كتاب الإيمان الصفحة 3 من 3

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

الأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع . لا يستحب النذر للنهي عنه وهو نهي كراهة لا تحريم لأنه مدح الموفين به . والنذر كاليمين وموجبه موجبها إلا في لزوم الوفاء به إذا كان قربة ، دليله قوله لمن نذرت المشي ولم تطقه ’ ولتكفّر يمينها ’ وفي رواية : ’ ولتصم ثلاثة أيام ’ قال أحمد : إليه أذهب ولمسلم عن عقبة مرفوعاً : ’ كفارة النذر كفارة يمين ’ وقال ابن عباس للتي نذرت ذبح ابنها : كفري يمينك ، فإن قال لله علي نذر وجب به كفّارة يمين في قول الأكثر لا نعلم فيه مخالفاً إلا الشافعي فقال : لا تنعقد . ولنا حدي ثعقبة المتقدم وفيه إذا لم يسم . ونذر اللجاج والغضب الذي يقصد به الحض والمنع فهي يمين يخير بين فعله وبين كفارة يمين لحديث عمران رفعه : ’ لا نذر في غضب ، وكفارته كفارة يمين ’ رواه سعيد . وعن أحمد أن الكفارة تتعين للخبر .

ونذر المباح يخير بيه فعله والكفارة ، وقال مالك والشافعي : لا ينعقد لحديث : ’ لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله ’ ولحديث أبي اسرائيل رواه البخاري ، وحديث المرأة التي نذرت أن تمشي إلى البيت فقال : ’ مروها أن تركب ’ صححه الترمذي ، وحديث الأنصاري الذي نذر مثلها متفق عليه ولم يأمره بالكفارة ولنا ما تقدم من نذر الغضب وحديث المرأة فعند أبي داود أنه أمرها بالكفارة ويكون الراوي ذكر البعض وترك البعض أو ترك ذكر الكفارة إحالة على ما علم .

فإن نذر مكروها كالطلاق فهو مكروه ويستحب أن يكفّر ولا يفعل والخلاف فيه كالذي قبله . فإن نذر معصية لم يجز الوفاء به ويكفر إلا أن ينذر ذبح ولده فعليه كفارة وعنه ذبح كبش وقال الشافعي : لا كفارة فيه . ولنا قوله : ’ لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ’ ورواه أبو داود والترمذي وقال : غريب رواه سعيد ، ولحديث :’ النذر حلفة وكفارته كفارة يمين ’ ولو نذر الصدقة بكل ماله أخرج ثلثه ولا كفارة عليه وبه قال مالك ، وقال ربيعة : يتصدق بقدر الزكاة ، وقال الشافعي : يتصدق بماله كله ، ولنا حديث أبي لبابة أنه قال : إن من توبتي أن أنخلع من مالي فقال : يجزيك الثلث ، وقوله لكعب : ’ أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ’ متفق عليه ، ولأبي داود : ’ يجزيء عنك الثلث ’ قالوا لي هذا بنذر إنما أرادوا الصدقة كما قال سعد فأمره بالاقتصار على الثلث ، قلنا قوله : ’ يجزيك الثلث ’ يدل على أنه أتى بما يقتضي الإيجاب وإلا لما لزمه شيء يجزيء عنه بعضه ومنعه من الصدقة بزيادة على الثلث دليل على أنه ليس بقربة . ونذر التبرر مطلقاً أو معلقاً يلزم الوفاء به إجماعاً . والمطلق كذلك في قول الأكثر . وقال بعض أصحاب الشافعي : لا يلزم لأن غلام ثعلب قال : النذر عند العرب وعد بشرط وكذلك نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب كالاعتكاف وعيادة المريض يلزم عند الأكثر ، وعن أبي حنيفة لا يلزم لأنه لا يجب بالنذر مال لا يجب نظيره شرعاً . ولنا قوله : ’ من نذر أن يطيع الله فليطعه ’ وذمه الذين لا يوفون بالنذر وقوله : ’ ومنهم من عاهد الله ’ الآية . وما ذكرتم عن غلام ثعلب لا يصح فإن العرب تسمي الملتزم نذرا وإن لم يكن بشرط . وإن نذر المشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لزم ، وقال الشافعي في أحد قوليه : لا يثبت في وجوب المشي إليهما لأن البر بإتيان بيت الله فرض والبر بإتيانهما نفل . وإن نذر الصلاة في المسجد الحرام لم يجزه في غيره ، وإن نذر في الأقصى أجزأته في المسجد الحرام .

ومن نذر حجا أو صياماً أو صدقة أوعتقاً أو غير ذلك من الطاعات ومات فعله الوليّ عنه ، وعنه لا يصلى عن الميت ، وأما سائر الأعمال فينوب الوليّ عنه وليس بواجب ولكن يستحب على سبيل الصلة وأفتى بذلك ابن عباس في امرأة نذرت أن تمشي إلى قبا فماتت فأمر أن تمشي ابنتها عنها ، وروى سعيد أن عائشة اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد ما مات ، وقال مالك : لا يمشي أحد عن أحد ولا يصوم ولا يصلي ، وكذلك سائر أعمال البدن ، وقال الشافعي : يقضي عنه الحج ، وقال أهل الظاهر : يجب القضاء على الولي للأخبار . وإن نذر أن يطوف على أربع طاف طوافين نص عليه وقاله ابن عباس .

ومن هنا إلى آخر الباب من ( الانصاف ) :
قال الشيخ : الأحكام تتعلق بما أراده الناس بالألفاظ الملحونة كقوله حلفت بالله رفعاً ونصباً . وكقول : الكافر أشهد أن محمدٌ رسولَ الله صار برفع الأول ونصب الثاني . ومن رام جعل جميع الناس في لفظ واحد بحسب عادة قوم بينهم رام ما لا يمكن عقلا ولا يصح شرعاً ، نص أحمد على كراهة الحلف بالعتق والطلاق ، وفي تحريمه وجهان اختار الشيخ التحريم واختار في موضع آخر لا يحرم بل يكره .

قوله : ولغو اليمين أن يحلف على شيء يظنه فيبين بخلافه ، وعنه ليس لغواً وفيه كفارة قال الشيخ ما معناه : الروايتان في كل يمين حتى في عتق وطلاق . ومن قطع بحنثه في الطلاق والعتق هو ذهول بل فيه الروايتان ، ومحله إذا عقد على زمن ماض ، قال الشيخ : وكذا على مستقبل ظاناً صدقه فلم يكن كمن حلف على غيره يظن أنه يطيعه فلم يفعل أو ظن المحلوف عليه خلاف : نية الحالف ونحو ذلك . وقال إن المسألة على روايتين كمن طلق من ظنها أجنبية فبانت امرأته ونحوهما مما يتعارض فيه التعيين والقصد .

قوله : وإن فعله ناسياً فلا كفارة ، وعنه لا حنث ويمينه باقية اختاره الشيخ . ولا يعتبر قصد الاستثناء اختاره الشيخ ولو أراد تحقيقاً لإرادته لعموم المشيئة ، ومثله إن أراد الله وقصد المشيئة لا إن أراد المحبة والأمر ذكره الشيخ .

ولو شك في الاستثناء فالأصل عدمه ، قال الشيخ : إلا من عادته الاستثناء واحتج بالمستحاضة تعمل بالعادة والتمييز ولم تجلس أقل الحيض والأصل وجوب العادة . قال : ولو حلف لا يعذر كفّر للقسم لا لعذره مع أنها لا ترفع الإثم . قال أحمد : لا يكثر الحلف فإنه مكروه ، وقيل : يستحب لمصلحة كزيادة طمأنينته وتوكيد الأمر وغيره ومنه قوله لعمر عن العصر : ’ والله ما صليتها ’ تطييباً لقلبه وقاله في الهدي . قال وقد حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلف في أكثر من ثمانين موضعاً وأمره الله به في سورة يونس وسبأ والتغابن . ولا تغير اليمين حكم المحلوف عليه ، قال الشيخ : لم يقل أحمد إنها توجب إيجاباً أو تحرم تحريماً لا ترفعه الكفارة .

قال : والعقود والعهود متقاربة أو متفقة فإذا قال : أعاهد الله أني أحج فهذا نذر ويمين ، وإن قال : لا أكلم زيداً فيمين وعهد لا نذر ، فالأيمان إن تضمنت معنى النذر ـ وهو أن يلتزم لله قربة ـ لزمه الوفاء وهو عقد وعهد ومعاهدة لله لأنه التزن لله ما يطلبه منه ، وإن تضمنت معنى العقود التي بين الناس فمعاقدة ومعاهدة يلزم الوفاء بها . وإن قال : ’ لعمري ’ فهو لغو نصَّ عليه .
ولا يجب إبرار القسم كإجابة سؤال بالله ، وقيل : يلزم ، قال الشيخ : إنما يجب على معين فلا يجب إجابة سائل مقسم على الناس . وتوقف في تحريم النذر ولا يضر . قوله على مذهب من يلزم أو لا أقل من يرى الكفارة ذكره الشيخ لأن الشرع لا يتغير بتوكيد . قال : وإن قصد لزوم الجزاء مع الشرط لزمه مطلقاً عند أحمد نقل الجماعة فيمن حلف بالمشي إلى بيت الله أو حجه إن أراد يميناً كفر ، وإن أراد نذراً فعلى حديث عقبة . وقال الشيخ : إذا حلف بمباح أو معصية فلا شيء عليه كنذرهما فإن ما لم يلزم بنذره لا يلزم به شيء إذا حلف بمباح أو معصية فلا شيء عليه كنذرهما فإن ما لم يلزم بنذره لا يلزم به شيء إذا حلف به فإن إيجاب النذر أقوى من إيجاب اليمين . قوله إلا أن ينذر ذبح ولده الخ وعنه إن قصد اليمين فيمين وإلا فنذر معصية فيذبح في مسألة الذبح كبشاً اختاره الشيخ .

قوله وإن نذر الصدقة بماله الخ . نقل الأثرم فيمن نذر ماله في المساكين أيكون الثلث من الصامت أم من جميع ما يملك ؟ قال : إنما يكون هذا على قدر ما نوى أو على قدر مخرج يمينه . والأموال تختلف عند الناس ، قال في الفروع : ويتوجه على اختيار شيخنا كل أحد بحسب عزمه . وعنده من نذر صوم الدهر كان له صوم يوم وإفطار يوم . وقال : القادر على فعل المنذور يلزمه وإلا فله أن يكفّر . ولا يلزم الوفاء بالوعد لأنه يحرم بلا استثناء لقوله تعالى : ’ ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً . إلا أن يشاء الله ’ وذكر الشيخ وجهاً أنه يلزم واختاره . وقال القرافي : اتفق الفقهاء على الاستدلال بالآية ، وهو في غاية الإشكال فإن ’ إلا ’ ليست للتعليق ’ وأنْ ’ المفتوحة ليست للتعليق ، فما بقي في الآية شيء يدل على التعليق بمطابقة ولا التزام ، وطول الأيام يحاولون الاستدلال بها ولا يكاد يفطن له ولا يفطنون لهذا المستثنى من أي شيء هو وما هو المستثنى منه فتأمله . والجواب أن هذا استثناء من الأحوال والمستثنى حالة محذوفة قبل أن الناصبة وعامله فيها أعني الحال عامله في أن وتقريره ’ ولا تقولنَّ لشيء إني فاعل ذلك غداً ’ في حالة من الأحوال ، إلا متعلقاً بإن شاء الله ثم حذفت معلقاً والباء من أن فيكون النهي المتقدم مع إلا المتأخرة قد حصرت القول في هذه الحال دون سائر الأحوال فتختص هذه الحال بالإباحة وغيرها بالتحريم ، وترك المحرم واجب وليس شيء هناك يترك به الحرام إلا هذه فتكون واجبة ، وأما مدرك التعلق فهو قولنا معلقاُ فإنه يدل على أنه تعلق في تلك الحالة كما إذا قال لا تخرج إلا ضاحكاً فإنه يفيد بالضحك للخروج وانتظم معلقاً مع أن بالباء المحذوفة ، واتجه الأمر بالتعليق على المشيئة من هذه الصيغة عند الوعد بالأفعال .