كتاب الأطعمة الصفحة 1 من 2

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

الأصل فيها الحل لقوله تعالى : ’ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً’ يحل كل طعام طاهر لا مضرة فيه من الحبوب والثمار ، والحيوانات مباحة لعموم النصوص إلا الحمر الأهلية . قال أحمد : خمسة وعشرون من الصحابة كرهوها ، قال ابن عبد البر : لا خلاف اليوم في تحريمها ، وحكي عن ابن عباس وعائشة أن ما خلا المذكور في قوله : ’ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ’ الآية فهو حلال . وألبان الحمر محرمة في قول الأكثر ورخص فيها عطاء وطاوس .

وما له ناب يفرس به كالذئب والكلب والسنور إلا الضبع حرام فيه قول الأكثر ، ورخص في ذلك الشعبي وبعض أصحاب مالك لعموم الآية ، ولنا قوله : ’ أكل كل ذي ناب من السباع حرام ’ وقال أبو ثعلبة : ’ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع’ متفق عليه . قال ابن عبد البر : هذا نص صريح يخص العموم . وقال : لا أعلم خلافاً في أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه وما له مخلب من الطير يصيد به في قول الأكثر ، وقال مالك والليث : لا يحرم من الطير شيء واحتجوا بعموم الآية وقول أبي الدرداء وابن عباس : ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه ، ولنا نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير رواه أبو داود . والخمس الفواسق محرمة : الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور لأنه أباح قتلها في الحرم ولا يجوز قتل الصيد المأكول فيه ، ولأن ما يجوز أكله لا يقتل إذا قدر عليه بل يذبح ، وما يأكل الجيف كالنسر والرخم . وسئل أحمد عن العقعق فقال : إن لم يكن يأكل الجيف فلا بأس به . وما يستخبث كالقنفذ والحية والحشرات ، ورخص الشافعي في القنفذ ، ولنا قوله : ’ هو خبيثة من الخبائث ’ رواه أبو داود .

وما استطابته العرب فهو حلال ، وما استخبثته فهو حرام قال ابن عبد البر : ’ الوزغ مجمع على تحريمه وفي الثعلب والوبر وسنور البر واليربوع روايتان . والفيل محرم لأنه له ناباً . والضبع مباحة وحرمها مالك لأنها سبع ، ولنا حديث جابر : ’ أمرنا بأكل الضبع ’ قلت صيد ؟ قال : نعم احتج به أحمد وصححه الترمذي ، قال ابن عبد البر : لا يعارض حديث النهي عن كل ذي ناب لأنه أصح منه ، قلنا : هذا تخصيص لا معارض ولا يعتبر ما ذكر في التخصيص لتخصيص لعموم الكتاب بأخبار الآحاد .

والضب مباح في قول الأكثر ، وقال أبو حنيفة : هو حرام لنهيه عن أكل الضب وهو حديث لا يثبت وأباحه قول عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة ولم يعرف عن صحابي خلافه فيكون إجماعاً . وفي الهدهد والصرد روايتان .

وتحرم الجلاّلة التي أكثر علفها النجاسة وبيضها ولبنها ، وعنه يكره ولا يحرم حتى تحبس ، وكان ابن عمر إذا أراد أكلها حبسها ثلاثاً ، وقال عطاء تحبس الناقة والبقرة أربعين يوماً .

ومن اضطر إلى محرم أكل ما يسدّ رمقه ، وهل له الشبع ؟ على روايتين . ويجب الأكل على المضطر وقيل : لا لقصة عبد الله بن حذافة . وإذا اشتدت المخمصة في زمن مجاعة وعنده قدر كفايته من غير فضلة : لم يلزمه دفع ما معه ولو لم يضطر في تلك الحال لأن هذا مفض إلى هلاك نفسه وعياله وقد نهى الهل عن الإلقاء باليد إلى التهلكة . ولا يجوز التداوي بشيء محرم .

ومن مرّ بثمر في شجرة لا حائط عليها ولا ناطر فله أن يأكل منها ولا يحمل ، وعنه لا يحل إلا لحاجة والأول قول عمر وابن عباس وغيرهما لحديث عمرو بن شعيب حسنه الترمذي ، وأكثر الفقهاء على الثاني ، ولنا قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف منهم . فإن كانت محوطة لم يجز الدخول قال ابن عباس : إن كان عليها حائط فهو حريم فلا تأكل .
وفي الزرع وشرب لبن الماشية روايتان : إحداهما يجوز لحديث سمرة في الماشية صححه الترمذي وقال : العمل عليه عند بعض أهل العلم ، والثانية : لا يجوز لحديث عرم المتفق عليه ’ لا يحلب أحد ماشية أحد إلا بإذنه ’ الحديث . قال أحمد أكره أكل الطين ولا يصح فيه حديث إلا أنه يضرّ بالبدن . ويكره أكل البصل والثوم والكراث وكل ذي راحئة كريهة لقوله : ’ إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس فإن أكله لم يقرب المسجد ’ وليس أكلها محرماً لحديث أبي أيوب في الطعام الذي فيه الثوم حسنه الترمذي ، فإن أتى المسجد كره ولم يحرم ، وعنه يأثم لأن ظاهر النهي التحريم .

ويجب على المسلم ضيافة المسلم الذي يجتاز به يوماً وليلة ، فإن أبى فللضيف طلبه به عند الحاكم ، قال أحمد : الضيافة على المسلمين كل من نزل به ضيف ، قيل فإن ضاف الرجل ضيف كافر ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ’ الضيف حق واجب على كل مسلم ’ وقال الشافعي : الضيف مستحب غير واجب ، والواجب يوم وليلة والكمال ثلاثة أيام ، وقيل : الواجب ثلاثة ولا يأخذ شيئاً إلا بعلم أهله ، وعنه يأخذ بغير علمهم لحديث عقبة بن عامر المتفق عليه وفيه : ’ فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف ’ قال أحمد : هي مؤكدة وكأنها على أهل القرى فأما مثلنا الآن فكأنه ليس مثلهم ، وذلك لأن أهل القرى ليس عادتهم بيع القوت . وكره أحمد الخبر والكبار وقال : ليس فيه بركة . وذكر له حديث سلمان ’ بركة الطعام الوضوء قبله وبعده ’ فقال : ما حدث به إلا قيس بن الربيع وهو منكر الحديث قيل له : لم كره سفيان غسل اليد عند الطعام ؟ قال : لأنه من زي العجم : قيل : لم كره سفيان أن يجعل الرغيف تحت القصعة ؟ قال : كره أن يستعمل الطعام . قيل : إن أسامة قدم إليهم خبزاً فكسره ، قال : لئلا يعرفوا كم يأكلون . قيل : تكره الأكل متكئاً ؟ قال : أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ’ لا آكل متكئاً ’ ؟ ولأبي داود عن ابن عمر نهى رسول الله صلى الله عليهوسلم أن يأكل الرجل وهو منبطح .

ويستحب التسمية عند الطعام والحمد عند آخره ، ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعاً : ’ الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر ’ قال : : معناه إذا أكل وشرب يشكر الله ويحمده على ما رزقه . ولأبي داود عن عائشة مرفوعاً ’ إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله ، فإن نسى أن يذكر اسم الله في أوله فليقل : بسم الله أوله وآخره ’ ويستحب الأكل بثلاث أصابع لحديث كعب ابن مالك كان صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع . ولا يمسح يده حتى يلعقها رواه أحمد ، وذكر له حديث يأكل بكفه كلها فلم يصححه ولم ير إلا ثلاث أصابع ، وسئل عن حديث عائشة : ’ لا تقطعوا اللحم بالسكين’ فقال : ليس بصحيح وحديث عمرو بن أمية بخلافه : ’ كان يحتز من لحم الشاة فقام إلى الصلاة وطرح السكين ’ وسئل عن حديث : ’ اكفف حشأك فإن أكثر الناس شبعاً اليوم أكثرهم جوعاً يوم القيامة ’ فقال : ليس بصحيح . ولم يكن صلى الله عليه وسلم ينفخ في طعام ولا شراب ولا يتنفس في الإناء . وسئل أحمد عن غسل اليد بالنخالة فقال : لا بأس به . وسئل عن الرجل يأتي القوم وهم على طعام فجأة فدعوه يأكل ، قال : نعم وما بأس . ولأبي داود عن جابر مرفوعاً : ’ أثيبوا أخاكم ’ قيل : يا رسول الله وما إثابته ؟ قال : ’ إن الرجل إذا دخل بيته وأكل طعامه وشرب شرابه فادعوا له فذلك إثابته ’ .

ومن هنا إلى آخر الباب من ( الانصاف ) :
قوله : وما يأكل الجيف ،وعنه يكره . وجعل الشيخ روايتي الجلالة فيه وقال : عامة أجوبة أحمد ليس فيها تحريم . وقال : إذا كان ما يأكلها من الدواب السباع فيه نزاع أو لم يحرموه ، والخبر في الصحيحين فمن الطير أولى .

قوله : وما يستخبث ؟ قال الشيخ : وعند أحمد وقدماء الأصحاب لا أثر لاستخباث العرب وإن لم يحرمه الشرع حل واختاره . وقال أول من قال يحرم الخرقي وإن مراده ما يأكل الجيف لأنه تبع الشافعي وهو حرّمه بهذه العلة . ويباح أكل دود الفاكهة معها . وعلل أحمد القنفذ بأنه بلغه أنه مسخ ، أي لما مسخ على صورته دل على خبثه قال الشيخ . وقال أحمد عن تفتيش التمر المدود : لا بأس به إذا علمه . ويجوز أن يعلف النجاسة الحيوان الذي لا يذبح أو لا يحلب قريباً واحتج أحمد بكسب الحجام والذين عجنوا من آبار ثمود ، وعن أحمد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أذن القلب ، وكره أكل الغدة ، وكره أحمد حباً ديس بالحمر ، ويجب تقديم السؤال عن الأكل المحرم ، وقال الشيخ : لا يجب ولا يأثم .

قوله : وإن لم يجد إلا طعاماً لم يبذل فإن كان مالكه مضطراً فهو أحق به ، وهل له الإيثار ذكر في الهدي في غزوة الطائف أنه يجوز وأنه غاية الجود . قوله : وإلا لزمه بذله بقيمته واختار الشيخ : يجب بذله مجاناً كالمنفعة .
والواجب للضيف كفايته وأوجب الشيخ المعروف عادة قال : كزوجة وقريب . قال : ومن امتنع من الطيبات بلا سبب شرعي فمذموم مبتدع .