كتاب الإيمان الكبير الصفحة 3 من 7

بواسطة: الشيخ ابن تيمية

فصل (ص53) ومن هذا الباب لفظ ' الكفر ' و ' النفاق ' فالكفر إذا ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون كقوله: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين}. وقوله: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا}. وقوله: {لا يصلاها إلا الأشقى} {الذي كذب وتولى} وقوله: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} وقوله: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين}. وقوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين}. وقوله: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} {وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} وقوله: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية}. وأمثال هذه النصوص كثير في القرآن. فهذه كلها يدخل فيها ' المنافقون ' الذين هم في الباطن كفار ليس معهم من الإيمان شيء كما يدخل فيها ' الكفار ' المظهرون للكفر ; بل المنافقون في الدرك الأسفل من النار كما أخبر الله بذلك في كتابه. ثم قد يقرن ' الكفر بالنفاق ' في مواضع ; ففي أول البقرة ذكر أربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة آية في صفة المنافقين فقال تعالى: {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} وقال: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا} إلى قوله: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير}. وقال: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم}. في سورتين وقال: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا}. الآية. وكذلك لفظ ' المشركين ' قد يقرن بأهل الكتاب فقط وقد يقرن بالملل الخمس ; كما في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد}. و (الأول) كقوله: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة}. وقوله: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية}. وقوله تعالى: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ}. وليس أحد بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلا من الذين أوتوا الكتاب أو الأميين ، وكل أمة لم تكن من الذين أوتوا الكتاب فهم من الأميين ; كالأميين من العرب ومن الخزر والصقالبة والهند والسودان وغيرهم من الأمم الذين لا كتاب لهم فهؤلاء كلهم أميون ، والرسول مبعوث إليهم كما بعث إلى الأميين من العرب. وقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب} - وهو إنما يخاطب الموجودين في زمانه بعد النسخ والتبديل - يدل على أن من دان بدين اليهود والنصارى فهو من الذين أوتوا الكتاب لا يختص هذا اللفظ بمن كانوا متمسكين به قبل النسخ والتبديل ولا فرق بين أولادهم وأولاد غيرهم ; فإن أولادهم إذا كانوا بعد النسخ والتبديل ممن أوتوا الكتاب فكذلك غيرهم إذا كانوا كلهم كفارا وقد جعلهم الذين أوتوا الكتاب بقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب} وهو لا يخاطب بذلك إلا من بلغته رسالته ; لا من مات ; فدل ذلك على أن قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب} يتناول هؤلاء كلهم كما هو مذهب الجمهور من السلف والخلف وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته لم يختلف كلامه إلا في نصارى بني تغلب ، وآخر الروايتين عنه: أنهم تباح نساؤهم وذبائحهم ; كما هو قول جمهور الصحابة. وقوله في ' الرواية الأخرى ': لا تباح ; متابعة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يكن لأجل النسب ; بل لكونهم لم يدخلوا في دين أهل الكتاب إلا فيما يشتهونه من شرب الخمر ونحوه ولكن بعض التابعين ظن أن ذلك لأجل النسب كما نقل عن عطاء وقال به الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد وفرعوا على ذلك فروعا كمن كان أحد أبويه كتابيا والآخر ليس بكتابي ونحو ذلك حتى لا يوجد في طائفة من كتب أصحاب أحمد إلا هذا القول ; وهو خطأ على مذهبه مخالف لنصوصه لم يعلق الحكم بالنسب في مثل هذا ألبتة كما قد بسط في موضعه. ولفظ ' المشركين ' يذكر مفردا في مثل قوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} وهل يتناول أهل الكتاب ؟ فيه ' قولان ' مشهوران للسلف والخلف. والذين قالوا: بأنها تعم ; منهم من قال: هي محكمة كابن عمر والجمهور الذين يبيحون نكاح الكتابيات ; كما ذكره الله في آية المائدة وهي متأخرة عن هذه. ومنهم من يقول: نسخ منها تحريم نكاح الكتابيات. ومنهم من يقول: بل هو مخصوص لم يرد باللفظ العام ، وقد أنزل الله تعالى بعد صلح الحديبية قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر}. وهذا قد يقال: إنما نهى عن التمسك بالعصمة من كان متزوجا كافرة ولم يكونوا حينئذ متزوجين إلا بمشركة وثنية ; فلم يدخل في ذلك الكتابيات. فصل (ص57) وكذلك لفظ ' الصالح ' و ' الشهيد ' و ' الصديق ': يذكر مفردا ; فيتناول النبيين قال تعالى في حق الخليل: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين}. وقال: {وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين}. وقال الخليل: {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين}. وقال يوسف: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين}. وقال سليمان: {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق على صحته {لما كانوا يقولون في آخر صلاتهم: السلام على الله قبل عباده السلام على فلان فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة ; فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض}.. الحديث. وقد يذكر ' الصالح مع غيره ' كقوله تعالى: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين}. قال الزجاج وغيره: الصالح: القائم بحقوق الله وحقوق عباده. ولفظ ' الصالح ' خلاف الفاسد ; فإذا أطلق فهو الذي أصلح جميع أمره فلم يكن فيه شيء من الفساد فاستوت سريرته وعلانيته وأقواله وأعماله على ما يرضي ربه ; وهذا يتناول النبيين ومن دونهم. ولفظ ' الصديق ' قد جعل هنا معطوفا على النبيين ; وقد وصف به النبيين في مثل قوله: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} - {واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا}. وكذلك ' الشهيد ' قد جعل هنا قرين الصديق والصالح وقد قال: {وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق}. ولما قيدت الشهادة على الناس وصفت به الأمة كلها في قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}. فهذه شهادة مقيدة بالشهادة على الناس كالشهادة المذكورة في قوله: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء}. وقوله {واستشهدوا شهيدين من رجالكم}. وليست هذه الشهادة المطلقة في الآيتين بل ذلك كقوله: {ويتخذ منكم شهداء}. فصل (ص59) وكذلك لفظ ' المعصية ' و ' الفسوق ' و ' الكفر ': فإذا أطلقت المعصية لله ورسوله دخل فيها الكفر والفسوق كقوله: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا}. وقال تعالى: {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد}. فأطلق معصيتهم للرسل بأنهم عصوا هودا معصية تكذيب لجنس الرسل فكانت المعصية لجنس الرسل كمعصية من قال: {فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء}. ومعصية من كذب وتولى قال تعالى: {لا يصلاها إلا الأشقى} {الذي كذب وتولى} أي كذب بالخير وتولى عن طاعة الأمر ، وإنما على الخلق أن يصدقوا الرسل فيما أخبروا ويطيعوهم فيما أمروا. وكذلك قال في فرعون: {فكذب وعصى}. وقال عن جنس الكافر: {فلا صدق ولا صلى} {ولكن كذب وتولى}. فالتكذيب للخبر والتولي عن الأمر. وإنما الإيمان تصديق الرسل فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا ومنه قوله: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} {فعصى فرعون الرسول} ولفظ ' التولي ' بمعنى التولي عن الطاعة مذكور في مواضع من القرآن كقوله: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} وذمه في غير موضع من القرآن من تولى ; دليل على وجوب طاعة الله ورسوله وأن الأمر المطلق يقتضي وجوب الطاعة وذم المتولي عن الطاعة ; كما علق الذم بمطلق المعصية في مثل قوله: {فعصى فرعون الرسول}. وقد قيل: إن ' التأبيد ' لم يذكر في القرآن إلا في وعيد الكفار ; ولهذا قال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما}. وقال فيمن يجور في المواريث: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}. فهنا قيد المعصية بتعدي حدوده فلم يذكرها مطلقة ; وقال: {وعصى آدم ربه فغوى}. فهي معصية خاصة ; وقال تعالى: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} فأخبر عن معصية واقعة معينة وهي معصية الرماة للنبي صلى الله عليه وسلم ; حيث أمرهم بلزوم ثغرهم وإن رأوا المسلمين قد انتصروا فعصى من عصى منهم هذا الأمر وجعل أميرهم يأمرهم لما رأوا الكفار منهزمين وأقبل من أقبل منهم على المغانم. وكذلك قوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}. جعل ذلك ثلاث مراتب. وقد قال: {ولا يعصينك في معروف}. فقيد المعصية ولهذا فسرت بالنياحة قاله ابن عباس: وروي ذلك مرفوعا. وكذلك قال زيد بن أسلم لا يدعن ويلا ولا يخدشن وجها ولا ينشرن شعرا ولا يشققن ثوبا. وقد قال بعضهم: هو جميع ما يأمرهم به الرسول من شرائع الإسلام وأدلته كما قاله أبو سليمان الدمشقي ، ولفظ الآية عام أنهن لا يعصينه في معروف. ومعصيته لا تكون إلا في معروف ; فإنه لا يأمر بمنكر لكن هذا كما قيل: فيه دلالة على أن طاعة أولي الأمر إنما تلزم في المعروف كما ثبت في ' الصحيح ' عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنما الطاعة في المعروف} ونظير هذا قوله: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} وهو لا يدعو إلا إلى ذلك. والتقييد هنا لا مفهوم له ; فإنه لا يقع دعاء لغير ذلك. ولا أمر بغير معروف وهذا كقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا}. فإنهن إذا لم يردن تحصنا ; امتنع الإكراه. ولكن في هذا بيان الوصف المناسب للحكم ومنه قوله تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون}. وقوله: {ويقتلون النبيين بغير الحق}. فالتقييد في جميع هذا للبيان والإيضاح لا لإخراج في وصف آخر ; ولهذا يقول من يقول من النحاة: الصفات في المعارف للتوضيح لا للتخصيص وفي النكرات للتخصيص يعني في المعارف التي لا تحتاج إلى تخصيص كقوله: {سبح اسم ربك الأعلى} {الذي خلق فسوى}. وقوله: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل}. وقوله: {الحمد لله رب العالمين} {الرحمن الرحيم}. والصفات في النكرات إذا تميزت تكون للتوضيح أيضا ومع هذا فقد عطف المعصية على الكفر والفسوق في قوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}. ومعلوم أن الفاسق عاص أيضا. فصل (ص62) ومن هذا الباب ' ظلم النفس ': فإنه إذا أطلق تناول جميع الذنوب فإنها ظلم العبد نفسه قال تعالى: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد} {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب}. وقال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم}. وقال في قتل النفس: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي}. وقالت بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين}. وقال آدم عليه السلام: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}. ثم قد يقرن ببعض الذنوب كقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم}. وقوله: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما}. وأما لفظ ' الظلم المطلق ' فيدخل فيه الكفر وسائر الذنوب قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} {من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} {وقفوهم إنهم مسئولون}. قال عمر بن الخطاب: ونظراؤهم. وهذا ثابت عن عمر وروي ذلك عنه مرفوعا. وكذلك قال ابن عباس: وأشباههم. وكذلك قال قتادة والكلبي: كل من عمل بمثل عملهم ; فأهل الخمر مع أهل الخمر وأهل الزنا مع أهل الزنا. وعن الضحاك ومقاتل: قرناؤهم من الشياطين ; كل كافر معه شيطانه في سلسلة وهذا كقوله: {وإذا النفوس زوجت}. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الفاجر مع الفاجر والصالح مع الصالح. قال ابن عباس: وذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة. وقال الحسن وقتادة: ألحق كل امرئ بشيعته ; اليهودي مع اليهود والنصراني مع النصارى. وقال الربيع بن خيثم: يحشر المرء مع صاحب عمله وهذا كما ثبت في ' الصحيح ' {عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم قال: المرء مع من أحب}. وقال: {الأرواح جنود مجندة ; فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف}. وقال: {المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل}. وزوج الشيء نظيره وسمي الصنف زوجا ; لتشابه أفراده كقوله: {فأنبتنا فيها من كل زوج كريم}. وقال: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}. قال غير واحد من المفسرين: صنفين ونوعين مختلفين: السماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار ; والبر والبحر والسهل والجبل والشتاء والصيف والجن والإنس ; والكفر والإيمان والسعادة والشقاوة والحق والباطل والذكر والأنثى والنور والظلمة والحلو والمر وأشباه ذلك {لعلكم تذكرون} فتعلمون أن خالق الأزواج واحد. وليس المراد أنه يحشر معهم زوجاتهم مطلقا ; فإن المرأة الصالحة قد يكون زوجها فاجرا ; بل كافرا كامرأة فرعون. وكذلك الرجل الصالح قد تكون امرأته فاجرة بل كافرة كامرأة نوح ولوط. لكن إذا كانت المرأة على دين زوجها ; دخلت في عموم الأزواج ولهذا قال الحسن البصري: وأزواجهم المشركات. فلا ريب أن هذه الآية تناولت الكفار كما دل عليه سياق الآية. وقد تقدم كلام المفسرين: أنه يدخل فيها الزناة مع الزناة ، وأهل الخمر مع أهل الخمر. وكذلك الأثر المروي: {إذا كان يوم القيامة قيل: أين الظلمة وأعوانهم ؟ - أو قال: وأشباههم - فيجمعون في توابيت من نار ثم يقذف بهم في النار}. وقد قال غير واحد من السلف: أعوان الظلمة من أعانهم ولو أنه لاق لهم دواة أو برى لهم قلما ومنهم من كان يقول: بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم. وأعوانهم: هم من أزواجهم المذكورين في الآية. فإن المعين على البر والتقوى من أهل ذلك ، والمعين على الإثم والعدوان من أهل ذلك. قال تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} والشافع الذي يعين غيره فيصير معه شفعا بعد أن كان وترا ; ولهذا فسرت ' الشفاعة الحسنة ' بإعانة المؤمنين على الجهاد و ' الشفاعة السيئة ' بإعانة الكفار على قتال المؤمنين كما ذكر ذلك ابن جرير وأبو سليمان. وفسرت ' الشفاعة الحسنة ' بشفاعة الإنسان للإنسان ليجتلب له نفعا أو يخلصه من بلاء كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد ; فالشفاعة الحسنة إعانة على خير يحبه الله ورسوله ; من نفع من يستحق النفع ودفع الضر عمن يستحق دفع الضرر عنه. و ' الشفاعة السيئة ' إعانته على ما يكرهه الله ورسوله كالشفاعة التي فيها ظلم الإنسان أو منع الإحسان الذي يستحقه. وفسرت الشفاعة الحسنة بالدعاء للمؤمنين والسيئة بالدعاء عليهم ، وفسرت الشفاعة الحسنة بالإصلاح بين اثنين وكل هذا صحيح. فالشافع زوج المشفوع له إذ المشفوع عنده من الخلق إما أن يعينه على بر وتقوى وإما أن يعينه على إثم وعدوان. وكان {النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة قال لأصحابه: اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء}. وتمام الكلام يبين أن الآية - وإن تناولت الظالم الذي ظلم بكفره - فهي أيضا متناولة ما دون ذلك وإن قيل فيها: {وما كانوا يعبدون} فقد ثبت في ' الصحيح ' عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش}. وثبت عنه في ' الصحيح ' أنه قال: {ما من صاحب كنز إلا جعل له كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يأخذ بلهزمته أنا مالك أنا كنزك. وفي لفظ: إلا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع يفر منه وهو يتبعه حتى يطوقه في عنقه وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة}}. وفي حديث آخر: {مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه: هذا مالك الذي كنت تبخل به فإذا رأى أنه لا بد له منه أدخل يده في فيه فيقضمها كما يقضم الفحل}. وفي رواية: {فلا يزال يتبعه فيلقمه يده فيقضمها ثم يلقمه سائر جسده}. وقد قال تعالى في الآية الأخرى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} {يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} وقد ثبت في ' الصحيح ' وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليها في نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جبينه وجنباه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار}. وفي حديث أبي ذر: {بشر الكانزين برضف يحمى عليها في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه ، ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل وتكوي الجباه والجنوب والظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم}. وهذا كما في القرآن ويدل على أنه بعد دخول النار فيكون هذا لمن دخل النار ممن فعل به ذلك أولا في الموقف. فهذا الظالم لما منع الزكاة يحشر مع أشباهه وماله الذي صار عبدا له من دون الله فيعذب به وإن لم يكن هذا من أهل الشرك الأكبر الذين يخلدون في النار. ولهذا قال في آخر الحديث: {ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار}. فهذا بعد تعذيبه خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يدخل الجنة. وقد {قال النبي صلى الله عليه وسلم: الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل} قال ابن عباس وأصحابه: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. وكذلك قال أهل السنة كأحمد بن حنبل وغيره كما سنذكره - إن شاء الله - وقد قال الله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}. وفي حديث {عدي بن حاتم - وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما - وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية قال: فقلت له إنا لسنا نعبدهم ; قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه قال: فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم} وكذلك قال أبو البختري: أما إنهم لم يصلوا لهم ، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله ; فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية. وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل ؟ قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء ; فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال لا أنهم صلوا لهم وصاموا لهم ودعوهم من دون الله فهذه عبادة للرجال وتلك عبادة للأموال وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الله أن ذلك شرك بقوله: {لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}. فهذا من الظلم الذي يدخل في قوله: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} {من دون الله}. فإن هؤلاء والذين أمروهم بهذا هم جميعا معذبون وقال: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون}. وإنما يخرج من هذا من عبد مع كراهته لأن يعبد ويطاع في معصية الله. فهم الذين سبقت لهم الحسنى كالمسيح والعزير وغيرهما فأولئك (مبعدون). وأما من رضي بأن يعبد ويطاع في معصية الله فهو مستحق للوعيد ولو لم يأمر بذلك فكيف إذا أمر وكذلك من أمر غيره بأن يعبد غير الله وهذا من ' أزواجهم ' فإن ' أزواجهم ' قد يكونون رؤساء لهم وقد يكونون أتباعا وهم أزواج وأشباه لتشابههم في الدين ، وسياق الآية يدل على ذلك فإنه سبحانه قال: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} {من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} قال ابن عباس: دلوهم. وقال الضحاك مثله. وقال ابن كيسان: قدموهم. والمعنى: قودوهم كما يقود الهادي لمن يهديه ، ولهذا تسمى الأعناق الهوادي لأنها تقود سائر البدن ، وتسمى أوائل الوحش الهوادي. {وقفوهم إنهم مسئولون} {ما لكم لا تناصرون}. أي: كما كنتم تتناصرون في الدنيا على الباطل. {بل هم اليوم مستسلمون} {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} {قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} {قالوا بل لم تكونوا مؤمنين} {وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين} {فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون} {فأغويناكم إنا كنا غاوين} {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون} {إنا كذلك نفعل بالمجرمين} {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} {ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون}. وقال تعالى: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون}. وقال تعالى: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} {قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد}. وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين} {قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين} {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون}. وقوله في سياق الآية: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} ولا ريب أنها تتناول ' الشركين ': الأصغر والأكبر وتتناول أيضا من استكبر عما أمره الله به من طاعته ; فإن ذلك من تحقيق قول لا إله إلا الله ; فإن الإله هو المستحق للعبادة فكل ما يعبد به الله فهو من تمام تأله العباد له فمن استكبر عن بعض عبادته سامعا مطيعا في ذلك لغيره ; لم يحقق قول: لا إله إلا الله في هذا المقام. وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين: (أحدهما): أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركا - وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم - فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله ; مشركا مثل هؤلاء. و (الثاني): أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتا لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص ; فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في ' الصحيح ' عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنما الطاعة في المعروف} وقال: {على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية}. وقال: {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق}. وقال: {من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه}. ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسول لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر وقد اتقى الله ما استطاع ; فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله لا سيما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول ; فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه. ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال وإن كان عاجزا عن إظهار الحق الذي يعلمه ; فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق ; لا يؤاخذ بما عجز عنه وهؤلاء كالنجاشي وغيره. وقد أنزل الله في هؤلاء آيات من كتابه كقوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم}. وقوله: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}. وقوله: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق}. وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزا عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد ; فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة. وأما إن قلد شخصا دون نظيره بمجرد هواه ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق ; فهذا من أهل الجاهلية. وإن كان متبوعه مصيبا ; لم يكن عمله صالحا. وإن كان متبوعه مخطئا ; كان آثما. كمن قال في القرآن برأيه ; فإن أصاب فقد أخطأ وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة فإن ذلك لما أحب المال حبا منعه عن عبادة الله وطاعته صار عبدا له. وكذلك هؤلاء ; فيكون فيه شرك أصغر ولهم من الوعيد بحسب ذلك. وفي الحديث: {إن يسير الرياء شرك}. وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير من الذنوب. (والمقصود هنا) أن الظلم المطلق يتناول الكفر ولا يختص بالكفر ; بل يتناول ما دونه أيضا وكل بحسبه كلفظ ' الذنب ' و ' الخطيئة ' ' والمعصية '. فإن هذا يتناول الكفر والفسوق والعصيان كما في ' الصحيحين ' عن {عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أي ؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي ؟ قال: ثم أن تزاني بحليلة جارك فأنزل الله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا}.} فهذا الوعيد بتمامه على الثلاثة ولكل عمل قسط منه ; فلو أشرك ولم يقتل ولم يزن ; كان عذابه دون ذلك. ولو زنى وقتل ولم يشرك ; كان له من هذا العذاب نصيب كما في قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما}. ولم يذكر: (أبدا). وقد قيل: إن لفظ ' التأبيد ' لم يجئ إلا مع الكفر وقال الله تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} {يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا}. فلا ريب أن هذا يتناول الكافر الذي لم يؤمن بالرسول. وسبب نزول الآية كان في ذلك فإن ' الظلم المطلق ' يتناول ذلك ويتناول ما دونه بحسبه. فمن خال مخلوقا في خلاف أمر الله ورسوله ; كان له من هذا الوعيد نصيب كما قال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}. وقال تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب}. قال الفضيل بن عياض: حدثنا الليث عن مجاهد: هي المودات التي كانت بينهم لغير الله. فإن ' المخالة ' تحاب وتواد ; ولهذا قال: {المرء على دين خليله} فإن المتحابين يحب أحدهما ما يحب الآخر بحسب الحب فإذا اتبع أحدهما صاحبه على محبته ما يبغضه الله ورسوله ; نقص من دينهما بحسب ذلك إلى أن ينتهي إلى الشرك الأكبر قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله}. والذين قدموا محبة المال الذي كنزوه والمخلوق الذي اتبعوه على محبة الله ورسوله كان فيهم من الظلم والشرك بحسب ذلك فلهذا ألزمهم محبوبهم كما في الحديث يقول الله تعالى: {أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولاه في الدنيا}. وقد ثبت في ' الصحيح ' يقول: {ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ; فمن كان يعبد الشمس الشمس ومن كان يعبد القمر القمر ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت ويمثل للنصارى المسيح ولليهود عزير. فيتبع كل قوم ما كانوا يعبدون وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها} كما سيأتي هذا الحديث - إن شاء الله - فهؤلاء ' أهل الشرك الأكبر '. وأما ' عبيد المال ' الذين كنزوه وعبيد الرجال الذين أطاعوهم في معاصي الله فأولئك يعذبون عذابا دون عذاب أولئك المشركين ; إما في عرصات القيامة وإما في جهنم ومن أحب شيئا دون الله عذب به. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون}. ' فالكفر المطلق ' هو الظلم المطلق ; ولهذا لا شفيع لأهله يوم القيامة كما نفى الشفاعة في هذه الآية وفي قوله: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}. وقال: {فكبكبوا فيها هم والغاوون} {وجنود إبليس أجمعون} {قالوا وهم فيها يختصمون} {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} {إذ نسويكم برب العالمين} {وما أضلنا إلا المجرمون} {فما لنا من شافعين} {ولا صديق حميم} {فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين}. وقوله: {إذ نسويكم} لم يريدوا به أنهم جعلوهم مساوين لله من كل وجه ; فإن هذا لم يقله أحد من بني آدم ولا نقل عن قوم قط من الكفار أنهم قالوا: إن هذا العالم له خالقان متماثلان حتى المجوس القائلين ' بالأصلين: النور والظلمة ' متفقون على أن ' النور ' خير يستحق أن يعبد ويحمد وأن ' الظلمة ' شريرة تستحق أن تذم وتلعن واختلفوا هل الظلمة محدثة أو قديمة ؟ على قولين وبكل حال لم يجعلوها مثل النور من كل وجه. وكذلك ' مشركو العرب ' كانوا متفقين على أن أربابهم لم تشارك الله في خلق السموات والأرض ; بل كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض وما بينهما كما أخبر الله عنهم بذلك في غير آية كقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون} {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم} {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون}. وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} {الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون} {والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون} {والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون}. وهذه الصفات من كلام الله تعالى ; ليست من تمام جوابهم. وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} {سيقولون لله} الآيات. وقال تعالى {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين} {بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون}. وكذلك قوله: {آلله خير أم ما يشركون} {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} {أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله}. أي: أإله مع الله فعل هذا ؟ وهذا استفهام إنكار وهم مقرون بأنه لم يفعل هذا إله آخر مع الله. ومن قال من المفسرين إن المراد: هل مع الله إله آخر ؟ فقد غلط ; فإنهم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى كما قال تعالى: {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد}. وقال تعالى: {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء}. وقال تعالى عنهم: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب}. وكانوا معترفين بأن آلهتهم لم تشارك الله في خلق السموات والأرض ولا خلق شيء ; بل كانوا يتخذونهم شفعاء ووسائط كما قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله}. وقال عن صاحب يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون}. وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع}. وقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون}. وقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} فنفى عما سواه كل ما يتعلق به المشركون فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط من الملك أو يكون عونا لله ولم يبق إلا الشفاعة ; فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال تعالى عن الملائكة: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}. وقال: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى}. فهذه ' الشفاعة ' التي يظنها المشركون ; هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن. وأما ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون. فأخبر: {أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا. فإذا سجد وحمد ربه بمحامد يفتحها عليه ; يقال له: أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع. فيقول: أي رب أمتي فيحد له حدا فيدخلهم الجنة. وكذلك في الثانية وكذلك في الثالثة وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه}. فتلك ' الشفاعة ' هي لأهل الإخلاص بإذن الله ليست لمن أشرك بالله ولا تكون إلا بإذن الله. وحقيقته أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافع الذي أذن له أن يشفع ليكرمه بذلك وينال به المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون صلى الله عليه وسلم كما كان في الدنيا يستسقي لهم ويدعو لهم وتلك شفاعة منه لهم فكان الله يجيب دعاءه وشفاعته. وإذا كان كذلك ' فالظلم ثلاثة أنواع ': فالظلم الذي هو شرك لا شفاعة فيه. وظلم الناس بعضهم بعضا لا بد فيه من إعطاء المظلوم حقه ; لا يسقط حق المظلوم لا بشفاعة ولا غيرها ولكن قد يعطى المظلوم من الظالم كما قد يغفر لظالم نفسه بالشفاعة. فالظالم المطلق ما له من شفيع مطاع وأما الموحد فلم يكن ظالما مطلقا بل هو موحد مع ظلمه لنفسه. وهذا إنما نفعه في الحقيقة إخلاصه لله فبه صار من أهل الشفاعة. ومقصود القرآن ينفي الشفاعة نفي الشرك وهو: أن أحدا لا يعبد إلا الله ولا يدعو غيره ولا يسأل غيره ولا يتوكل على غيره لا في شفاعة ولا غيرها ; فليس له أن يتوكل على أحد في أن يرزقه وإن كان الله يأتيه برزقه بأسباب. كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة وإن كان الله يغفر له ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها فالشفاعة التي نفاها القرآن مطلقا ; ما كان فيها شرك وتلك منتفية مطلقا ; ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع وتلك قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص فهي من التوحيد ، ومستحقها أهل التوحيد. وأما ' الظلم المقيد ' فقد يختص بظلم الإنسان نفسه وظلم الناس بعضهم بعضا كقول آدم عليه السلام وحواء: {ربنا ظلمنا أنفسنا}. وقول موسى: {رب إني ظلمت نفسي}. وقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}. لكن قول آدم وموسى إخبار عن واقع لا عموم فيه وذلك قد عرف ولله الحمد أنه ليس كفرا. وأما قوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} فهو نكرة في سياق الشرط يعم كل ما فيه ظلم الإنسان نفسه ; وهو إذا أشرك ثم تاب تاب الله عليه. وقد تقدم أن ظلم الإنسان لنفسه يدخل فيه كل ذنب كبير أو صغير مع الإطلاق وقال تعالى {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات}. فهذا ظلم لنفسه مقرون بغيره ; فلا يدخل فيه الشرك الأكبر. وفي ' الصحيحين ' {عن ابن مسعود أنه لما أنزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هو الشرك ; ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم}}. والذين شق ذلك عليهم ظنوا: أن الظلم المشروط هو ظلم العبد نفسه وأنه لا يكون الأمن والاهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه ; فشق ذلك عليهم فبين النبي صلى الله عليه وسلم لهم ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله تعالى. وحينئذ فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بهذا الظلم ; ومن لم يلبس إيمانه به كان من أهل الأمن والاهتداء. كما كان من أهل الاصطفاء في قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} إلى قوله {جنات عدن يدخلونها}. وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلم نفسه إذا لم يتب كما قال تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}. وقال تعالى: {من يعمل سوءا يجز به}. وقد {سأل أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءا ؟ فقال: يا أبا بكر ألست تنصب ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء ؟ فذلك ما تجزون به} فبين أن المؤمن الذي إذا تاب دخل الجنة قد يجزى بسيئاته في الدنيا بالمصائب التي تصيبه كما في ' الصحيحين ' عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تقومها تارة وتميلها أخرى ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة}. وفي ' الصحيحين ' عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه} وفي حديث {سعد بن أبي وقاص قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ; يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة ; خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة} رواه أحمد والترمذي وغيرهما. وقال: {المرض حطة يحط الخطايا عن صاحبه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها} والأحاديث في هذا الباب كثيرة. فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة ; كان له الأمن التام والاهتداء التام. ومن لم يسلم من ظلمه نفسه ; كان له الأمن والاهتداء مطلقا بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه. وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله {إنما هو الشرك} أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام. فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم ; بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولا بد لهم من دخول الجنة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إنما هو الشرك} إن أراد به الشرك الأكبر فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة وهو مهتد إلى ذلك. وإن كان مراده جنس الشرك ; فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله - لحب المال - ببعض الواجب هو شرك أصغر ، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك. فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار. فصل (ص83) ومن هذا الباب لفظ ' الصلاح ' و ' الفساد ': فإذا أطلق الصلاح تناول جميع الخير وكذلك الفساد يتناول جميع الشر كما تقدم في اسم الصالح وكذلك اسم المصلح والمفسد قال تعالى في قصة موسى: {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين} {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} وقال تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}. والضمير عائد على المنافقين في قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} وهذا مطلق يتناول من كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن سيكون بعدهم ; ولهذا قال سلمان الفارسي: إنه عنى بهذه الآية قوما لم يكونوا خلقوا حين نزولها وكذا قال السدي عن أشياخه: الفساد الكفر والمعاصي. وعن مجاهد: ترك امتثال الأوامر واجتناب النواهي. والقولان معناهما واحد. وعن ابن عباس: الكفر. وهذا معنى قول من قال: النفاق الذي صافوا به الكفار وأطلعوهم على أسرار المؤمنين. وعن أبي العالية ومقاتل: العمل بالمعاصي. وهذا أيضا عام كالأولين. وقولهم: {إنما نحن مصلحون} فسر بإنكار ما أقروا به أي: إنا إنما نفعل ما أمرنا به الرسول. وفسر: بأن الذي نفعله صلاح ونقصد به الصلاح وكلا القولين يروى عن ابن عباس وكلاهما حق فإنهم يقولون هذا وهذا ، يقولون الأول لمن لم يطلع على بواطنهم ويقولون الثاني لأنفسهم ولمن اطلع على بواطنهم. لكن الثاني يتناول الأول ; فإن من جملة أفعالهم إسرار خلاف ما يظهرون وهم يرون هذا صلاحا قال مجاهد: أرادوا أن مصافاة الكفار صلاح لا فساد. وعن السدي: إن فعلنا هذا هو الصلاح وتصديق محمد فساد ، وقيل: أرادوا أن هذا صلاح في الدنيا فإن الدولة إن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ; فقد أمنوا بمتابعته وإن كانت للكفار ; فقد أمنوهم بمصافاتهم. ولأجل القولين قيل في قوله: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} أي لا يشعرون أن ما فعلوه فساد لا صلاح. وقيل: لا يشعرون أن الله يطلع نبيه على فسادهم. والقول الأول يتناول الثاني ; فهو المراد كما يدل عليه لفظ الآية. وقال تعالى {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} وقال {قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين} وقول يوسف {توفني مسلما وألحقني بالصالحين}. وقد يقرن أحدهما بما هو أخص منه كقوله: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} قيل: بالكفر وقيل: بالظلم ; وكلاهما صحيح وقال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} وقد تقدم قوله تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين}. وقال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} وقتل النفس الأول من جملة الفساد لكن الحق في القتل لولي المقتول وفي الردة والمحاربة والزنا ; الحق فيها لعموم الناس ; ولهذا يقال: هو حق لله ولهذا لا يعفى عن هذا كما يعفى عن الأول لأن فساده عام قال تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} الآية. قيل: سبب نزول هذه الآية العرنيون الذين ارتدوا وقتلوا وأخذوا المال. وقيل: سببه ناس معاهدون نقضوا العهد وحاربوا. وقيل: المشركون ; فقد قرن بالمرتدين المحاربين وناقضي العهد المحاربين وبالمشركين المحاربين. وجمهور السلف والخلف على أنها تتناول قطاع الطريق من المسلمين والآية تتناول ذلك كله ; ولهذا كان من تاب قبل القدرة عليه من جميع هؤلاء فإنه يسقط عنه حق الله تعالى. وكذلك قرن ' ا