كتاب احكام تمنى الموت الصفحة 1 من 9

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآله وصحبة وسلم . عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ' لايتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنيا، فليقل: اللهم أحيينى ماكانت الحياة خيرا لى وتوفنى إذا كانت الوفاة خيراً لى ' ولمسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لايتمنين أحدكم الموت ولايدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم أنقطع عمله، وإنه لايزيد المؤمن عمره إلا خيرا'، وللبخارى عنه مرفوعا ً ' لايتمنين أحدكم الموت، إما محسناً فلعله أن يزداد، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب '، ولأحمد والحاكم عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:' لاتمنوا الموت، فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد حتى يرزقه الله الإنابة ' وقال أنس: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن تمنى الموت لتمنيناه . أخرجاه، ولأحمد فى حديث أبى هريرة: 'إلا أن يكون قد وثق بعمله ' وعن أبى بكرأن رجلا قال: يارسول الله، أى الناس خير؟ قال : 'من طال عمره وحسن عمله ' قال : فأى الناس شر ؟ قال: ' من طال عمره وساء عمله ' صححه الترمذى، ولأحمد عن أبى هريرة قال: كان رجلان من بلى وهم حى من قضاعة أسلما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهد أحدهما، وأخر الآخر سنة، قال طلحة بن عبيد الله: فرأيت الجنة، فرأيت الموخر منها أدخل قبل الشهيد، فتعجبت لذلك فأصبحت، فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم، فقال: 'أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة، أو كذا وكذا ركعة، صلاة السنة ' وله عن طلحة مرفوعا ً ' ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر فى الاسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله ' وفى حديث الرؤيا ' وإذا أردت بقوم فتنة فأقبضنى إليك غير مفتون 'وأخرج مالك عن عمر انه قال: اللهم قد ضعفت قوتى، وكبرت سني، وانتشرت رعيتى، فاقبضنى إليك غير مضيع ولامقصر . فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض، وأخرج احمد عن عليم الكندى قال: كنت مع أبى عبس الغفاري على سطح، فرأى قوما يتحملون من الطاعون، فقال: ياطاعون خذنى إليك . ثلاثا يقولها، فقال له عليم: لم تقول هذا ؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : لايتمنى أحدكم الموت فإنه عند ذلك انقطاع عمله ولايرد فيستعتب ' ؟ فقال أبو عبس: أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ' بادروا بالموت ستاً، إمارة السفهاء، وكثرة الشرط وبيع الحكم، واستخفافاً بالدم، وقطيعة الرحم ، ونشواً اتخذوا القرآن مزامير ، يقدمون الرجل ليغنيهم بالقرآن ، وإن كان أقلهم فقهاً ' وللحاكم عن الحسن عن ابن عمر مثله وأخرج ابن سعد عن أبى هريرة مثله ، لكن ذكر التهاون بالذنب بدل الدم ، وللطبرانى عن عمرو بن عبسة : ' لايتمنى أحدكم الموت ، إلا ان يثق بعمله ، فإن رأيتم فى الأسلام ستاً فتمنوا الموت ، وإن كانت نفسك بيدك فأرسلها ' فذكر كما تقدم ، وأخرج الحاكم فى المستدرك عن ابن عمرو مرفوعا ' تحفة المؤمن الموت ' ولأحمد وسعيد عن محمود بن لبيد مرفوعاً ' اثنتان يكرهما ابن آدم ، يكره الموت والموت خير له من الفتنة ، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب ' وأخرج أبو نعيم عن عمر بن عبد العزيز قال : إنما خلقتم للأبد ولكنكم تنقلون من دار إلى دار . وأخرج سعيد فى سننه عن على فى قوله: (والنازعات غرقاً' قال: هى الملائكة تنزع أرواح الكفار ( والناشطات نشطاً) هى الملائكة تنشط أرواح الكفار مابين الأظفار والجلد حتى تخرجها ( والسابحات سبحا ً) هى الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض ( فالسابقات سبقاً) هى الملائكة يسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله .وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله: (والنازعات غرقا) قال: هى أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق فى النار . وأخرج عن الربيع بن أنس فى قوله : ( والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً ) قال : هاتان الآيتان للكفار عند نزع النفس تنشط نشطا عنيفاً مثل سفود جعلته فى صوف فكان خروجه شديداً ، ( والسابحات سبحا فالسابقات سبقاً) قال : هاتان للمؤمنين . وأخرج عن السدي فى قوله: (والنازعات غرقاً) قال: النفس حين تغرق فى الصدر . وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال: لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى سدرة المنتهى، وإليها ينتهى مايعرج من الأرواح – وفى حديث الإسراء عن أبى هريرة: ثم انتهى إلى سدرة – فقيل له: هذه السدرة ينتهى إليها كل أحد خلا من أمتك على سبيلك . أخرجه ابن جرير وابن أبى حاتم . ولمسلم عن أبى هريرة قال: إذا خرج روح المؤمن تلقاها ملكان فصعدا بها، فذكر من طيبها، وتقول أهل السماء: روح طييبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلقون به إلى ربه تعالى، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل، وإن الكافر إذا خرجت روحه، فذكر من نتنها، وذكر لعناً، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل . ولحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ' إن المؤمن إذا قبض أتته ملئكة الرحمة بحرير أبيض، فيقولون: أخرجى راضية مرضياً عنك إلى روح الله وريحان ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا فيشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون: مأطيب هذه الريح التى جاءت من قبل الأرض ! كلما أتواسماء قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أفرح به من أحدكم بغائبه إذا قدم عليه فيسألونه: مافعل فلان ؟ فيقولون : دعوه حتى يستريح ، فإنه كان فى غم الدنيا ، فإذا قيل لهم : ماأتاكم ؟ فإنه قد مات ، يقولون : ذهب به إلى أمه الهاوية . وأما الكافر فتأتيه ملائكة العذاب بمسح ، فيقولون : أخرجى ساخطة مسخوطا ً عليك إلى عذاب الله وسخطه ، فتخرج كأنتن ريح جيفة ، فينطلقون إلى باب الأرض ، فيقولون : ماأنتن هذه الريح! . كلما أتوا على أرض قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح الكفار . وأخرج هناد وعبد فى تفسيره، والطبرانى بسند رجاله ثقات، عن عبد الله بن عمرو قال: إذا قتل العبد فى سبيل الله، فأول قطرة تقع على الأرض من دمه يكفر الله له ذنوبه كلها ، ثم يرسل الله بريطه ، من الجنة ، فتقبض فيها نفسه ، وبجسد من الجنة حتى تركب فيه روحه ، ثم يعرج مع الملائكة كأنه كان معهم منذ خلقه الله ، حتى يؤتى به الرحمن ، فيسجد قبل الملائكة ثم تسجد الملائكة بعده ، ثم يغفر له ويطهر ، ثم يؤمر به إلى الشهداء ، فيجدهم فى رياض خضر وقباب من حرير ، عندهم ثور وحوت يلقنانهم كل يوم بشيء لم يلقناه بالأمس ، يظل الحوت فى أنهار الجنة ، فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه ، فذكاه ، فأكلوا من لحمه ، فوجدوا فى طعم لحمه كل رائحة من ريح الجنة ، ويبيت الثور نافشاً فى الجنة ، يأكل من تمر الجنة ، فإذا أصبح غدا عليه الحوت فذكاه بذنبه ، فأكلوا من لحمه ، فوجدوا فى طعم لحمه كل ثمرة من الجنة ، ينظرون إلى منازلهم ، ويدعون الله بقيام الساعة . وإذا توفى العبد المؤمن، أرسل إليه ملكين بخرقة من الجنة وريحان من ريحان الجنة، فقال: أيتها النفس الطيبة . أخرجى إلى روح وريحان ورب غير غضبان، اخرجى فنعم ماقدمت، فتخرج كأطيب رائحة مسك وجدها أحدكم بأنفه، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون: سبحان الله ! لقد جاء من الأرض اليوم ريح طيبة، فلايمر بباب إلا فتح له، ولاملك إلا صلى عليه وشفع، حتى يؤتى به ربه عز وجل ، فتسجد الملائكة قبله ، ثم يقولون : ربنا هذا عبدك فلان ، توفى وأنت أعلم به ، فيقول : مروه بالسجود فتسجد النسمة ، ثم يدعى ميكائيل فيقال : اجعل هذه النسمة مع أنفس المؤمنين ، حتى أسالك عنها يوم القيامة ، فيؤمر بقبره ، فيوسع له ، طوله سبعون ، وينبذ فيه الريحان ، ويبسط له فيه الحرير ، وإن كان معه شيء من القرآن نوره ، وإلا جعل له مثل نور الشمس ، ثم يفتح له باب إلى الجنة ، فينظر إلى مقعده من الجنة ، بكرة وعشياً . وإذا توفى الله العبد الكافر، ارسل إليه ملكين وأرسل إليه بقطعة بجاد أنتن من كل نتن، وأخشن من كل خشن، فقالا: أيتها النفس الخبيثة، اخرجى إلى جهنم وعذاب أليم ورب عليك ساخط ، أخرجى ، فساء ماقدمت ، فتخرج كأنتن جيفة وجدها بأنفه قط ، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون : سبحان الله ! لقد جاء من الأرض جيفة ونسمة خبيثة لايفتح لها باب السماء فيؤمر بجسده ، فيضيق عليه فى القبر، ويملاء حيات مثل أعناق البخت تأكل لحمه ، فلاتدع من عظامه شيئاً ، ثم يرسل الله ملائكة صماً عمياً، معهم فطاطيس من حديد ، لايبصرونه فيرحمونه ، ولايسمعون صوته فيرحمونه ، فيضربونه ويخبطونه ، ويفتح له باب من النار ، فينظر إلى مقعده من النار ، بكرة وعشية ، يسأل الله أن يديم ذلك عليه ، فلايصير إلى ما وراءه من النار . وأخرج البيهقى وغيره عن أبى موسى قال: 'خرج نفس المؤمن وهى أطيب ريحا من المسك ' الحديث ، وأخرجه أبو داود بنحوه ، وفيه ' فيصعد به من الباب الذى كان يصعد عمله منه ' وفى آخره فى الكافر : ' فيردوه إلى أسفل الأرضين الثرى ' وأخرج ابن أبى حاتم وغيره عن ابن عباس فى قوله : ( وقبل من راق ) قال : قيل من يرقى بروحه ، ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ وفي الصحيحين : حديث الرجل الذي اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . وأخرج سعيد فى سننه عن الحسن قال: إذا احتضر المؤمن حضره خمسمائة ملك،فيقبضون روحه ، فيعرجون به إلى السماء ، فتلقاهم أرواح المؤمنين الماضية ، فيريدون أن يستخبره ، فتقول لهم الملائكة : ارفقوا به ، فإنه خرج من كرب عظيم ، ثم يستخبرونه ، حتى يستخبر الرجل عن أخيه وعن صاحبه ، فيقول :هو كما عهدت،حتى يستخبرونه عن إنسان قد مات قبله،فيقول : أو ماأتى عليكم ؟ فيقولون : أو قد هلك ؟ فيقول:إى والله ، فيقولون : قد ذهب به إلى أمه الهاوية ، فبئست الأم ، وبئست المربية . وللحاكم فى المستدرك عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ان أباه مرض مرضاً ، فأغمى عليه ، حتى ظنوا أنه قد فاضت نفسه ، حتى قاموا من عنده ، وجللوه ثوباً ، ثم أفاق ، فقال : أنه أتانى ملكان ، فظان غليظان، فقالا انطلق بنا نحاكمك إلى العزيز الأمين، فذهبا به، فلقيهما ملكان هما أرق منهما وأرحم،فقالا : أين تذهبان ؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين فقالا: دعاه فإنه ممن سبقت له السعادة وهو فى بطن امه، وعاش بعد ذلك شهراً، ثم توفى رضى الله عنه . وقال سعيد فى سننه: حدثنا سفيان عن عطاء: أن سلمان أصاب مسكاً، فاستودعه امرأته، فلما حضر الموت، قال: أين الذى كنت استودعتك ؟ قالت :' هو ذا قال : فأديفيه بالماء ورشيه حول فراشى ، فإنه يحضرنى خلق من خلق الله لايأكلون الطعام ، ولايشربون الشراب ، ويجدون الريح . وأخرج ابن أبى الدنيا عن مكحول قال: قال عمر: احضروا موتاكم، وذكروهم فإنهم يرون مالا ترون . ولسعيد عن الحسن عن عمر: احضروا موتاكم، ولقنوهم لا إله إلا الله فإنهم يرون ويقال لهم . وله عن مكحول عنه: لقنوا موتاكم لاإله إلا الله واعقلوا ماتسمعون من المطيعين، فإنه يجلى لهم أمور صادقة . ولابن أبى شيبة عن يزيد بن شجرة الصحابى قال: مامن ميت يموت حتى يمثل له جلساؤه عند موته، إن كانوا أهل لهو فأهل لهو، وإن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر . ولابن أبى الدنيا عن مجاهد نحوه، وذكر البيهقى قول الرجل حين لقن: اشرب واسقنى وقول الآخر: ده يازده . وأخرج ابن أبى الدنيا عن حنظلة بن الأسود قال مات مولاي، فجعل يغطى وجهه مرة، ويكشفه أخرى، فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: بلغنا ان نفس المؤمن لاتخرج حتى يعرض عليه عمله خيره وشره . وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن: أن معاذ بن جبل طعن ابنه عام عمواس، فمات فصبر واحتسب ، فلما طعن فى كفه قال: حبيب جاء على فاقة ، لاأفلح من ندم ، قال : فقلت يامعاذ هل ترى شيئاً ؟ شكر لى ربى حسن عزائى . أتانى روح ابنى، فبشرنى ان محمداً صلى الله عليه وسلم فى مائة صف من الملائكة المقربين والشهداء والصالحين، يصلون على روحى، ويسوقوني إلى الجنة . ثم أغمى عليه، فرأيته فى المنام بعد ذلك حوله، ويقول: مرحبا مرحبا، أتيتكم، فقضى، فرأيته فى المنام بعد ذلك حوله زحام كزحامنا على خيل بلق عليهم ثياب بيض، وهو ينادى: ياسعد بن رامح ومطعون ، الحمد لله الذى أورثنا الجنة نتبوأ منها حيث نشاء ، فنعم أجر العاملين ، ثم انتبهت .