كتاب البيع الصفحة 6 من 12

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

باب بيع الأصول والثمار
وإن ظهر في الأرض معدن لا يعلم به البائع فله الخيار . وروي أن ولد بلال بن الحارث باعوا عمر بن عبد العزيز أرضاً فظهر فيها معدن فقالوا : إنما بعنا الأرض ولم نبع المعدن وأتوا عمر بالكتاب الذي فيه قطيعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبيهم فأخذه وقبله ورد عليهم المعدن . وعن أحمد إذا ظهر المعدن في ملكه ملكه وظاهره أنه لم يجعله للبائع ولا جعل له خياراً ، وإن كان في الأرض زرع لا يحصد إلا مرة كالبر فهو للبائع يبقى إلى الحصاد إلا أن يشترطه المبتاع ، ولا يضر جهله وعدم كماله كما لو اشترى شجرة فاشترط ثمرتها بعد تأبيرها . وإن أطلق البيع فهو للبائع لا أعلم فيه مخالفاً . ومتى حصد الزرع وبقيت له عروق تستضر بها الأرض فعلى البائع إزالتها ، وكذلك كل نقص دخل عل ملك شخص لاستصلاح ملك آخر من غير إذن الأول ولا فعل صدر عنه النقص وأسند إليه كان الضمان على مدخل النقص .

ومن باع نخلا مؤبراً وهو ما تشقق طلعه فالثمر للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ، والابار التلقيح إلا أنه لا يكون حتى يتشقق فعبر به عن ظهور الثمرة وهذا قول الأكثر ، وحكى ابن أبي موسى رواية عن أحمد أنه إذا تشقق ولم يؤبر أنه للمشتري لظاهر الحديث ، فإن أبر بعضه فما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري نص عليه ، وقال ابن حامد : الكل للبائع وهو مذهب الشافعي .

ولا يجوز بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحه ولا الزرع قبل اشتداد حبه إلا بشرط القطع في الحال لما روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري ، قال ابن المنذر : لا أعلم أحداً يعدل عن القول به .

ولا يجوز بيع الرطبة والبقول إلا بشرط جزه ولا القثاء ونحوه إلا لقطة لقطة إلا أن يبيع أصله ، ورخص مالك في شراء جزتين وثلاث . وإن باع ثمرة شيء من هذه البقول كالقثاء والباذنجان لم يجز إلا أن يبيع الموجود منها دون المعدوم ، وقال مالك : يجوز بيع الجميع لأنه يشق تمييزه فجعل ما لم يظهر تبعاً لما ظهر كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا .

ولا يجوز بيع ما المقصود منه مستور في الأرض كالبصل حتى يقلع ، وأباحه مالك وإسحق لأن الحاجة تدعو إليه أشبه ما لم يبد صلاحه . ولنا النهي عن بيع الغرر .

والحصاد واللقاط على المشتري وكذلك الجذاذ ، وفارق الكيل والوزن لأنهما من مؤنة التسليم ، وهنا حصل بالتخلية ولا نعلم فيه مخالفاً . وبيع الثمرة قبل الصلاح مع الأصل جائز بالإجماع . وإن باعها منفردة لمالك الأصل ففيه وجهان : أحدهما : يصح وهو المشهور عن مالك ، والثاني لا يصح لأنها تدخل في عموم النهي ، بخلاف بيعهما معاً فإنه مستثنى بالخبر . وإذا باع الزرع الأخضر مع الأرض جاز ، وإن باعه لمالك الأرض منفرداً فوجهان . وإذا اشترى قصيلا من شعير ونحوه فقطعه ثم نبت فهو لصاحب الأرض لأن المشتري ترك الأصول على سبيل الرفض لها . ولو سقط من الزرع حب ثم نبت من العام المقبل فلصاحب الأرض نص أحمد على المسألتين ، فإن باعه بشرط القطع ثم تركه المشتري حتى بدا الصلاح أو طالت الجزة أو حدثت ثمرة أخرى فلم تميز أو اشترى عرية ليأكلها رطباً فأتمرت بطل البيع ، وعنه لا يبطل ويشتركان في الزيادة ، وعنه يتصدقان بها .

ويجوز لمشتري الثمرة بيعها في شجرها روي ذلك عن الزبير والحسن وكرهه ابن عباس لأنه بيع قبل القبض . وإن تلفت بجائحة من السماء رجع على البائع وهو قول أكثر أهل المدينة ، وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد : هو من ضمان المشتري ، قال الشافعي : لم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح ، ولو ثبت لم أعده ، ولو كنت قائلاً بوضعها لوضعتها في القليل والكثير . قلنا : الحديث ثابت رواه مسلم وغيره ، وحديثهم لا حجة لهم فيه فإن فعل الواجب خير ، فإذا تألى ألا يفعل الواجب فقد تألى ألا يفعل خيراً ، وإنما لم يخيره لأنه يخير لمجرد قول المدعي .

والجائحة كل آفة لا صنع لآدمي فيها ، وما كان بفعل آدمى فقال القاضي يخير المشتري فيها بين الفسخ ومطالبة البائع وبين البقاء ومطالبة الجاني . فإن قيل : فقد نهى عن ربح ما لم يضمن وإذا كانت القيمة أكثر من الثمن فقد ربح فيه ، قلنا : النهي عن الربح بالبيع بدليل أن المكيل لو زادت قيمته قبل قبضه ثم قبضه جاز إجماعاً ، وظاهر المذهب أنه لا فرق بين القليل والكثير إلا ما جرت العادة بتلف مثله قال أحمد : لا أدري ما الثلث ولكن إذا كانت الجائحة تستغرق الثلث أو الربع أو الخمس توضع ، وعنه ما دون الثلث من ضمان المشتري وهو مذهب مالك لأنه لا بد أن يأكل الطائر وتنثر الريح فحد بالثلث لاعتبار الشارع له في الوصية وعطية المريض ، قال أحمد : إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة . وإن استأجر أرضاً فزرعها فتلف الزرع فلا شيء على المؤجر نص عليه ولا نعلم فيه خلافاً كدار استأجرها فيقصر الثياب فيها فتلفت الثياب فيها .

وصلاح بعض الثمرة في الشجرة صلاح لجميعها لا نعلم فيه خلافاً ، وهل يكون صلاحاً لسائر النوع الذي في البستان؟ على روايتين . وقال محمد ابن الحسن : ما كان متقارب الإدراك فبدو صلاح بعضه يجوز به بيع جميعه ، وما تأخر تأخر كثيراً فلا يجوز في الباقي وبدو الصلاح في النخل أن يحمر أو يصفر ، وفي العنب أن يتموه ، وفي سائر الثمرات أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله .

ومن باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه رواه مسلم ، فإن كان قصده المال اشترط علمه وسائر شروط البيع ، وإن لم يكن قصده المال لم يشترط علمه . قال أحمد في رجل اشترى أمة معها قناع فاشترطه وظهر على عيب وقد تلف القناع : غرم قيمته بحصته من الثمن ، وإن كان عليها ثياب فقال احمد : ما كان للجمال فهو للبائع وأما للبس المعتاد فهو للمشتري ، وقال ابن عمر : من باع وليدة زينها بثياب فللذي اشتراها ما عليها إلا أن يشترطه الذي باعها وبه قال الحسن والنخعي ، ولنا الخبر المذكور .

ومن هنا إلى آخر الباب من ( الانصاف ) :
مرافق الأملاك كالطرق والأفنية ومسيل الماء ونحوها هل هي مملوكة أو يثبت فيها حق الاختصاص ؟ فيه وجهان : أحدهما ثبوت حق الاختصاص من غير ملك جزم به القاضي ودل عليه نصوص أحمد . ولو باع قرية لم تدخل مزارعها إلا بذكرها قال المصنف وغيره : أو قرينة قلت : وهو الصواب . قوله : ومن باع نخلا مؤبراً وهو ما تشقق الخ وعنه أن الحكم منوط بالتأبير لا بالتشقق نصرها الشيخ واختارها .

وإذا باعه ولم يشترط القطع لم يصح ، وعنه يصح إن قصد القطع ويلزم به في الحال . وقال الشيخ : يجوز بيع اللقطة الموجودة والمعدومة إلى أن تيبس المقثاة . وقال : يجوز بيع المقاثي دون أصولها . وعن أحمد لا جائحة في غير النخل ، واختار الشيخ ثبوت الجائحة في زرع مستأجر وحانوت نقص نفعه عن العادة وحكم به أبو الفضل بن حمزة في حمام . وقال الشيخ : قياس نصوصه إذا عطل نفع الأرض بآفة انفسخت فيما بقي كانهدام الدار ، وأنه لا جائحة فيما تلف من أجناسه فيتبع الجوز التوت ، والعلة عدم اختلاف الأيدي على الثمرة ، قال في الفروع : واختار شيخنا بقية الأجناس التي تباع عادة كالنوع .