كتاب البيع الصفحة 5 من 12

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

باب الربا والصرف
وهو نوعان : ( ربا الفضل ) و ( ربا النسيئة ) وأجمعت الأمة على تحريمهما ، وقد روي في ربا الفضل عن ابن عباس ثم رجع قال الترمذي وغيره ، وقوله : ’ لا ربا إلا في النسيئة محمول على الجنسين ، فأما ربا الفضل فيحرم في كل مكيل أو موزون ، وإن كان يسيراً كتمرة بتمرتين ، وعنه لا يحرم إلا في الجنس الواحد من الذهب والفضة وكل مطعوم ، وعنه لا يحرم إلا فيما إذا كان مكيلا أو موزوناً . والأعيان الستة ثبت الربا فيها بالنص والإجماع . واختلف فيما سواها فعن طاوس وقتادة أنهما قصرا الربا عليهما وبه قال داود ونفاة القياس ، واتفق القائلون به على أن الربا فيها لعلة وأنه يثبت فيما وجدت فيه ، ثم اتفقوا على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد إلا سعيد بن جبير فإنه قال كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة والدخن ، وهذا مخالف لقوله : ’ بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد ’ فلا يعول عليه ، واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة وعلة الأعيان الأربعة واحدة ، ثم اختلفوا في علة كل واحدة منهما فعن أحمد ثلاث روايات : أشهرهن أن علة الذهب والفضة كونه موزون جنس وعلة الأعيان الأربعة كونه مكيل جنس وبه قال النخعي والزهري والثوري ، فعليها لا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات . والثانية : أن العلة في الأثمان الثمنية وما عداها كونه مطعوم جنس فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداه ، ونحوه قال الشافعي ، لما روى معمر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل رواه مسلم ، ولأن الطعم وصف شرف إذا به قوام الأبدان والثمنية وصف شرف إذا به قوام الأموال ، ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز اسلامهما في الموزونات . والثالثة العلة فيما عدا النقدين كونه مطعوم جنس مكيل أو موزون فلا يجرى في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالتفاح والرمان والبطيخ ولا فيما ليس بمطعوم كالزعفران والحديد يروى ذلك عن سعيد بن المسيب وهو قديم قولي الشافعي لما روي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ’ لا ربا إلا فيما كيل أو وزن مما يؤكل أو يشرب ’ أخرجه الدار قطني وقال : الصحيح أنه من قوله ، ومن رفعه فقد وهم ، والأحاديث الواردة في هذا يجب الجمع بينها فنهيه عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل يتقيد بما فيه معيار شرعي ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه وهذا اختيار شيخنا ، وقال مالك : العلة القوت أو ما يصلح به القوت من جنس واحد من المدخرات ، وقال ابن سيرين : الجنس الواحد علة ، وهذا لا يصح لأنه صلى الله عليه وسلم ابتاع عبداً بعبدين قال الترمذي : حسن صحيح ، وقول مالك ينتقض بالحطب والإدام يستصلح به القوت ولا ربا فيه عنده . فالحاصل أن ما أجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد ففيه الربا رواية واحدة كالأرز والدخن والذرة والدهن ونحوه وهذا قول الأكثر قال ابن المنذر : هذا قول علماء الأمصار في القديم والحديث ، وما انعدم فيه ذلك فلا ربا فيه رواية واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كالنوى والقت ، وما وجد فيه الطعم وحده أو الكيل أو الوزن من جنس واحد ففيه روايتان والأولى إن شاء الله حلُّه إذا ليس فيه دليل موثوق به وهي مع ضعفها يعارض بعضها بعضاً فوجب اطراحها والرجوع إلى أصل الحلّ ، وقوله في كل مكيل الخ أي بأن كان جنسه ذلك وإن لم يتأت فيه إما لقلته كالحبة والحفنة وما دون الأرزة من الذهب والفضة أو كثرته كالزبرة العظيمة ، ورخص أبو حنيفة في الحفنة بالحفنتين وسائر المكيل الذي لا يتأتى كيله ووافق في الموزون واحتج بأن العلة الكيل ولم يوجد في اليسير ، ولنا قوله صلى الله عليه وسلم : التمر بالتمر مثلا بمثل الخ ’ ولا يجوز بيع تمرة بتمرة ولا حفنة بحفنة . قال أحمد : لا بأس بالثوب بالثوبين وهذا قول أكثر أهل العلم . وقال : لا يباع الفس بالفلسين ولا السكين بالسكينين ولا الإبرة بالإبرتين أصله الوزن ، ونقل القاضي حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى فجعل في الجميع روايتين إحداهما : لا يجري في الجميع وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم لأنه ليس بموزون ولا مكيل ، وهذا هو الصحيح إذا لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة وعدم النص والإجماع فيه ، والثانية يجري في الجميع لأن أصله الوزن فلا يخرج عنه بالصناعة . ويجري الربا في لحم الطير ، وعن أبي يوسف لا يجري فيه لأنه يباع بغير وزن ، ولنا أنه لحم وهو من جنس ما يوزن أشبه ما يباع من الخبز عدداً والجيد والرديء والتبر والمضروب والصحيح والمكسور سواء وهذا قول الأكثر ، وحكى عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه وأنكره أصحابه ، وحكى عن أحمد أنه لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة لأن للصناعة قيمة بدليل حالة الإتلاف ، ولنا قوله : ’ الذهب بالذهب مثلا بمثل ألخ ’ وكل ما حرم فيه ربا الفضل حرم فيه النسأ بغير خلاف .

ويحرم التفرق قبل القبض لقوله صلى الله عليه وسلم :’ عيناً بعين ’ . ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزناً ، وقال مالك : يجوز بيع بعض الموزونات ببعض جزافاً ، ولنا قوله : الذهب بالذهب وزناً ألخ ’ ولو باع بعضه ببعض جزافاً أو كان جزافاً من أحد الطرفين لم يجز ، قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم أن ذلك لا يجوز إذا كان من صنف واحد لما روى مسلم عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر ، وفي قوله : ’ الذهب بالذهب ألخ ’ دليل على أنه لا يجوز إلا كذلك ، قال ابن المنذر : أجمع أكثر أهل العلم على أن بيع الصبرة من الطعام بالصبرة لا يدري كم كيل هذه ولا كيل هذه من صنف واحد غير جائز ، ولا بأس به من صنفين استدلالا بقوله : ’ فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ’ . وذهب بعض أصحابنا إلى منع بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون جزافاً ، قال أحمد في رواية : أكره ذلك وقاله القاضي الشريف ، قالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة ، ولنا قوله : ’ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد ’ وحديثهم أراد به الجنس الواحد ولهذا جاء في بعض ألفاظه نهى أن تباع الصبرة لا يعلم مكيلها من التمر بالصبرة لا يعلم مكيلها من التمر ، واختلفت الرواية في البر والشعير فظاهر المذهب أنهما جنسان ، وعنه جنس واحد لقول معمر : إني أخاف أن يضارع الربا أخرجه مسلم . ولنا قوله : ’ بيعوا البر بالشعير كيف شئتم ألخ ’ وحديث معمر لا بد فيه من إضمار الجنس بدليل سائر أجناس الطعام ، ويحتمل أن أراد المعهود فإنه قال في الخبر : وكان طعامنا يومئذ الشعير وفعله معمر وقوله لا يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم .

وفروع الأجناس أجناس كالأدقة والأخباز والأدهان ، وعن أحمد أن خل التمر وخل العنب جنس واحد لأن الاسم الخاص يجمعهما . وهذا منقوض بسائر فروع الأصول التي ذكرنا ، وقد يكون الجنس مشتملا على جنسين كالتمر على النوى واللبن على الزبد فما داما متصلين فهما جنس ، فإذا ميز أحدهما من الآخر صارا جنسين . واللحم أجناس باختلاف أصوله ، وعنه جنس واحد ، وعنه أربعة أجناس لحم الأنعام ولحم الوحش ولحم الطير ولحم دواب الماء .

وفي اللبن روايتان . واللحم والشحم والكبد أجناس ، وقال القاضي : لا يجوز بيع اللحم بالشحم ، وكرهه مالك والشافعي إلا أن يتماثلا . ولا يجوز بيع لحم الحيوان بحيوان من جنسه وهو مذهب مالك والشافعي ، وبغير جنسه وجهان ، وحكى عن مالك لا يباع بحيوان معد للحم ويجوز بغيره ، وقال أبو حنيفة : يجوز مطلقاً ، ولنا نهيه صلى الله عليه وسلم من بيع اللحم بالحيوان رواه مالك ، ولا يجوز بيع حب بدقيقه ، وعنه أنه جائز فعليها يباع وزناً لأن الدقيق يأخذ من المكيال كثيراً وبهذا قال إسحق ، فأما الخبز والهريسة والفالوذج وأشباهها فلا يباع بالحنطة ، وقال أبو حنيفة : يجوز بناء على مسألة مد عجوة ، ولا يجوز بيع أصل بعصيره ولا خالصه بمشوبة ، وقال أبو قور : يجوز ، وقال أبو حنيفة : يجوز إذا علم أن ما في الأصل من الدهن والعصير أقل من المفرد ، وعن أحمد يجوز بيع اللبن بالزبد إذ الزبد المنفرد أكثر من الزبد الذي في اللبن .

ولا يجوز بيع الخالص بالمشوب كحنطة فيها شعير بخالصه ولبن مشوب بخالص ولالبن بالكشك الكامح ويتخرج الجواز إذا كان اللبن أكثر من الذي في الكشك والكامخ بناء على مسألة مدّ عجوة ( ولا يجوز بيع المشوب بالمشوب بناء على مسألة مد عجوة ) . ويجوز بيع نوع بنوع آخر إذا لم يكن فيه منه وممن أجاز بيع الزبد بالمخيض الشافعي وإسحق لأن اللبن الذي في الزبد غير مقصود كالملح في الشيرج .

ولا يجوز بيع الزبد بالسمن لأن في الزبد لبناً يسيراً فيحيل التماثل ، واختار القاضي جوازه لأن اللبن غير مقصود ولا يصح ذلك لأن التماثل شرط كتمر منزوع النوى بما نواه فيه .

ولا يجوز بيع رطب بيابس كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب وبه قال سعد بن أبي وقاص وابن المسيب ، وقال أبو حنيفة : يجوز لأنه إما أن يكون جنساً فيجوز متماثلا وجنسين فيجوز ، وعن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر :(فقال أينقص الرطب إذا يبس) ؟ قالوا: نعم فنهى عن ذلك رواه مالك . ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة ، والمشهور عن الشافعي المنع ، وذكر القاضي يباع وزنا بوزن ولا وجه له . ولا يباع الدقيق بالسويق ، وعنه الجواز .

ويجوز بيع الخبز بالخبز وزناً إذا تساويا في النشافة والرطوبة ، وقال مالك : إذا تحرى المماثلة فلا بأس ، وعن أبي حنيفة لا بأس قرصاً بقرصين ، وقال الشافعي : لا يباع بعضه ببعض إلا أن ييبس ويدق ويباع كيلا ففيه قولان .

ويجوز بيع العصير بجنسه متماثلا ومتفاضلا بغير جنسه ، وقال أصحاب الشافعي : لا يباع المطبوخ بجنسه لأن النار تعقد أجزاءهما فتختلف ، وإن باع عصير شيء من ذلك بثقله فإن كان فيه بقية من المستخرج منه لم يجز إلا على قولنا بجواز مدّ عجوة .

ويجوز بيع الرطب بالرطب والعنب بمثله في قول الأكثرين ، ومنع منه الشافعي فيما يبس ، فأما ما لا ييبس كالخيار فعلى قولين . ولنا أن نهيه عن بيع التمر بالتمر يدل على إباحة بيع كل واحد منهما بمثله .

ويجوز بيع الدبس والخل كل نوع بعضه ببعض متساوياً قال أحمد في خل الدقل : يجوز بيع بعضه ببعص متساوياً لأن الماء في كل واحد منهما غير مقصود . ولا يباع نوع بآخر لأن كل واحد منهما من غير جنسه يقلّ ويكثر فيفضي إلى التفاضل . ولا يباع خل العنب بخل الزبيب لانفراد أحدهما بما ليس من جنسه .
ويجوز بيع خل الزبيب بعضه ببعض كخل العنب وخل التمر .
ويجوز بيع اللحم رطباً وقال الخرقي : لا يجوز إلا إذا تناهى جفافه وهذا مذهب الشافعي ، وإذا جاز الرطب بالرطب فهنا أولى ، فأما رطبه بيابسه ونيئه بمطبوخه فلا يجوز ، وقال القاضي : لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا بعد نزع العظام كالعسل بمثله بعد التصفية .

ولا يجوز بيع المحاقلة ، وهو الحب المشتد في سنبله بجنسه ، قال جابر : المحاقلة أن يبيع الزرع بمائة فرق من الحنطة وفسره أبو سعيد باستكراء الأرض بالحنطة ، ولأنه بيع الحب بجنسه جزافاً من أحد الجانبين فإن كان بدراهم أو دنانير جاز ، إن باعه بغير جنسه ففيه وجهان أحدهما يجوز لقوله : ’ إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ’ والثاني : لا يجوز لعموم الحديث . ولا بيع المزابنة وهو بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر إلا في العرايا ، وقال أبو حنيفة : لا تحل لعموم الحديث . قال ابن المنذر : الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا ، وحديثهم في سياقه ’ إلا العرايا ’ . وإنما تجوز بشروط خمسة :

( أحدها ) أن تكون فيما دون خمسة أوسق ، ولا خلاف أنه لا يجوز في زيادة عليها وإنما تجوز فيما نقص عنها ، وأما الخمسة فظاهر المذهب أنه لا يجوز فيها وبه قال ابن المنذر ، وقال مالك : يجوز ، لأن في حديث زيد وسهل أنه رخص في العرايا مطلقاً ثم استثنى ما زاد على الخمسة ، وشك الراوي في الخمسة فبقى المشكوك فيه على الإباحة ، ، ولنا النهي عن المزابنة ثم رخص في العرية فيما دون خمسة وشك فيها فتبقى على العموم في التحريم ، وقولهم أرخص فيها مطلقاً فلم يثبت أن الرخصة المطلقة ثابتة سابقة على الرخصة المقيدة ولا متأخرة عنها ، بل الرخصة واحدة رواها بعضهم مطلقة وبعضهم مقيدة فيصير القيد المذكور كأنه مذكور في الآخر ولذلك تقيد فيما زاد على الخمسة باتفاقنا ، ولا يشتري أكثر من خمسة فيما زاد على صفقة من واحد وجماعة ، وقال الشافعي : يجوز للرجل بيع حائطه كله عرايا من واحد أو رجال في عقود متكررة لعموم حديث زيد ، ولأن كل عقد جاز مرة جاز أن يتكرر ، ولنا عموم النهي عن المزابنة استثنى منها ما ذكر فما زاد يبقى على التحريم ولان ما لا يجوز العقد عليه مرة إذا كان نوعاً واحداً لا يجوز في عقدين كالجمع بين الأختين ، ولا تعتبر حاجة البائع فلو باع رجل عرية من رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز ، وقال القاضي : لا يجوز لما ذكرنا في المشتري ، ولنا أن المغلب في التجويز حاجة المشتري .

( الثاني ) أن يكون مشتريها محتاجاً إلى أكلها رطباً فلا يجوز لغني ، وهو أحد قولي الشافعي ، وله قول تباح مطلقاً لأن كل ما بيع وقد جاز للمحتاج جاز للغني كسائر البياعات ، ولأن حديث أبي هريرة وسهل مطلقان ، ولنا حديث زيد بن ثابت ، وإذا خولف الأصل بشرط لم تجز مخالفة بدونه ولا يلزم من إباحته للحاجة إباحته مع عدمها كالزكاة للمساكين ، ولو باعها لواهبها تحرزاً من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك أو لغيره لم يجز ، وقال ابن عقيل يباح ويحتمله كلام أحمد لأن الحاجة وجدت من الجانبين ، ولنا حديث زيد ’ شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون رطباً وعندهم فضول من التمر فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر ’ والرخصة لمعنى خاص فلا تجوز مع عدمه ، ولأن في حديث زيد وسهل يأكلها أهلها رطباً ولو جازت لتخليص المعرى لما شرط ذلك.

( الثالث ) ألا يكون للمشتري نقدٌ يشترى به للخبر المذكور .

( الرابع ) أن يشتريها بخرصها من التمر ، ويجب أن يكون التمر معلوماً بالكيل لا جزافاً لا نعلم خلافاً في هذا عند من أباح بيع العرايا لقوله ’ تباع بخرصها كيلا ’ ومعناه أن ينظر الخارص إلى العرية كم تجيء من التمر فللمشتري بمثله ، وبهذا قال الشافعي ، ونقل حنبل بخرصها رطباً ويعطى تمراً وهذا يحتمل الأول ، ويحتمل أن يشتريها بتمر مثل الرطب الذي عليها قال القاضي : والأول أصح لأنه يبتني على خرص الثمار في العشر والصحيح ثم خرصه تمراً ولان المماثلة معتبرة حالة الادخار وبيع الرطب بمثله تمراً يفضي إلى فوات ذلك . وإن اشتراها بخرصها رطباً لم يجز وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي ، والثاني : يجوز ، والثالث : لا يجوز مع اتفاق النوع . ووجه جوازه ما ورى الجوزجاني عن زيد مرفوعاً ’ أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو التمر ’ ولنا ما روى مسلم عنه ’ رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرايا تؤخذ بمثل خرصها تمراً ’ و حديثهم شك في الرطب أو التمر فلا يجوز مع الشك .

( الخامس ) التقابض في المجلس لا نعلم فيه مخالفاً ، ولا يشترط فيها أن تكون موهوبة لبائعها وبه قال الشافي ، وقال مالك : بيع العرايا الجائز أن يعرى الرجل النخلات من حائطه ثم يكره صاحب الحائط دخوله حائطه لأنه ربما كان مع أهله في الحائط فيجوز أن يشتريها ، واحتجوا بأن العرية في اللغة هبة ثمرة النخل عاماً قال أبو عبيد الإعراء أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخلة عامها ذلك فتعين صرف اللفظ إلى موضوعه في اللغة ما لم يوجد ما يصرفه ، ولنا حديث زيد وهو حجة على مالك لتصريحه في جواز بيعها من غير الواهب ، ولأنه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق ، وفيه حجة على أن من اشترط كونها موهوبة لبائعها لأن العلة حاجة المشتري ولأن اشتراط ذلك مع حاجة المشتري إلى أكلها رطباً ولا ثمن معه يفضي إلى سقوط الرخصة إذ لا يكاد يتفق ذلك ، ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين ، وقال القاضي : يجوز في سائر الثمار وهو قول مالك والأوزاعي ، ويحتمل أن يجوز في العنب دون غيره وهو قول الشافعي .

ووجه الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم ’ نهى عن المزابنة ، التمر بالتمر ، إلا أصحاب العرايا فإنه أذن لهم ،وعن بيع العنب بالزبيب وعن كل ثمرة بخرصة ’ وهذا حديث حسن رواه الترمذي وهو يدل على تخصيصها بالتمر ، وعن زيد بن ثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك .


( فصل )

ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما كمد عجوة ودرهم بمدين أو بدرهمين أو بمد ودرهم ، وعنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه هذه تسمى مدّ عجوة ، وظاهر المذهب أنه لا يجوز نص عليه أحمد في مواضع روي عن سالم والقاسم وبه قال الشافعي ، وقال حرب : قلت لأحمد : دفعت ديناراً كوفياً ودرهماً . وأخذت ديناراً شامياً وزنهما سواء قال : لا يجوز إلا أن ينقص الدينار فيعطيه بحسابه فضة ، وقال أبو داود : سمعت أحمد سئل عن الدراهم بعضها صفر وبعضها فضة بالدراهم فقال : لا أقول فيه شيئاً . وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة : يجوز بما ذكرنا من على الشرط ، وقال الحسن : لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بالدراهم وبه قال الشعبي والنخعي واحتجوا بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة لم يحمل على الفساد وقد أمكن جعل الجنس في مقابلة غير الجنس ، أو جعل غير الجنس في مقابلة الزائد على المثل ، ولنا ما روى فضالة قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة ، فقال صلى الله عليه وسلم : ’ لا حتى تميز بينهما ’ قال فرده حتى ميز بينهما رواه أبو داود ، ولمسلم أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال : ’ الذهب الذهب وزنا بوزن ’ ولأن العقد إذا جمع عوضين مختلفي الجنس وجب أن ينقسم أحدهما على الآخر على قدر قيمة الآخر في نفسه فإذا فعلنا ذلك فيمن باع درهماً ومدا قيمته درهماً بمدين قيمتهما ثلاثة حصل الدرهم في مقابلة ثلثي مد والمد الذي مع الدرهم في مقابلة مد وثلث هذا إذا تفاوتت القيم مع التساوي بجهل ذلك لأن التقويم ظن والجهل بالتساوي كالعلم بعدمه ، وإن باع نوعي جنس بنوع واحد منه كدينار قراضة وصحيح بصحيحين أو حنظة حمراء وسمراء بيضاء صح أومأ إليه أحمد وهو مذهب مالك والشافعي لأن العقد يقتضي انقسام الثمن على عوضه على حسب اختلافه في قيمته ، وروي عن أحمد منعه في النقد لأن الأنواع في غير الأثمان يكثر اختلاطها فعفي عنها ، ولنا قوله : ’ الذهب بالذهب مثلا بمثل ألخ ’ وهذا يدل على الإباحة عند وجود المماثلة . وإن باع جنساً فيه الربا بجنسه ومع كل واحد من غير جنسه غير مقصود فعلى أقسام .
( أحدها ) أن يكون غير المقصود يسيراً لا يؤثر في كيل ولا وزن كالملح في الخبز وحبات الشعير في الحنطة فلا يمنع لأنه لا يخل بالتماثل ولو باع ذلك بجنس غير مقصود الذي معه كخبز بملح جاز.
( الثاني ) أن يكون غير المقصود كثيراً إلا أنه لمصلحة المقصود كالماء في الخل فيجوز بيعه بمثله ويستنزل خلطه منزلة رطوبته كالرطب بالرطب ، ومنع الشافعي ذلك كله إلا الشيرج بالشيرج لكون الماء لا يظهر فيه .
( الثالث ) أن يكون غير المقصود كثيراً أو ليس من مصلحته كاللبن المشوب بالماء بمثله والأثمان المغشوشة بغيرها فلا يجوز بيع بعضها ببعض لأن خلطه ليس من مصلحته وهو يخل بالتماثل ، وإن باعه بجنس غير مقصود كبيع الدينار المشغوش بالفضة بالدراهم احتمل الجواز لأنه يبيعه بجنس غير مقصود فيه فأشبه بيع اللبن بشاة فيها لبن ، ويحتمل المنع بناء على الوجه الآخر في الأصل ، ولودفع درهماً وقال : أعطني بنصفه نصف درهم وبنصفه الآخر فلوساً جاز ، والمرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمنه صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو حنيفة : الاعتبار في كل بلد بعادته .
( فصل ) ومتى كان أحد العوضين ثمناً والآخر مثمناً جاز النسأ فيهما بغير خلاف ، وإلا فكل شيئين يجري فيهما الربا بعلة واحدة يحرم بيع أحدهما بالآخر نسيئة بغير خلاف نعلمه عند من يعلل به ، وإن تفرقا قبل التقابض بطل العقد ، وقال أبو حنيفة : لا يشترط التقابض في غير النقدين لأن ما عداهما ليس بأثمان كبيعة بأحد النقدين ، ولنا قوله ’ يدا بيد ’ وإن باع مكيلا بموزون كاللحم بالبرّ جاز التفرق قبل القبض ، وفي النسأ روايتان ، وهذا ذكره أبو الخطاب وقال : هو رواية واحدة لأن العلة مختلفة فجاز التفرق كالثمن والمثمن ويحتمل كلام الخرقي وجوب التقابض ، وفي النسأ روايتان إحداهما لا يجوز لأنهما من أموال الربا كالمكيل بالمكيل ، والثانية : يجوز وهو قول النخعي لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفي العلة ، وعند من يعلل بالطعم لا يجيزه هنا.
وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان فيه أربع روايات : إحداهن لا يحرم النسأ فيه لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة فعليها تحريم النسأ للوصف الذي مع الجنس أما الكيل أو الوزن أو الطعم عند من يعلل به . ( فيختص تحريم النسأ بالمكيل والموزون ) الثانية : يحرم النسأ في كل مال بيع بمال آخر سواء كان من جنسه أو لا لحديث سمرة ’ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ’ قال الترمذي حديث صحيح فتكون علة النسأ المالية ، قال القاضي فعليها لو باع عرضاً بعرض ومع أحدهما دراهم : العروض نقد والدراهم نسيئة جاز ، وإن كان بالعكس لم يجز لأنه يفضي إلى النسيئة في العروض ، قال شيخنا : وهذه الرواية ضعيفة جداً لأنه إثبات حكم يخالف الأصل بغير نص ولا إجماع ولا قياس صحيح لأن في المحل المجمع عليه أو المنصوص عليه أوصافاً لها أمر في تحريم الفضل فلا يجوز حذفها ، وما هذا سبيله لا يجوز إثبات الحكم فيه وإن لم يخالف أصلا ، فكيف مع مخالفة الأصل في حل البيع ، والحديث من رواية الحسن عن سمرة وأبو عبد الله لا يصحح سماعه منه . الثالثة : يحرم النسأ في كل مال بيع بجنسه كالحيوان بالحيوان ، ولا يحرم في غيره ، وهذا مذهب أبي حنيفة ، ويروى كراهة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة عن ابن الحنفية وابن سيرين وغيرهما لأن الجنس أحد وصفي العلة . الرابعة : لا يحرم إلا فيما بيع بجنسه متفاضلا لما روى جابر رفعه ’ الحيوان اثنين بواحد لا يصلح نسأ ، ولا بأس به يدا بيد ’ قال الترمذي : حديث حسن ، ولأحمد عن ابن عمر أن رجلا قال : يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس الحديث ، والرواية الاولى أصح لموافقتها الأصل ، والأحاديث المخالفة لها فقد قال أحمد : ليس فيها حديث يعتمد عليه ويعجبني أن يتوقاه ، وإن كان أحد المبيعين لا ربا فيه والآخر فيه ربا كالمكيل بالمعدود ففي تحريم النسأ فيهما روايتان . ولا يجوز بيع الكاليء بالكاليء وهو بيع الدين بالدين .

قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد ويجزيء القبض في المجلس وإن طال ولو تماشياً مصطحبين وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ، وقال مالك : لا خير في ذلك لأنهما فارقا مجلسهما . ولنا أنهما لم يفترقا وقد دل عليه حديث أبي برزة في الذين مشيا إليه قال : ’ ما أراكما افترقتما ’ وإن قبض البعض ثم افترقا بطل في الجميع وفيما لم يقبض بناء على تفريق الصفقة . وإن تقابضا ثم افترقا فوجد أحدهما عيباً فرده بطل العقد ، هذا إن كان فيه عيب من غير جنسه ، وإن كان منه فتذكره ، والرواية الأخرى لا يبطل لأن قبض عوضه في مجلس الرد يقوم مقام قبضه ، وإذا اشترى من رجل ديناراً صحيحاً بدراهم وتقابضا ثم اشترى منه بالدراهم قراضة من غير مواطأة ولا حيلة فلا بأس ، قال أحمد : بيعها من غيره أحب إلى ، قيل له : فإن لم يعمله أنه يريد بيعها منه ؟ قال : يبيعها من غيره فهو أطيب لنفسه وأحرى أن يستوفي الذهب منه فإنه إذا ردها إليه لعله ألا يوفيه الذهب ، ولا يحكم الوزن ولا يستقصي يقول هي رجع إلى ، قيل له : فذهب ليشتري الدراهم بالذهب الذي أخذها منه من غيره فلم يجدها فرجع إليه ، قال : إذا كان لا يبالي اشتراها منه أو من غيره فلم يجدها فرجع إليه ، قال : إذا كان لا يبالي اشتراها منه أو من غيره فنعم ، وقال مالك : إن فعل ذلك مرة جاز وإن فعله أكثر من مرة لم يجز لأنه يضارع الربا ولنا حديث بلال ولم يأمره أن يبيع من غير من يشتري منه ، ولأن ما جاز من التبايعات مرة جاز على الإطلاق ، وإن تواطئا على ذلك لم يجز وكان حيلة محرمة وبه قال مالك ، وقال أبو حنيفة والشافعي : يجوز ما لم يكن مشروطاً في العقد .

( والصرف ) قسمان : أحدهما عين بعين ، الثاني أن يقع على موصوف نحو بعتك ديناراً مصرياً بعشرة دراهم ناصرية ، وقد يكون أحدهما معيناً وكل ذلك جائز ، فإن تبايعا عيناً بعين ثم تقابضا فوجد أحدهما عيباً فإن كان غشاً من غير جنسه كالنحاس في الدراهم فالصرف باطل ، وذكر أبو بكر ثلاث روايات هذه إحداها ، والثانية صحيح وللمشتري الخيار والرد وأخذ البدل ، والثالثة : يلزمه العقد ولا رد ولا بدل . ولنا أنه باعه غير ما سمى فلم يصح واللزوم لا يصح لأنه اشترى معيباً لم يعلمه فلا يلزمه بغير أرش . وإن كان العيب من جنسه كالسواد في الفضة فيصح ويخير بين الإمساك والرد ، وإن قلنا : إن النقد لا يتعين بالتعيين فله أخذ البدل ولا يبطل العقد ، ولو أراد أخذ الأرش والعوضان من جنس واحد لم يجز بحصول الزيادة ، وإن كان بغير جنسه فله أخذه في المجلس ، وإن كان بعد التفرق لم يجز إلا أن يجعلا الأرش من غير جنس الثمن كأخذ ارش عيب الفضة حنطة فيجوز ، وكذلك الحكم في سائر أحوال الربا لأنه لم يحصل التفرق قبل قبض ما شرط فيه القبض ، وإن تلف العوض في الصرف بعد القبض ثم علم عيبه فسخ ورد الموجود ويبقى قيمة المعيب في ذمة من تلف في يده سواء كان الصرف بجنسه أو غيره ، قال ابن عقيل : وروي عن أحمد جواز أخذ الأرش ، والأول أولى إلا أن يكونا في المجلس والعوضان من جنسين . وإن تصارفا في الذمة صح إذا تقابضا قبل الافتراق وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ، وعنه لا يجوز حتى يظهر أحد العينين وتعين لقوله : ’ ولا تبيعوا غائباً بناجز ’ ولأنه بيع دين بدين ، ولنا أنهما تقابضا في المجلس فالحديث يراد به ألا يباع عاجل بآجل أو مقبوض بغير مقبوض بدليل ما لو عين أحدهما فإنه يصح . وإن وجد أحدهما عيباً قبل التفرق فله المطالبة بالبدل سواء كان العيب من جنسه أو لا لأن العقد وقع على مطلق لا عيب فيه ، وإن رضيه بعيبه وهو من جنسه جاز ، وإن اختار الأرش والعوضان من جنس جاز ، وإن افترقا والعيب من جنسه فله إبداله في إحدى الروايتين وروي عن الحسن وقتادة ، والثانية : ليس له ذلك ومن نصر الأول قال : قبض الأول صح به العقد والثاني بدل عن الأول .

ويشترط أخذ البدل في مجلس الرد وإلا بطل العقد ، وإن وجد في البعض فعلى الأول له البدل ، وعلى الثانية يبطل في المردود ، وفيما لم يرد على وجهين بناء على تفريق الصفقة . وإن اختار الفسخ فعلى قوله البدل لا فسخ له إن أبدله وعلى الأخرى له الفسخ والإمساك في الجميع ، وإن اختار الأرش بعد التفرق لم يكن له ذلك ، ويجوز على الرواية الأخرى .

وإذا كان لرجل في ذمة آخر ذهب وللآخر عليه دراهم فاصطرفا لم يصح وبه قال الشافعي لأنه بيع دين بدين ، وحكى ابن المنذر الإجماع على أنه لا يجوز ، قال أحمد : إنما هو إجماع ، وحكى ابن عبد البر عن مالك وأبي حنيفة جوازه لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة .
ولو كان لرجل دنانير فقضاه دراهم شيئاً بعد شيء فإن كان يعطيه كل يوم درهماً بحسابه من الدينار صح نص عليه .

ويجوز اقتضاء أحد النقدين عن الآخر ويكون صرفاً بعين وذمة في قول الأكثرين ، ومنع منه ابن عباس وغيره ، ولنا حديث ابن عمر وفيه ’ لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء ’ قال أحمد : إنما يقضيه إياها بالسعر لم يختلفوا إلا ما قال أصحاب الرأي أنه يقضيه مكانها ذهباً على التراضي لأنه بيع في الحال فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس كما لو كان العوض عرضا ، ولنا قوله : ’ بسعر يومها ’ ولأنه جرى مجرى القضاء فتقيد بالمثل ، والتماثل هنا بالقيمة لتعذره بالصورة ، قيل لأبي عبد الله : فإن أهل السوق يتغابنون بالدانق في الدينار وما أشبهه فسهل فيه ما لم يكن حيلة ، فإن كان الذي في الذمة مؤجلا فقد توقف أحمد فيه ، ومنعه مالك لأنه غير مستحق القبض فكان القبض ناجزاً في أحدها والتأخير يأخذ قسطاً من الثمن ، والثاني : الجواز وهو قول أبي حنيفة لأن ما في الذمة يمنزلة المقبوض فكأنه رضى بتعجيل المؤجل وهذا الصحيح إذا قضى بسعر يومها ولم يجعل للمقتضي فضلا لأجل تأجيل ما في الذمة ، ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر حين سأله . ولو كان له عند رجل دينار وديعة فصارفه به وهو معلوم بقاؤه أو مظنون صح ، وإذا عرفا وزن العوضين جاز أن يصطرفا بغير وزن ، وكذلك لو أخبر أحدهما الآخر بوزن ما معه فصدقه فإن وجد أحدهما نقصاً بطل .
والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين فلا يجوز إبدالها ، وإن خرجت مقصوبة بطل العقد وبه قال مالك والشافعي ، وعن أحمد أنها لاتتعين فيجوز إبدالها وهذا مذهب أبي حنيفة ، فعلى الأول إن وجدها معيبة خير بين الإمساك والرد .

وفي إنفاق المغشوش من النقود روايتان أظهرهما الجواز ، ورواية المنع محمولة على ما يخفى غشه ويقع اللبس به ، وقد أشار أحمد إلى هذا فقال في رجل اجتمعت عنده زيوف يسكبها قيل : يبيعها بدينار ؟ قال : لا . قيل : يبيعها بفلوس ؟ قال : أخاف أن يغر بها مسلماً . فقد صرح بأنه إنما كرهه للتغرير ، وعليه يحمل منع عمر بيع نفاية بيت المال . فإن قيل فقد روي عن عمر من زافت دراهمه فليخرج بها إلى البقيع فيشتري بها سحق الثياب ، قلنا : قد قال أحمد : معنى زافت أي نفيت ليس أنها زيوف ويتعين حمله عليه جميعاً بين الروايتين .

ولا يجوز بيع تراب الصاغة والمعدن بشيء من جنسه ، وإن كان بغير جنسه فقد حكى ابن المنذر عن أحمد كراهة بيع تراب المعادن وهو قول عطاء والشعبي والشافعي لأنه مجهول ، وقيل : يجوز وهو قول مالك روي ذلك عن الحسن والمخعي .

والحيل كلها محرمة قال أيوب السختياني : إنهم ليخادعون الله كما يخادعون صبياً ، ولو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون على . وقال أبو حنيفة والشافعي : هذا جائز إذا لم يشترط في العقد . ولنا أن الله عذب أمة بحيلة اختالوها وجعل ذلك موعظة للمتقين ليتعظوا بهم . وإن اشترى شيئاً بمكسرة لم يجز أن يعطيه صحيحاً أقل منها قال أحمد : هذا الربا المحض .

ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين في دار الحرب ، وقال أبو حنيفة : لا يحرم بين مسلم وحربي في دار الحرب ، وعنه في مسلمين أسلما في دار الحرب لا ربا بينهما لما روى محكول رفعه ’ لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب ’ ولنا قوله : ( وحرم الربا ) والخبر مرسل لا نعرف صحته ويحتمل أنه أراد النهي عن ذلك ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة بخبر مجهول ، وقولهم إن مال أهل الحرب يباح ينتقض بالحربي في دار الإسلام فإن ماله يباح إلا ما حضره الأمان .

ومن هنا إلى آخر الباب من ( الانصاف ) :
وجوز الشيخ بيع المصوغ المباح من النقدين بقيمته حالا وكذا جوزه نسأ ما لم يقصد كونها ثمناً قال : وإنما خرج عن القيمة بالصنعة فليس بربوي وإلا فجنس بنفسه فيباح خبز بهريسة . وجوز أيضاً بيع موزون ربوي بالتحري للحاجة ، وعلى المذهب يجوز التفاضل فيما لا يوزن لصناعة كالمعمول من الذهب والفضة والصفر والحديد وكالمعمول من الموزونات كالخواتم والساكين ونحو ذلك اختاره الشيخ .
وبيع فلس بفلسين فيه روايتان إحداهما : لا يجوز نص عليه في رواية جماعة ، والثانية : يجوز ، فعليها لو كانت نافقة هل يجوز ؟ على وجهين . وجزم أبو الخطاب في خلافه الصغير بأنها مع نفاقها لا تباع بمثلها إلا مماثلة معللا بأنها أثمان ، ثم حكى الخلاف في معمول الحديد ، وعنه يجوز بيع ثوب بثوبين يداً بيد وأصله الوزن ولم يراع أصله .
ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزناً ألخ ، وقال الشيخ : إن بيع المكيل بجنسه وزنا ساغ . وذكر في الفروع عنه جواز بيع مكيل وزناً وموزون كيلا .
ولا يصح بيع لحم حيوان ألخ وقال الشيخ يحرم إذا كان الحيوان مقصود اللحم وإلا فلا .
ولا يجوز في غير التمر يعني العرايا إلا أن الشيخ جوز ذلك في الزرع . وخرج أيضاً جواز الخبز الطري باليابس في برية الحجاز ونحوها وبيع الفضة الخالصة بالمغشوش نظراً للحاجة .

ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما ، وعنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه اختاره الشيخ في موضع من كلامه فعليها يشترط ألا يكون حيلة نص عليه في رواية حرب ، وعنه رواية ثالثة يجوز إذا لم يكن الذي معه مقصوداً كالسيف المحلي اختاره الشيخ ، فعلى المذهب يكون من باب توزيع الأفراد على الجمل وتوزيع الجمل على الجمل ، وعلى الثانية يكون من باب توزيع الأفراد على الأفراد .

ولو صرف الفلوس النافقة بذهب أو فضة لم يجز نص عليه ، ونقل ابن المنصور الجواز اختاره الشيخ ، وما لا يدخله راب الفضل كالثياب يجوز النسأ فيه سواء بجنسه أو بغيره متساوياً أو متفاضلا . وعنه لا يجوز النسأ في كل مال بيع بآخر فعليها علة النسأ المالية ، وعنه رواية ثالثة : لا يجوز في الجنس الواحد كالحيوان بالحيوان ، وعنه رواية رابعة يجوز النسأ إلا ما بيع بجنسه متفاضلا اختاره الشيخ . ولو كان لكل واحد دين على صاحبه من غير جنسه وتصارفا ولم يحضرا شيئاً فإنه لا يجوز سواء كانا حالين أو مؤجلين ، واختار الشيخ الجواز .