب زيد يا رسول الله فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي في {إذا جاءك المنافقون} فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رءوسهم. وفي غزوة تبوك استنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم كما استنفر غيرهم فخرج بعضهم معه وبعضهم تخلفوا وكان في الذين خرجوا معه من هم بقتله في الطريق هموا بحل حزام ناقته ليقع في واد هناك فجاءه الوحي فأسر إلى حذيفة أسماءهم ولذلك يقال: هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره} كما ثبت ذلك في ' الصحيح ' ومع هذا ففي الظاهر تجري عليهم أحكام أهل الإيمان. وبهذا يظهر الجواب عن شبهات كثيرة تورد في هذا المقام ; فإن كثيرا من المتأخرين ما بقي في المظهرين للإسلام عندهم إلا عدل أو فاسق وأعرضوا عن حكم المنافقين والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة والنفاق شعب كثيرة وقد كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم. ففي ' الصحيحين ' عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ' {آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان} ' وفي لفظ مسلم: ' {وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم} '. وفي ' الصحيحين ' عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال. ' {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر} '. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولا يصلي عليهم ويستغفر لهم حتى نهاه الله عن ذلك فقال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} وقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} فلم يكن يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ولكن دماؤهم وأموالهم معصومة لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار الذين لا يظهرون أنهم مؤمنون بل يظهرون الكفر دون الإيمان فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ' {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله} ' {ولما قال لأسامة بن زيد: أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله ؟ قال: إنما قالها تعوذا. قال: هلا شققت عن قلبه ؟ وقال. إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم} ' {وكان إذا استؤذن في قتل رجل يقول: أليس يصلي أليس يتشهد ؟ فإذا قيل له: إنه منافق. قال: ذاك} فكان حكمه صلى الله عليه وسلم في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم لا يستحل منها شيئا إلا بأمر ظاهر مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم ; وفيهم من لم يكن يعلم نفاقه. قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم} وكان من مات منهم صلى عليه المسلمون الذين لا يعلمون أنه منافق ومن علم أنه منافق لم يصل عليه. وكان عمر إذا مات ميت لم يصل عليه حتى يصلي عليه حذيفة لأن حذيفة كان قد علم أعيانهم. وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} فأمر بامتحانهن هنا وقال: {الله أعلم بإيمانهن}. والله تعالى لما أمر في الكفارة بعتق رقبة مؤمنة لم يكن على الناس ألا يعتقوا إلا من يعلموا أن الإيمان في قلبه ; فإن هذا كما لو قيل لهم: اقتلوا إلا من علمتم أن الإيمان في قلبه. وهم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا يشقوا بطونهم ; فإذا رأوا رجلا يظهر الإيمان جاز لهم عتقه وصاحب الجارية لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل هي مؤمنة ؟ إنما أراد الإيمان الظاهر الذي يفرق به بين المسلم والكافر وكذلك من عليه نذر لم يلزمه أن يعتق إلا من علم أن الإيمان في قلبه ; فإنه لا يعلم ذلك مطلقا ; بل ولا أحد من الخلق يعلم ذلك مطلقا. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق والله يقول له: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين}. فأولئك إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم فيهم كحكمه في سائر المؤمنين ; ولو حضرت جنازة أحدهم صلى عليها ولم يكن منهيا عن الصلاة إلا على من علم نفاقه ; وإلا لزم أن ينقب عن قلوب الناس ويعلم سرائرهم وهذا لا يقدر عليه بشر. ولهذا لما كشفهم الله بسورة براءة بقوله: {ومنهم} {ومنهم} صار يعرف نفاق ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس منهم ; وما كان الناس يجزمون بأنها مستلزمة لنفاقهم وإن كان بعضهم يظن ذلك وبعضهم يعلمه ; فلم يكن نفاقهم معلوما عند الجماعة بخلاف حالهم لما نزل القرآن ; ولهذا لما نزلت سورة براءة كتموا النفاق وما بقي يمكنهم من إظهاره أحيانا ما كان يمكنهم قبل ذلك وأنزل الله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا} {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} فلما توعدوا بالقتل إذا أظهروا النفاق كتموه. ولهذا تنازع الفقهاء في استتابة الزنديق. فقيل: يستتاب. واستدل من قال ذلك بالمنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل أمرهم إلى الله ; فيقال له: هذا كان في أول الأمر وبعد هذا أنزل الله: {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} فعلموا أنهم إن أظهروه كما كانوا يظهرونه قتلوا فكتموه. والزنديق: هو المنافق وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق قالوا: ولا تعلم توبته لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر ; وقد كان يظهر الإيمان وهو منافق ; ولو قبلت توبة الزنادقة لم يكن سبيل إلى تقتيلهم والقرآن قد توعدهم بالتقتيل. والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان الظاهر الذي علقت به الأحكام الظاهرة وإلا فقد ثبت عنه أن سعدا لما شهد لرجل أنه مؤمن قال: ' أو مسلم ' وكان يظهر من الإيمان ما تظهره الأمة وزيادة فيجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناس في الدنيا وبين حكمهم في الآخرة بالثواب والعقاب ; فالمؤمن المستحق للجنة لا بد أن يكون مؤمنا في الباطن باتفاق جميع أهل القبلة حتى الكرامية الذين يسمون المنافق مؤمنا ويقولون: الإيمان هو الكلمة يقولون: إنه لا ينفع في الآخرة إلا الإيمان الباطن. وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة وهو غلط عليهم ; إنما نازعوا في الاسم لا في الحكم بسبب شبهة المرجئة في أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل ; ولهذا أكثر ما اشترط الفقهاء في الرقبة التي تجزئ في الكفارة العمل الظاهر فتنازعوا هل يجزئ الصغير ؟ على قولين معروفين للسلف هما روايتان عن أحمد ; فقيل: لا يجزئ عتقه لأن الإيمان قول وعمل والصغير لم يؤمن بنفسه إنما إيمانه تبع لأبويه في أحكام الدنيا ; ولم يشترط أحد أن يعلم أنه مؤمن في الباطن ; وقيل: بل يجزئ عتقه لأن العتق من الأحكام الظاهرة وهو تبع لأبويه ; فكما أنه يرث منهما ويصلى عليه ولا يصلى إلا على مؤمن فإنه يعتق. وكذلك المنافقون الذين لم يظهروا نفاقهم يصلى عليهم إذا ماتوا ويدفنون في مقابر المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم والمقبرة التي كانت للمسلمين في حياته وحياة خلفائه وأصحابه يدفن فيها كل من أظهر الإيمان وإن كان منافقا في الباطن ولم يكن للمنافقين مقبرة يتميزون بها عن المسلمين في شيء من ديار الإسلام كما تكون لليهود والنصارى مقبرة يتميزون بها ومن دفن في مقابر المسلمين صلى عليه المسلمون والصلاة لا تجوز على من علم نفاقه بنص القرآن فعلم أن ذلك بناء على الإيمان الظاهر والله يتولى السرائر وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عليهم ويستغفر لهم حتى نهي عن ذلك. وعلل ذلك بالكفر فكان ذلك دليلا على أن كل من لم يعلم أنه كافر بالباطن جازت الصلاة عليه والاستغفار له وإن كانت فيه بدعة وإن كان له ذنوب. وإذا ترك الإمام أو أهل العلم والدين ' الصلاة ' على بعض المتظاهرين ببدعة أو فجور زجرا عنها لم يكن ذلك محرما للصلاة عليه والاستغفار له بل قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن كان يمتنع عن الصلاة عليه وهو الغال وقاتل نفسه والمدين الذي لا وفاء له: ' {صلوا على صاحبكم} ' وروي أنه كان يستغفر للرجل في الباطن وإن كان في الظاهر يدع ذلك زجرا عن مثل مذهبه كما روي في حديث محلم بن جثامة. وليس في الكتاب والسنة المظهرون للإسلام إلا قسمان: مؤمن أو منافق فالمنافق في الدرك الأسفل من النار والآخر مؤمن ثم قد يكون ناقص الإيمان فلا يتناوله الاسم المطلق وقد يكون تام الإيمان وهذا يأتي الكلام عليه إن شاء الله في مسألة الإسلام والإيمان وأسماء الفساق من أهل الملة ; لكن المقصود هنا أنه لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا ببدعة ابتدعها - ولو دعا الناس إليها - كافرا في الباطن إلا إذا كان منافقا. فأما من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافر أصلا والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع. وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة من كان منهم منافقا فهو كافر في الباطن ومن لم يكن منافقا بل كان مؤمنا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرا في الباطن وإن أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه ; وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار. ومن قال: إن الثنتين والسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة وإنما يكفر بعضهم بعضا ببعض المقالات كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. وإنما قال الأئمة بكفر هذا لأن هذا فرض ما لا يقع فيمتنع أن يكون الرجل لا يفعل شيئا مما أمر به من الصلاة والزكاة والصيام والحج ويفعل ما يقدر عليه من المحرمات مثل الصلاة بلا وضوء وإلى غير القبلة ونكاح الأمهات وهو مع ذلك مؤمن في الباطن ; بل لا يفعل ذلك إلا لعدم الإيمان الذي في قلبه ولهذا كان أصحاب أبي حنيفة يكفرون أنواعا ممن يقول كذا وكذا ; لما فيه من الاستخفاف ويجعلونه مرتدا ببعض هذه الأنواع مع النزاع اللفظي الذي بين أصحابه وبين الجمهور في العمل: هل هو داخل في اسم الإيمان أم لا ؟ ولهذا فرض متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها وهو أن الرجل إذا كان مقرا بوجوب الصلاة فدعي إليها وامتنع واستتيب ثلاثا مع تهديده بالقتل فلم يصل حتى قتل هل يموت كافرا أو فاسقا ؟ على قولين: وهذا الفرض باطل فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه وأنه يعاقبه على تركها ويصبر على القتل ولا يسجد لله سجدة من غير عذر له في ذلك هذا لا يفعله بشر قط بل ولا يضرب أحد ممن يقر بوجوب الصلاة إلا صلى لا ينتهي الأمر به إلى القتل وسبب ذلك أن القتل ضرر عظيم لا يصبر عليه الإنسان إلا لأمر عظيم مثل لزومه لدين يعتقد أنه إن فارقه هلك فيصبر عليه حتى يقتل وسواء كان الدين حقا أو باطلا أما مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطنا وظاهرا فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من احتمال القتل قط. ونظير هذا لو قيل: إن رجلا من أهل السنة قيل له: ترض عن أبي بكر وعمر فامتنع عن ذلك حتى قتل مع محبته لهما واعتقاده فضلهما ومع عدم الأعذار المانعة من الترضي عنهما فهذا لا يقع قط. وكذلك لو قيل: إن رجلا يشهد أن محمدا رسول الله باطنا وظاهرا وقد طلب منه ذلك وليس هناك رهبة ولا رغبة يمتنع لأجلها فامتنع منها حتى قتل فهذا يمتنع أن يكون في الباطن يشهد أن محمدا رسول الله ; ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين إلا الجهمية - جهما ومن وافقه - فإنه إذا قدر أنه معذور لكونه أخرس أو لكونه خائفا من قوم إن أظهر الإسلام آذوه ونحو ذلك فهذا يمكن أن لا يتكلم مع إيمان في قلبه كالمكره على كلمة الكفر. قال الله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم ومن اتبعه فإنه جعل كل من تكلم بالكفر من أهل وعيد الكفار إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. فإن قيل: فقد قال تعالى: {ولكن من شرح بالكفر صدرا} قيل: وهذا موافق لأولها فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا وإلا ناقض أول الآية آخرها ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره وذلك يكون بلا إكراه لم يستثن المكره فقط بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعا فقد شرح بها صدرا وهي كفر وقد دل على ذلك قوله تعالى: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون} {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين}. فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له بل كنا نخوض ونلعب وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام. والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه كقوله تعالى. {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون} {وإن يكن لهمالحق يأتوا إليه مذعنين} إلى قوله: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا ; فبين أن هذا من لوازم الإيمان. فصل (ص222) فإن قيل: فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان فيلزم تكفير أهل الذنوب كما تقوله الخوارج أو تخليدهم في النار وسلبهم اسم الإيمان بالكلية كما تقوله المعتزلة وكلا هذين القولين شر من قول المرجئة فإن المرجئة منهم جماعة من العلماء والعباد المذكورين عند الأمة بخير وأما الخوارج والمعتزلة فأهل السنة والجماعة من جميع الطوائف مطبقون على ذمهم. قيل: أولا ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار ; فإن هذا القول من البدع المشهورة وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان ; وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان واتفقوا أيضا على أن نبينا صلى الله عليه وسلم يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته. ففي ' الصحيحين ' عنه أنه قال: ' {لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة} ' وهذه الأحاديث مذكورة في مواضعها. وقد نقل بعض الناس عن الصحابة في ذلك خلافا كما روي عن ابن عباس أن القاتل لا توبة له وهذا غلط على الصحابة ; فإنه لم يقل أحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأهل الكبائر ولا قال: إنهم يخلدون في النار ولكن ابن عباس في إحدى الروايتين عنه قال: إن القاتل لا توبة له وعن أحمد بن حنبل في قبول توبة القاتل روايتان أيضا والنزاع في التوبة غير النزاع في التخليد وذلك أن القتل يتعلق به حق آدمي فلهذا حصل فيه النزاع.. وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله فهذا ممنوع وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء. ثم قالت ' الخوارج والمعتزلة ': هو مجموع ما أمر الله به ورسوله وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث ; قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار وقالت ' المرجئة ' على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه ; كقوله: ' {يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان} '. ولهذا كان ' أهل السنة والحديث ' على أنه يتفاضل وجمهورهم يقولون: يزيد وينقص ومنهم من يقول: يزيد ولا يقول: ينقص كما روي عن مالك في إحدى الروايتين ومنهم من يقول: يتفاضل كعبد الله بن المبارك وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة ولم يعرف فيه مخالف من الصحابة ; فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة: عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر عن جده عمير بن حبيب الخطمي ; وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان يزيد وينقص ; قيل له: وما زيادته وما نقصانه ؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته ; وإذا غفلنا ونسينا فتلك نقصانه. وروى إسماعيل بن عياش عن جرير بن عثمان عن الحارث بن محمد عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزيد وينقص. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد حدثنا جرير بن عثمان قال: سمعت أشياخنا أو بعض أشياخنا أن أبا الدرداء قال: إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص معه ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد الإيمان أم ينقص ؟ وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه. وروى إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي عن أبي هريرة قال: الإيمان يزيد وينقص. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن طلحة عن زبيد عن ذر قال كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانا فيذكرون الله عز وجل وقال أبو عبيد في ' الغريب ' في حديث علي: إن الإيمان يبدو لمظة في القلب وكلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة يروى ذلك عن عثمان بن عبد الله عن عمرو بن هند الجملي عن علي قال الأصمعي اللمظة: مثل النكتة أو نحوها. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع عن شريك عن هلال عن عبد الله بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها. وروى سفيان الثوري عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال: كان معاذ بن جبل يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن نذكر الله تعالى وروى أبو اليمان: حدثنا صفوان عن شريح بن عبيد أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: قم بنا نؤمن ساعة فنحن في مجلس ذكر. وهذه الزيادة أثبتها الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن كله. وصح عن عمار بن ياسر أنه قال: ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان الإنصاف من نفسه والإنفاق من الإقتار ; وبذل السلام للعالم ذكره البخاري في ' صحيحه ' وقال جندب بن عبد الله وابن عمر وغيرهما: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا والآثار في هذا كثيرة رواها المصنفون في هذا الباب عن الصحابة والتابعين في كتب كثيرة معروفة. قال مالك بن دينار: الإيمان يبدو في القلب ضعيفا ضئيلا كالبقلة ; فإن صاحبه تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة وأماط عنه الدغل وما يضعفه ويوهنه أوشك أن ينمو أو يزداد ويصير له أصل وفروع وثمرة وظل إلى ما لا يتناهى حتى يصير أمثال الجبال. وإن صاحبه أهمله ولم يتعاهده جاءه عنز فنتفتها أو صبي فذهب بها وأكثر عليها الدغل فأضعفها أو أهلكها أو أيبسها كذلك الإيمان وقال خيثمة بن عبد الرحمن: الإيمان يسمن في الخصب ويهزل في الجدب فخصبه العمل الصالح وجدبه الذنوب والمعاصي. وقيل لبعض السلف: يزداد الإيمان وينقص ؟ قال نعم يزداد حتى يصير أمثال الجبال وينقص حتى يصير أمثال الهباء. وفي حديث حذيفة الصحيح: ' {حتى يقال للرجل: ما أجلده ما أظرفه ما أعقله ; وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان} ' وفي حديثه الآخر الصحيح ' {تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء ; وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود: مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب هواه} ' ; وفي حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب كفاية فإنه من أعظم الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه لأنه وصفهم بقوة الإيمان وزيادته في تلك الخصال التي تدل على قوة إيمانهم ; وتوكلهم على الله في أمورهم كلها. وروى أبو نعيم من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن عبد الله اليزني {عن أبي رافع أنه سمع رجلا حدثه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: أتحب أن أخبرك بصريح الإيمان ؟ قال: نعم. قال: إذا أسأت أو ظلمت أحدا عبدك أو أمتك أو أحدا من الناس حزنت وساءك ذلك. وإذا تصدقت أو أحسنت استبشرت وسرك ذلك} ورواه بعضهم عن يزيد عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله عن زيادة الإيمان في القلب ونقصانه فذكر نحوه وقال البزار: حدثنا محمد بن أبي الحسن البصري ثنا هانئ بن المتوكل ثنا عبد الله بن سليمان عن إسحاق عن أنس مرفوعا: {ثلاث من كن فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان خلق يعيش به في الناس وورع يحجزه عن معصية الله وحلم يرد به جهل الجاهل} '. و ' {أربع من الشقاء: جمود العين وقساوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا} '. فالخصال الأولى تدل على زيادة الإيمان وقوته والأربعة الأخر تدل على ضعفه ونقصانه. وقال أبو يعلى الموصلي: ثنا عبد الله القواريري ويحيى بن سعيد قالا: ثنا يزيد بن زريع ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا عوف حدثني عقبة بن عبد الله المزني {قال يزيد في حديثه في مسجد البصرة: حدثني رجل قد سماه ونسي عوف اسمه قال: كنت بالمدينة في مسجد فيه عمر بن الخطاب. فقال لبعض جلسائه: كيف سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الإسلام ؟ فقال: سمعته يقول: الإسلام بدأ جذعا ; ثم ثنيا ; ثم رباعيا ; ثم سداسيا ; ثم بازلا. فقال عمر: فما بعد البزول إلا النقصان} كذا ذكره أبو يعلى في ' مسند عمر ' وفي ' مسند ' هذا الصحابي المبهم ذكره أولى: قال أبو سليمان: من أحسن في ليله كوفئ في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله ]. والزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات ; كقوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} وهذه زيادة إذا تليت عليهم الآيات أي وقت تليت ليس هو تصديقهم بها عند النزول وهذا أمر يجده المؤمن إذا تليت عليه الآيات زاد في قلبه بفهم القرآن ومعرفة معانيه من علم الإيمان ما لم يكن ; حتى كأنه لم يسمع الآية إلا حينئذ ويحصل في قلبه من الرغبة في الخير والرهبة من الشر ما لم يكن ; فزاد علمه بالله ومحبته لطاعته وهذه زيادة الإيمان وقال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} فهذه الزيادة عند تخويفهم بالعدو لم تكن عند آية نزلت فازدادوا يقينا وتوكلا على الله وثباتا على الجهاد وتوحيدا بأن لا يخافوا المخلوق ; بل يخافون الخالق وحده وقال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم}. وهذه ' الزيادة ' ليست مجرد التصديق بأن الله أنزلها بل زادتهم إيمانا بحسب مقتضاها ; فإن كانت أمرا بالجهاد أو غيره ازدادوا رغبة وإن كانت نهيا عن شيء انتهوا عنه فكرهوه ولهذا قال: {وهم يستبشرون} والاستبشار غير مجرد التصديق وقال تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه} والفرح بذلك من زيادة الإيمان قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا}. وقال تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون} {بنصر الله} وقال تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا}. وقال: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} وهذه نزلت لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الحديبية ; فجعل السكينة موجبة لزيادة الإيمان. والسكينة طمأنينة في القلب غير علم القلب وتصديقه ولهذا قال يوم حنين: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} وقال تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها} ولم يكن قد نزل يوم حنين قرآن ولا يوم الغار ; وإنما أنزل سكينته وطمأنينته من خوف العدو فلما أنزل السكينة في قلوبهم مرجعهم من الحديبية ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم دل على أن الإيمان المزيد حال للقلب وصفة له وعمل مثل طمأنينته وسكونه ويقينه واليقين قد يكون بالعمل والطمأنينة كما يكون بالعلم والريب المنافي لليقين يكون ريبا في العلم وريبا في طمأنينة القلب ولهذا جاء في الدعاء المأثور: ' {اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا} '. وفي حديث الصديق الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ' {سلوا الله العافية واليقين ; فما أعطي أحد بعد اليقين شيئا خيرا من العافية ; فسلوهما الله تعالى} ' ; فاليقين عند المصائب بعد العلم بأن الله قدرها سكينة القلب وطمأنينته وتسليمه وهذا من تمام الإيمان بالقدر خيره وشره كما قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قال علقمة: ويروى عن ابن مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم وقوله تعالى: {يهد قلبه} هداه لقلبه هو زيادة في إيمانه ; كما قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى} وقال: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى}. ولفظ ' الإيمان ' أكثر ما يذكر في القرآن مقيدا ; فلا يكون ذلك اللفظ متناولا لجميع ما أمر الله به ; بل يجعل موجبا للوازمه وتمام ما أمر به وحينئذ يتناوله الاسم المطلق قال تعالى: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين} {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} وقال تعالى في آخر السورة: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم}. وقد قال بعض المفسرين في الآية الأولى: إنها خطاب لقريش ; وفي الثانية إنها خطاب لليهود والنصارى وليس كذلك ; فإن الله لم يقل قط للكفار: {يا أيها الذين آمنوا} ثم قال بعد ذلك: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله} وهذه السورة مدنية باتفاق لم يخاطب بها المشركين بمكة ; وقد قال: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين} وهذا لا يخاطب به كافر ; وكفار مكة لم يكن أخذ ميثاقهم وإنما أخذ ميثاق المؤمنين ببيعتهم له ; فإن كل من كان مسلما مهاجرا كان يبايع النبي صلى الله عليه وسلم كما بايعه الأنصار ليلة العقبة وإنما دعاهم إلى تحقيق الإيمان وتكميله بأداء ما يجب من تمامه باطنا وظاهرا كما نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم في كل صلاة ; وإن كان قد هدى المؤمنين للإقرار بما جاء به الرسول جملة لكن الهداية المفصلة في جميع ما يقولونه ويفعلونه في جميع أمورهم لم تحصل وجميع هذه الهداية الخاصة المفصلة هي من الإيمان المأمور به. وبذلك يخرجهم الله من الظلمات إلى النور. فصل (ص232) وزيادة الإيمان الذي أمر الله به والذي يكون من عباده المؤمنين يعرف من وجوه: (أحدها): الإجمال والتفصيل فيما أمروا به فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان بالله ورسوله ووجب على كل أمة التزام ما يأمر به رسولهم مجملا فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله ولا يجب على كل عبد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه غيره فمن عرف القرآن والسنن ومعانيها لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لا يلزم غيره ولو آمن الرجل بالله وبالرسول باطنا وظاهرا ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين مات مؤمنا بما وجب عليه من الإيمان وليس ما وجب عليه ولا ما وقع عنه مثل إيمان من عرف الشرائع فآمن بها وعمل بها ; بل إيمان هذا أكمل وجوبا ووقوعا فإن ما وجب عليه من الإيمان أكمل وما وقع منه أكمل. وقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} أي في التشريع بالأمر والنهي ليس المراد أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة وأنه فعل ذلك ; بل في ' الصحيحين ' {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصف النساء بأنهن ناقصات عقل ودين} وجعل نقصان عقلها أن شهادة امرأتين شهادة رجل واحد ونقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي وهذا النقصان ليس هو نقص مما أمرت به ; فلا تعاقب على هذا النقصان لكن من أمر بالصلاة والصوم ففعله كان دينه كاملا بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين. (الوجه الثاني): الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم فمن آمن بما جاء به الرسول مطلقا فلم يكذبه قط لكن أعرض عن معرفة أمره ونهيه وخبره وطلب العلم الواجب عليه ; فلم يعلم الواجب عليه ولم يعمله ; بل اتبع هواه وآخر طلب علم ما أمر به فعمل به وآخر طلب علمه فعلمه وآمن به ولم يعمل به وإن اشتركوا في الوجوب لكن من طلب علم التفصيل وعمل به فإيمانه أكمل به ; فهؤلاء ممن عرف ما يجب عليه والتزمه وأقر به لكنه لم يعمل بذلك كله وهذا المقر بما جاء به الرسول المعترف بذنبه الخائف من عقوبة ربه على ترك العمل أكمل إيمانا ممن لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ولا عمل بذلك ; ولا هو خائف أن يعاقب ; بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه مقر بنبوته باطنا وظاهرا. فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه وما أمر به فالتزمه ; كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك ; وإن كان معه التزام عام وإقرار عام. وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها فآمن بها ; كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك الأسماء بل آمن بها إيمانا مجملا أو عرف بعضها ; وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله وصفاته وآياته كان إيمانه به أكمل. (الثالث): أن العلم والتصديق نفسه يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك والريب وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه ; كما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد مثل رؤية الناس للهلال وإن اشتركوا فيها فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض ; وكذلك سماع الصوت الواحد وشم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من الطعام فكذلك معرفة القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعددة والمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه يتفاضل الناس في معرفتها أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها. (الرابع) أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله ; فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به وإذا كان شخصان يعلمان أن الله حق ورسوله حق والجنة حق والنار حق وهذا علمه أوجب له محبة الله وخشيته والرغبة في الجنة والهرب من النار والآخر علمه لم يوجب ذلك ; فعلم الأول أكمل ; فإن قوة المسبب دل على قوة السبب وهذه الأمور نشأت عن العلم فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه ; والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه ; فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم ; ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ' {ليس الخبر كالمعاين} ' فإن موسى لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح. فلما رآهم قد عبدوه ألقاها ; وليس ذلك لشك موسى في خبر الله لكن المخبر وإن جزم بصدق المخبر فقد لا يتصور المخبر به في نفسه كما يتصوره إذا عاينه ; بل يكون قلبه مشغولا عن تصور المخبر به وإن كان مصدقا به. ومعلوم أنه عند المعاينة يحصل له من تصور المخبر به ما لم يكن عند المخبر فهذا التصديق أكمل من ذلك التصديق. (الخامس): أن أعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله وخشية الله تعالى ورجائه ونحو ذلك هي كلها من الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف ; وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلا عظيما. (السادس): أن الأعمال الظاهرة مع الباطنة هي أيضا من الإيمان والناس يتفاضلون فيها. (السابع) ذكر الإنسان بقلبه ما أمره الله به واستحضاره لذلك بحيث لا يكون غافلا عنه ; أكمل ممن صدق به وغفل عنه ; فإن الغفلة تضاد كمال العلم ; والتصديق والذكر والاستحضار يكمل العلم واليقين ; ولهذا قال عمير بن حبيب من الصحابة إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته ; وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه وهو كذلك ; وكان معاذ بن جبل يقول لأصحابه: اجلسوا بنا ساعة نؤمن قال تعالى {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} وقال تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} وقال تعالى: {سيذكر من يخشى} {ويتجنبها الأشقى} ثم كلما تذكر الإنسان ما عرفه قبل ذلك ; وعمل به حصل له معرفة شيء آخر لم يكن عرفه قبل ذلك وعرف من معاني أسماء الله وآياته ما لم يكن عرفه قبل ذلك كما في الأثر ' {من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم} ' وهذا أمر يجده في نفسه كل مؤمن. وفي ' الصحيح ' عن النبي صلى الله عليه وسلم: ' {مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت} '. قال تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} وذلك أنها تزيدهم علم ما لم يكونوا قبل ذلك علموه وتزيدهم عملا بذلك العلم وتزيدهم تذكرا لما كانوا نسوه وعملا بتلك التذكرة وكذلك ما يشاهده العباد من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم. قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} أي إن القرآن حق ثم قال تعالى: {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد}. فإن الله شهيد في القرآن بما أخبر به ; فآمن به المؤمن ثم أراهم في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات ما يدل على مثل ما أخبر به في القرآن فبينت لهم هذه الآيات أن القرآن حق مع ما كان قد حصل لهم