كتاب الإيمان الكبير الصفحة 2 من 7

بواسطة: الشيخ ابن تيمية

فصل (ص34) وقد جاءت أحاديث تنازع الناس في صحتها. مثل قوله: {لا صلاة إلا بوضوء ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه} فأما الأول: فهو كقوله: {لا صلاة إلا بطهور} وهذا متفق عليه بين المسلمين ; فإن الطهور واجب في الصلاة فإنما نفى الصلاة لانتفاء واجب فيها وأما ذكر اسم الله تعالى على الوضوء ; ففي وجوبه نزاع معروف وأكثر العلماء لا يوجبونه وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها الخرقي وأبو محمد وغيرهما. والثاني: يجب وهو قول طائفة من أهل العلم وهو الرواية الأخرى عن أحمد اختارها أبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وأصحابه. وكذلك قوله: {لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد} رواه الدارقطني. فمن الناس من يضعفه مرفوعا ويقول: هو من كلام علي رضي الله عنه ومنهم من يثبته كعبد الحق. وكذلك قوله: {لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل} قد رواه أهل السنن وقيل: إن رفعه لم يصح وإنما يصح موقوفا على ابن عمر أو حفصة فليس لأحد أن يثبت لفظا عن الرسول مع أنه أريد به نفي الكمال المستحب فإن صحت هذه الألفاظ دلت قطعا على وجوب هذه الأمور ; فإن لم تصح فلا ينقض بها أصل مستقر من الكتاب والسنة وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على وفق مذهبه إن لم يتبين من كلام الله ورسوله ما يدل على مراد الله ورسوله ; وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ليس قول الله ورسوله تابعا لأقوالهم. فإذا كان في وجوب شيء نزاع بين العلماء ، ولفظ الشارع قد اطرد في معنى ; لم يجز أن ينقض الأصل المعروف من كلام الله ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء. ولكن من الناس من لا يعرف مذاهب أهل العلم وقد نشأ على قول لا يعرف غيره فيظنه إجماعا كمن يظن أنه إذا ترك الإنسان الجماعة وصلى وحده برئت ذمته إجماعا ; وليس الأمر كذلك ; بل للعلماء قولان معروفان في إجزاء هذه الصلاة وفي مذهب أحمد فيها قولان ; فطائفة من قدماء أصحابه - حكاه عنهم القاضي أبو يعلى في شرح المذهب ومن متأخريهم كابن عقيل وغيره - يقولون: من صلى المكتوبة وحده من غير عذر يسوغ له ذلك فهو كمن صلى الظهر يوم الجمعة فإن أمكنه أن يؤديها في جماعة بعد ذلك فعليه ذلك وإلا باء بإثمه كما يبوء تارك الجمعة بإثمه ، والتوبة معروضة. وهذا قول غير واحد من أهل العلم ، وأكثر الآثار المروية عن السلف من الصحابة والتابعين تدل على هذا. وقد احتجوا بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر ; فلا صلاة له} وأجابوا عن حديث التفضيل بأنه في المعذور الذي تباح له الصلاة وحده كما ثبت عنه أنه قال: {صلاة الرجل قاعدا على النصف من صلاة القائم وصلاة المضطجع على النصف من صلاة القاعد} والمراد به المعذور كما في الحديث أنه خرج وقد أصابهم وعك وهم يصلون قعودا فقال ذلك. ولم يجوز أحد من السلف صلاة التطوع مضطجعا من غير عذر ، ولا يعرف أن أحدا من السلف فعل ذلك ، وجوازه وجه في مذهب الشافعي وأحمد ، ولا يعرف لصاحبه سلف صدق مع أن هذه المسألة مما تعم بها البلوى ; فلو كان يجوز لكل مسلم أن يصلي التطوع على جنبه وهو صحيح لا مرض به كما يجوز أن يصلي التطوع قاعدا وعلى الراحلة ; لكان هذا مما قد بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته وكان الصحابة تعلم ذلك ، ثم مع قوة الداعي إلى الخير لا بد أن يفعل ذلك بعضهم ، فلما لم يفعله أحد منهم دل على أنه لم يكن مشروعا عندهم وهذا مبسوط في موضعه. والمقصود هنا أنه ينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله ; بل ليس لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عرف أنه أراده لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد فإن كثيرا من الناس يتأول النصوص المخالفة لقوله ; يسلك مسلك من يجعل ' التأويل ' كأنه ذكر ما يحتمله اللفظ وقصده به دفع ذلك المحتج عليه بذلك النص وهذا خطأ ; بل جميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به. فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض ، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس ، فإذا كان النص الذي وافقه يعتقد أنه اتبع فيه مراد الرسول ; فكذلك النص الآخر الذي تأوله فيكون أصل مقصوده معرفة ما أراده الرسول بكلامه ; وهذا هو المقصود بكل ما يجوز من تفسير وتأويل عند من يكون اصطلاحه تغاير معناهما. وأما من يجعلهما بمعنى واحد كما هو الغالب على اصطلاح المفسرين ; فالتأويل عندهم هو التفسير. وأما ' التأويل ' في كلام الله ورسوله ; فله معنى ثالث غير معناه في اصطلاح المفسرين. وغير معناه في اصطلاح متأخري الفقهاء والأصوليين ; كما بسط في موضعه. والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك ; فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى ومن هذا قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس ; فمن تركها كان من أهل الوعيد لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب ، فإن الله إنما وعد بذلك من فعل ما أمر به وأما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها ; فهو معرض للوعيد. ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب ' تحكيم الرسول ' في كل ما شجر بين الناس في أمر دينهم ودنياهم في أصول دينهم وفروعه وعليهم كلهم إذا حكم بشيء ألا يجدوا في أنفسهم حرجا مما حكم ويسلموا تسليما. قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا}. وقوله: {إلى ما أنزل الله} وقد أنزل الله الكتاب والحكمة وهي السنة قال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به}. وقال تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما}. والدعاء إلى ما أنزل يستلزم الدعاء إلى الرسول ، والدعاء إلى الرسول يستلزم الدعاء إلى ما أنزله الله ، وهذا مثل طاعة الله والرسول ; فإنهما متلازمان فمن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن أطاع الله فقد أطاع الرسول. وكذلك قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين}. فإنهما متلازمان ; فكل من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى فقد اتبع غير سبيل المؤمنين وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى. فإن كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين وهو مخطئ ; فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ. وهذه ' الآية ' تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم مستلزمة لمخالفة الرسول وأن كل ما أجمعوا عليه فلا بد أن يكون فيه نص عن الرسول ; فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين ; فإنها مما بين الله فيه الهدى ، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر كما يكفر مخالف النص البين. وأما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به فهنا قد لا يقطع أيضا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول ، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر ; بل قد يكون ظن الإجماع خطأ. والصواب في خلاف هذا القول وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر. و ' الإجماع ' هل هو قطعي الدلالة أو ظني الدلالة ؟. فإن من الناس من يطلق الإثبات بهذا أو هذا ، ومنهم من يطلق النفي لهذا ولهذا. والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الإجماع ويعلم يقينا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلا ; فهذا يجب القطع بأنه حق ; وهذا لا بد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى ; كما قد بسط هذا في موضع آخر. ومن جهة أنه إذا وصف الواجب بصفات متلازمة ; دل على أن كل صفة من تلك الصفات متى ظهرت وجب اتباعها وهذا مثل {الصراط المستقيم} الذي أمرنا الله بسؤال هدايته ; فإنه قد وصف بأنه الإسلام ووصف بأنه اتباع القرآن ووصف بأنه طاعة الله ورسوله ووصف بأنه طريق العبودية ; ومعلوم أن كل اسم من هذه الأسماء يجب اتباع مسماه ، ومسماها كلها واحد وإن تنوعت صفاته ; فأي صفة ظهرت وجب اتباع مدلولها فإنه مدلول الأخرى. وكذلك أسماء الله تعالى وأسماء كتابه وأسماء رسوله هي مثل أسماء دينه. وكذلك قوله تعالى. {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} قيل: حبل الله هو دين الإسلام وقيل: القرآن وقيل: عهده وقيل: طاعته وأمره وقيل جماعة المسلمين ; وكل هذا حق. وكذلك إذا قلنا: الكتاب والسنة والإجماع فمدلول الثلاثة واحد فإن كل ما في الكتاب فالرسول صلى الله عليه وسلم موافق له والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة فليس في المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب وكذلك كل ما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم فالقرآن يأمر باتباعه فيه والمؤمنون مجمعون على ذلك. وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه لا يكون إلا حقا موافقا لما في الكتاب والسنة ; لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فينزل عليه وحي القرآن ووحي آخر هو الحكمة كما قال صلى الله عليه وسلم {ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه}. وقال حسان بن عطية: {كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن.} فليس كل ما جاءت به السنة يجب أن يكون مفسرا في القرآن ; بخلاف ما يقوله أهل الإجماع ; فإنه لا بد أن يدل عليه الكتاب والسنة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الواسطة بينهم وبين الله في أمره ونهيه وتحليله وتحريمه ; والمقصود ذكر الإيمان. ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر}. وقوله: {آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار}. فإن من علم ما قامت به الأنصار من نصر الله ورسوله من أول الأمر وكان محبا لله ولرسوله ; أحبهم قطعا فيكون حبه لهم علامة الإيمان الذي في قلبه ومن أبغضهم لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه. وكذلك من لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرمه الله ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان ; لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه فإن لم يكن مبغضا لشيء من المحرمات أصلا ; لم يكن معه إيمان أصلا كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وكذلك من لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه ; لم يكن معه ما أوجبه الله عليه من الإيمان فحيث نفى الله الإيمان عن شخص ; فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان ويكون من المعرضين للوعيد ليس من المستحقين للوعد المطلق. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: {من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا} كله من هذا الباب لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب الله عليه أو فعل ما حرمه الله ورسوله ; فيكون قد ترك من الإيمان المفروض عليه ما ينفي عنه الاسم لأجله فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد السالمين من الوعيد. وكذلك قوله تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون} {وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} {أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون} {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون}. فهذا حكم اسم الإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله ; فإنه يتناول فعل الواجبات وترك المحرمات ومن نفى الله ورسوله عنه الإيمان ; فلا بد أن يكون قد ترك واجبا أو فعل محرما فلا يدخل في الاسم الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيد ; بل يكون من أهل الوعيد. وكذلك قوله تعالى: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون}. قال محمد بن نصر المروزي: لما كانت المعاصي بعضها كفر وبعضها ليس بكفر فرق بينها فجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر ونوع منها فسوق وليس بكفر ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق. وأخبر أنه كرهها كلها إلى المؤمنين. ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان وليس فيها شيء خارج عنه لم يفرق بينها فيقول: حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات ; بل أجمل ذلك فقال: {حبب إليكم الإيمان}. فدخل في ذلك جميع الطاعات ; لأنه قد حبب إلى المؤمنين الصلاة والزكاة وسائر الطاعات حب تدين لأن الله أخبر: أنه حبب ذلك إليهم وزينه في قلوبهم لقوله: {حبب إليكم الإيمان} ويكرهون جميع المعاصي ; الكفر منها والفسوق وسائر المعاصي كراهة تدين لأن الله أخبر: أنه كره ذلك إليهم. ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم {من سرته حسنته وساءته سيئته ; فهو مؤمن} لأن الله حبب إلى المؤمنين الحسنات وكره إليهم السيئات. ' قلت ': وتكريهه جميع المعاصي إليهم يستلزم حب جميع الطاعات ; لأن ترك الطاعات معصية ولأنه لا يترك المعاصي كلها إن لم يتلبس بضدها فيكون محبا لضدها وهو الطاعة ; إذ القلب لا بد له من إرادة فإذا كان يكره الشر كله ; فلا بد أن يريد الخير. والمباح بالنية الحسنة يكون خيرا وبالنية السيئة يكون شرا. ولا يكون فعل اختياري إلا بإرادة ; ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح {أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن وأصدق الأسماء: حارث وهمام وأقبحها: حرب ومرة}. وقوله أصدق الأسماء: حارث وهمام ; لأن كل إنسان همام حارث والحارث الكاسب العامل. والهمام الكثير الهم - وهو مبدأ الإرادة - وهو حيوان ، وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة فإذا فعل شيئا من المباحات ; فلا بد له من غاية ينتهي إليها قصده. وكل مقصود إما أن يقصد لنفسه وإما أن يقصد لغيره. فإن كان منتهى مقصوده ومراده عبادة الله وحده لا شريك له وهو إلهه الذي يعبده لا يعبد شيئا سواه وهو أحب إليه من كل ما سواه ; فإن إرادته تنتهي إلى إرادته وجه الله فيثاب على مباحاته التي يقصد الاستعانة بها على الطاعة كما في ' الصحيحين ' عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة}. وفي ' الصحيحين ' عنه أنه {قال لسعد بن أبي وقاص لما مرض بمكة وعاده - إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك}. وقال معاذ بن جبل لأبي موسى: ' إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي '. وفي الأثر: نوم العالم تسبيح. وإن كان أصل مقصوده عبادة غير الله ; لم تكن الطيبات مباحة له فإن الله أباحها للمؤمنين من عباده ; بل الكفار وأهل الجرائم والذنوب وأهل الشهوات يحاسبون يوم القيامة على النعم التي تنعموا بها فلم يذكروه ولم يعبدوه بها ويقال لهم: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون}. وقال تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم}. أي عن شكره والكافر لم يشكر على النعيم الذي أنعم الله عليه به فيعاقبه على ذلك ; والله إنما أباحها للمؤمنين وأمرهم معها بالشكر كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله}. وفي ' صحيح مسلم ' عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها}. وفي ' سنن ابن ماجه ' وغيره: {الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر}. وكذلك قال للرسل: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} وقال تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم} وقال الخليل: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} قال الله تعالى: {ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير}. فالخليل إنما دعا بالطيبات للمؤمنين خاصة والله إنما أباح بهيمة الأنعام لمن حرم ما حرمه الله من الصيد وهو محرم والمؤمنون أمرهم أن يأكلوا من الطيبات ويشكروه. ولهذا ميز سبحانه وتعالى بين خطاب الناس مطلقا وخطاب المؤمنين فقال: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون}. فإنما أذن للناس أن يأكلوا مما في الأرض بشرطين: أن يكون طيبا وأن يكون حلالا. ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله}. فأذن للمؤمنين في الأكل من الطيبات ولم يشترط الحل ، وأخبر أنه لم يحرم عليهم إلا ما ذكره ; فما سواه لم يكن محرما على المؤمنين ومع هذا فلم يكن أحله بخطابه ; بل كان عفوا كما في الحديث عن سلمان موقوفا ومرفوعا: {الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفي عنه}. وفي حديث أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها}. وكذلك قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة}. نفى التحريم عن غير المذكور فيكون الباقي مسكوتا عن تحريمه عفوا والتحليل إنما يكون بخطاب ; ولهذا قال في سورة المائدة التي أنزلت بعد هذا: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين}. إلى قوله: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم}. ففي ذلك اليوم أحل لهم الطيبات وقبل هذا لم يكن محرما عليهم إلا ما استثناه. وقد {حرم النبي صلى الله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير} ولم يكن هذا نسخا للكتاب ; لأن الكتاب لم يحل ذلك ولكن سكت عن تحريمه فكان تحريمه ابتداء شرع ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المروي من طرق من حديث أبي رافع وأبي ثعلبة وأبي هريرة وغيرهم: {لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم هذا القرآن ; فما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه}. وفي لفظ: {ألا وإنه مثل القرآن أو أكثر. ألا وإني حرمت كل ذي ناب من السباع}. فبين أنه أنزل عليه وحي آخر وهو الحكمة غير الكتاب. وأن الله حرم عليه في هذا الوحي ما أخبر بتحريمه ولم يكن ذلك نسخا للكتاب ; فإن الكتاب لم يحل هذه قط. إنما أحل الطيبات وهذه ليست من الطيبات وقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم}. فلم تدخل هذه الآية في العموم ; لكنه لم يكن حرمها ; فكانت معفوا عن تحريمها ; لا مأذونا في أكلها. وأما ' الكفار ' فلم يأذن الله لهم في أكل شيء ولا أحل لهم شيئا ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه ; بل قال: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا}. فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالا ; وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمن به ; فلم يأذن لهم في أكل شيء إلا إذا آمنوا. ولهذا لم تكن أموالهم مملوكة لهم ملكا شرعيا ; لأن الملك الشرعي هو القدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلى الله عليه وسلم والشارع لم يبح لهم تصرفا في الأموال إلا بشرط الإيمان ; فكانت أموالهم على الإباحة. فإذا قهر طائفة منهم طائفة قهرا يستحلونه في دينهم وأخذوها منهم ; صار هؤلاء فيها كما كان أولئك. والمسلمون إذا استولوا عليها ، فغنموها ملكوها شرعا لأن الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم. ويجوز لهم أن يعاملوا الكفار فيما أخذه بعضهم من بعض بالقهر الذي يستحلونه في دينهم ويجوز أن يشتري من بعضهم ما سباه من غيره ; لأن هذا بمنزلة استيلائه على المباحات. ولهذا سمى الله ما عاد من أموالهم إلى المسلمين ' فيئا ' ; لأن الله أفاءه إلى مستحقه أي: رده إلى المؤمنين به الذين يعبدونه ويستعينون برزقه على عبادته ; فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه وإنما خلق الرزق لهم ليستعينوا به على عبادته. ولفظ ' الفيء ' قد يتناول ' الغنيمة ' كقول النبي صلى الله عليه وسلم في غنائم حنين: {ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم}. لكنه لما قال تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب}: صار لفظ ' الفيء ' إذا أطلق في عرف الفقهاء ; فهو ما أخذ من مال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب ، والإيجاف نوع من التحريك. وأما إذا فعل المؤمن ما أبيح له قاصدا للعدول عن الحرام إلى الحلال لحاجته إليه ; فإنه يثاب على ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام كان عليه وزر. فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر}. وهذا كقوله في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته} رواه أحمد وابن خزيمة في ' صحيحه ' وغيرهما. فأخبر أن الله يحب إتيان رخصه كما يكره فعل معصيته. وبعض الفقهاء يرويه: {كما يحب أن تؤتى عزائمه}. وليس هذا لفظ الحديث ; وذلك لأن الرخص إنما أباحها الله لحاجة العباد إليها والمؤمنون يستعينون بها على عبادته ; فهو يحب الأخذ بها لأن الكريم يحب قبول إحسانه وفضله ; كما قال في حديث: {القصر صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته}. ولأنه بها تتم عبادته وطاعته. وما لا يحتاج إليه الإنسان من قول وعمل بل يفعله عبثا ; فهذا عليه لا له كما في الحديث: {كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله}. وفي ' الصحيحين ' عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت}. فأمر المؤمن بأحد أمرين: إما قول الخير أو الصمات. ولهذا كان قول الخير خيرا من السكوت عنه والسكوت عن الشر خيرا من قوله ولهذا قال الله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}. وقد اختلف ' أهل التفسير ' هل يكتب جميع أقواله ؟ فقال مجاهد وغيره: يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه. وقال عكرمة لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر. والقرآن يدل على أنهما يكتبان الجميع ; فإنه قال: {ما يلفظ من قول} نكرة في الشرط مؤكدة بحرف ' من ' ; فهذا يعم كل قوله. وأيضا فكونه يؤجر على قول معين أو يؤزر ; يحتاج إلى أن يعرف الكاتب ما أمر به وما نهي عنه ; فلا بد في إثبات معرفة الكاتب به إلى نقل. وأيضا فهو مأمور إما بقول الخير وإما بالصمات. فإذا عدل عما أمر به من الصمات إلى فضول القول الذي ليس بخير ; كان هذا عليه فإنه يكون مكروها والمكروه ينقصه ; ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: {من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه}. فإذا خاض فيما لا يعنيه ; نقص من حسن إسلامه فكان هذا عليه. إذ ليس من شرط ما هو عليه أن يكون مستحقا لعذاب جهنم وغضب الله بل نقص قدره ودرجته عليه. ولهذا قال تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}. فما يعمل أحد إلا عليه أو له فإن كان مما أمر به كان له. وإلا كان عليه ولو أنه ينقص قدره. والنفس طبعها الحركة لا تسكن قط ; لكن قد عفا الله عما حدث به المؤمنون أنفسهم ما لم يتكلموا به أو يعملوا به ; فإذا عملوا به دخل في الأمر والنهي. فإذا كان الله قد كره إلى المؤمنين جميع المعاصي وهو قد حبب إليهم الإيمان الذي يقتضي جميع الطاعات إذا لم يعارضه ضد باتفاق الناس ; فإن المرجئة لا تنازع في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة ويقتضي ذلك والطاعة من ثمراته ونتائجه لكنها تنازع هل يستلزم الطاعة ؟ فإنه وإن كان يدعو إلى الطاعة ; فله معارض من النفس والشيطان ، فإذا كان قد كره إلى المؤمنين المعارض كان المقتضي للطاعة سالما عن هذا المعارض. وأيضا فإذا كرهوا جميع السيئات لم يبق إلا حسنات أو مباحات ، والمباحات لم تبح إلا لأهل الإيمان الذين يستعينون بها على الطاعات وإلا فالله لم يبح قط لأحد شيئا أن يستعين به على كفر ولا فسوق ولا عصيان ; ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم عاصر الخمر ومعتصرها كما لعن شاربها ، والعاصر يعصر عنبا يصير عصيرا يمكن أن ينتفع به في المباح لكن لما علم أن قصد العاصر أن يجعلها خمرا ; لم يكن له أن يعينه بما جنسه مباح على معصية الله بل لعنه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك لأن الله لم يبح إعانة العاصي على معصيته ولا أباح له ما يستعين به في المعصية فلا تكون مباحات لهم إلا إذا استعانوا بها على الطاعات. فيلزم من انتفاء السيئات أنهم لا يفعلون إلا الحسنات ; ولهذا كان من ترك المعاصي كلها فلا بد أن يشتغل بطاعة الله. وفي الحديث الصحيح: {كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها}. فالمؤمن لا بد أن يحب الحسنات ولا بد أن يبغض السيئات ولا بد أن يسره فعل الحسنة ويسوءه فعل السيئة ومتى قدر أن في بعض الأمور ليس كذلك كان ناقص الإيمان والمؤمن قد تصدر منه السيئة فيتوب منها أو يأتي بحسنات تمحوها أو يبتلى ببلاء يكفرها عنه ولكن لا بد أن يكون كارها لها ; فإن الله أخبر أنه حبب إلى المؤمنين الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان فمن لم يكره الثلاثة لم يكن منهم. ولكن ' محمد بن نصر ' يقول: الفاسق يكرهها تدينا. فيقال: إن أريد بذلك أنه يعتقد أن دينه حرمها وهو يحب دينه وهذه من جملته ; فهو يكرهها. وإن كان يحب دينه مجملا وليس في قلبه كراهة لها ; كان قد عدم من الإيمان بقدر ذلك كما في الحديث الصحيح: {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان}. وفي الحديث الآخر الذي في الصحيح أيضا - ' صحيح مسلم ' -: {فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل}. فعلم أن القلب إذا لم يكن فيه كراهة ما يكرهه الله ; لم يكن فيه من الإيمان الذي يستحق به الثواب. وقوله: {من الإيمان} أي: من هذا الإيمان وهو الإيمان المطلق. أي: ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان ولا قدر حبة خردل. والمعنى: هذا آخر حدود الإيمان ، ما بقي بعد هذا من الإيمان شيء ; ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء ; بل لفظ الحديث إنما يدل على المعنى الأول.