كتاب الإيمان الصفحة 1 من 3

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع . لا تصح اليمين من غير مكلف ، ولا تنعقد يمين مكره وبه قال مالك والشافعي .
وتصح من كافر وتلزمه الكفارة بالحنث ، وقال الثوري : لا تنعقد ، ولنا أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف فأمر بالوفاء به ، ولأنه من أهل القسم لقوله : ’ فيقسمان بالله ’ .
والأيمان خمسة :
( أحدهما ) واجب ، وهي التي ينجي بها إنساناً معصوماً من هلكة .
( والثاني ) مندوب ، وهو ما تعلق به مصلحة من إصلاح أو دفع شر ؟
( الثالث ) المباح ، مثل الحلف على فعل مباح أو تركه .
( الرابع ) مكروه ( وهو الحلف على مكروه ) وتركه مندوب لقوله : ’ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ’ الآية . والحلف في البيع والشراء لقوله : ’ الحلف مَنْفَقَة للسلعة ’ الخ .
( الخامس ) المحرم وهو الحلف الكاذب . ومتى كانت اليمين على فعل واجب أو ترك محرم حرم حلّها . وإن كانت على مندوب كره . وإن كانت على مباح فيباح . فإن قيل : كيف يباح وقد قال تعالى : ’ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ’ . قلنا : هذا في الإيمان في العهود والمواثيق بدليل قوله تعالى : ’ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ـ إلى قوله ـ : أن تكون أمة هي أربى من أمة ’ والعهد يجب الوفاء به بغير يمين فمع أولى ، قال تعالى : ’ وأوفوا بعهد الله ’ وقال : ’ أوفوا بالعقود ’ ولهذا نهى عن نقض اليمين والنهي يقتضي التحريم ، وذمهم عليه ومثّله بالتي نقضت غزلها . ولا خلاف أن الحل المختلف فيه لا يدخله شيء من هذا .

وإن كانت على فعل مكروه أو ترك مندوب فحلها مندوب لقوله : ’ إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً فكفر الخ . وإن كانت على فعل محرم أو ترك واجب وجب حلها .

واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله أوصفة من صفاته .
ولا نعلم خلافاً في وجوب الكفارة إذا حلف باسم الله لا يسمى به سواه ، وأما ما يسمى به غيره وإطلاقه ينصرف إلى الله كالعظيم والرحيم والرب والمولى فإن نوى اسم الله أو أطلق كان يميناً ، وهذا مذهب الشافعي ، وأما ما لا يعد من أسمائه كالعالم والشاكر فإن لم ينوه به الله أو نوى غيره لم يكن يميناً وإن نواه كان يميناً ، فيختلف هذا والذي قبله في الإطلاق : ففي الأول يكون يميناً ، وفي الثاني لا يكون . وقال الشافعي في هذا القسم : لا يكون يميناً وإن قصد به الله . وإن قال : وحق الله فهي يمين مكفرة وبه قال مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : لا : وحق الله طاعته ، ولنا أن له حقوقاً يستحقها لنفسه من البقاء والعظمة والجلال . وقد اقترن العرف بالحلف بها فينصرف إلى صفة الله . وإن قال وعهد الله فيمين وبه قال مالك ، وقال ابن المنذر : لا إلا بالنية . وقال أبو حنيفة : ليس بيمين ، ولنا أن عهد الله يحتمل كلامه الذي هو صفته ،و قد ثبت له عرف الاستعمال . وإن قال : وأمانة الله فيمين وبه قال أبو حنيفة ، وقال الشافعي : لا تنعقد إلا أن ينوي صفة الله لأنها تطلق على الفرائض والودائع والحقوق ، ولنا أن أمانة الله صفة من صفاته .

والقسم بالصفات ينقسم كالقسم بالأسماء ثلاثة أقسام :
( أحدهما ( ما لا يحتمل غير الذات كعزة الله وعظمته وجلالته فتنعقد بها اليمين في قولهم جميعاً وورد القسم بها كقول الخارج من النار : ’ وعزتك لا أسأل غيرها ’ وفي القرآن ’ فبعزتك لأغوينهم أجمعين ’ .
( الثاني ) صفة للذات إلا أنه يعبر به عن غيرها كعلم الله وقدرته كقولهم : ’ اللهم اغفر لنا علمك فينا ، اللهم أريتنا قدرتك فأرنا عفوك ؟ فالقسم بهذا يمين . وقال أبو حنيفة : إذا قال وعلم الله ليس يميناً .
( الثالث ) ما لا ينصرف باطلاقه إلى صفة الله لكن ينصرف بإضافته إليه لفظاً أو نية كالعهد والميثاق والأمانة فلا يكون يميناً إلا بإضافته أو نيته ، ويكره الحلف بالأمانة لقوله : ’ من حلف بالأمانة فليس منّا ’ رواه أبو داود .

وإن قال : لعمرو الله كان يميناً ، وقال الشافعي : لا إلا أن يقصد اليمين لأنها لا تكون يميناً إلا بتقدير خبر محذوف كأنه قال : لعمرو الله ما أقسم به فيكون مجازاً والمجاز لا ينصرف إليه الإطلاق . ولنا أنه أقسم بصفة ، وقيل : معناه وحق الله ، وإن قال : لعمري أو لعمرك فليس بيمين في قول الأكثر وقال الحسن : في قول لعمري كفارة .

وإن حلف بكلام الله أو بالمصحف أو بالقرآن فيمين فيها كفارة واحدة ، وعنه بكل آية كفارة ، وكان قتادة يحلف بالمصحف ولم يكرهه أحمد وإسحق لأنه قصد الحلف بالمكتوب فيه . وإن قال : أحلف بالله أو أشهد بالله أو أقسم لله أو أعزم بالله كان يميناً لا نعلم فيه خلافاً قال الله : ’ فيقسمان بالله ’ ويقول الملاعن : أشهد بالله وإن لم يذكر اسم الله لم يكن يميناً ، وعنه يكون يميناً وقال الشافعي : ليس بيمين وإن نوى ، ولنا قوله لأبي بكر ’ لا تقسم بالله ’ لما قال أقسمت عليك .
وحروف القسم ثلاثة :
( الباء ) وتدخل على المظهر والمضمر كقولك بالله وبك .
و ( الواو ) وتدخل على المظهر خاصة .
و ( التاء ) وتختص باسم الله دون سائر الأسماء الحسنى ، ويجوز القسم بغير حرف كقوله : الله لأفعلنَّ بالجر والنصب وكذا بالرفع إلا أن يكون من أهل العربية ولا ينوي . وإن قال لاها الله ونوى اليمين كان يميناً لقول أبي بكر في سلب أبي قتادة . ويكره ( الحلف ) بغير الله ويحتمل أن يكون محرماً قال ابن عبد البر : هذا أمر مجمع عليه ، وقيل يجوز لأن الله أقسم بمخلوقاته وقوله : ‘أفلح وأبيه إن صدق ’ وقوله في حديث أبي العشراء ’ وأبيك لو طعنت في فخذها أجزأك ’ ولنا قوله : ’ إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ’ متفق عليه.
وعن ابن عمر مرفوعاً ’ من حلف بغير الله فقد أشرك ’ حسّنه الترمذي . فأما قسم الله فله أن يقسم بما شاء ولا وجه للقياس ، وأما قوله : ‘أفلح وأبيه ’ فقال ابن عبد البر : هذه لفظة غير محفوظة من وجه صحيح . وحديث أبي العشراء قال أحمد : لو كان يثبت . يعني أنه لم يثبت . والحلف بغير الله تعظيم يشبه تعظيم الرب تبارك وتعالى ولهذا سمي شركاً .
ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط :
( أحدها ) أن ( تكون ) اليمين منعقدة وهي التي يمكن فيها البر والحنث ، قال ابن عبد البر : اليمين التي فيها الكفارة بالإجماع التي على المستقبل كمن حلف ليضربن غلامه أولا يضربه ، وذهبت طائفة إلى أن الحنث إذا كان طاعة لا يوجب الكفارة ، وقال قوم : من حلف على فعل معصية فتركها كفارتها ، قال سعيد بن جبير : اللغو : أن يحلف على ما لا ينبغي يعني لا كفارة . ولأبي دواد من حديث عمرو بن شعيب وفيه ’ تركها كفارتها ’ ولنا قوله : ’ من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفِّر ’ وحديث ٍأبي موسى أخرجه البخاري وحديثهم لا يعارض لأن أحاديثنا أصح وأثبت ، ويحتمل أن تركها كفارة لإثم الحلف ، واليمين الغموس لا كفارة لها في قول الأكثر ، فإن حلف على غيره فأحنثه فالكفارة على الحالف . وإن قال : أسألك بالله لتفعلن وأراد اليمين فيمين ، وإن أراد الشفاعة فليس بيمين .

ولغو اليمين : أن يحلف على شيء يظنه فيبين بخلافه وأكثر أهل العلم على عدم الكفارة ، وعنه ليس من اللغو وفيه الكفارة . قال ابن عبد البر : أجمعوا على أن لغو اليمين لا كفارة فيه .
( الثاني ) أن يكون مختاراً لا مكرهاً ، وبه قال مالك والشافعي ، وإن سبقت اليمين على لسانه لا يعقد عليها قلبه فلا كفارة ، وممن قال إنها لغو اليمين عمر وعائشة وغيرها .
( الثالث ) أن يفعل أو يترك ما حلف على فعله أو تركه ذاكراً ، فإن نسي فلا كفارة ، وعنه بلى ، وظاهر المذهب الأولى إلا في الطلاق والعتاق ، وعنه لا يحنث فيهما أيضاً وهو قول عطاء وإسحق وظاهر مذهب الشافعي ، والجاهل كالناسي ، فإن حلف فقال : إن شاء الله لم يحنث إذا اتصل باليمين وبه قال مالك وغيره ، وعنه يجوز إن لم يبطل الفصل لقوله : ’ والله لأغزونّ قريشاً ’ ثم سكت ثم قال : ’ إن شاء الله ’ ، وعن الحسن وعطاء : ( يصح ) ما دام في المجلس . ويشترط أن يستثنى بلسانه لا نعلم فيه خلافاً .
ويشترط قصد الاستثناء وهو مذهب الشافعي ، ويصح في كل يمين مكفرة كالظهار والنذر .
وإن حرَّم أمته أو شيئاً من الحلال لم يحرم وعليه كفارة يمين يروى عن أبي بكر وعمر وغيرهما ، وقال مالك والشافعي : لا كفارة عليه ، ولنا قوله : ’ يا أيها النبي لِم تحرّم ما أحلّ الله لك ’ الآيتين . وإن قال : هو يهودي أو بريء من الإسلام أو النبي إن فعل فقد فعل محرماً لقوله : ’ من حلف على ملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال ’ وفي لفظ : ’ وإن كان صادقاً لم يرجع إلى الإسلام سالماً ’ وعليه كفارة إن فعل ، وعنه لا كفارة وهو قول مالك والشافعي ، وإن قال : عليَّ نذر أو يمين إن فعلت كذا فعليه كفارة لقوله : ’ كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين ’ صححه الترمذي .

والكفارة تجمع تخييراً وترتيباً فالتخيير بين الإطعام والكسوة والتحرير فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة قبل الحنث أو بعده ، وعنه لا يشترط التتابع لأنه لم يذكر ، والأول ظاهر المذهب لأنه في قراءة أبيّ وابن مسعود ’ ثلاثة أيام متتابعات ’ وقال أصحاب الرأي : لا تجزيء قبل ( الحنث ) . والأول قول أكثر أهل العلم روي عن عمر وابنه وغيرهما . قال ابن عبد البر : العجب من أصحاب أبي حنيفة أجازوا تقديم الزكاة من غير أن يرووا فيها مثل هذه الآثار في تقديم الكفارة وأبوه في الكفارة مع كثرة الرواية فيها ، والحجة في السنة ومن خالفها محجوج بها .

ومن كرر أيماناً قبل التكفير فكفارة واحدة ، وعنه لكل يمين كفارة . وإذا قال : حلفت ولم يحلف فقال أحمد : هي كذبة لا يمين ، وعنه عليه كفارة وثبت أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإبرار المقسم أو القسم ، وهذا والله أعلم على الندب بدليل قوله لأبي بكر : ’ لا تقسم ’ ويحتمل أن يجب إذا لم يكن فيه ضرر ، وامتناعه من إبرار أبي بكر للضرر . ويستحب إجابة من حلف بالله لقوله : ’ من استعاذ بالله فأعيذوه ’ الحديث رواه النسائي .