جذور ألم من 1 الى 3 الصفحة 1 من 16

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

هكذا تسير الأمور ، دون أرادة أو تخطيط ، تتدرج وتنحني ، تتشابك وتتداخل ، تنمو وتتعاظم ، تجدل نفسها كضفائر من شعر بدائي ، مجعلك ، يخمش الوجنات ، ويجرح الخدود ، قال في ذاته ، وهو يخطو نحو السهل الممتد بين قمم متسامقة متعالية ، لم يكن يعلم كيف تسير به قدماه ، بل هو لم يكن يعرف في أكثر الأحيان أي الطرق سلك حتى وصل إلى تلك الصخرة المزروعة على انزلاق طرف الجبل الساقط من أعلى إلى أسفل .

بينه وبين تلك الصخرة ، علاقة وطيدة ، يمكن لمسها باليد ، والإحساس بمكوناتها تماما كالإحساس بخصلات الشعر الساقطة على الوجنتين ، حتى عين الماء المنبثقة من تحت الصخرة ، كانت ترسل رقرقات خاصة عند وصوله إليها ، فيبدو خريرها وكأنه يخاطبه بلغة متوافقة، مياهها شديدة الصفاء ، شديدة النقاء ، تبدو كجدول من بلور شديد الشفافية ، تحاول بكل ما تملك من رهبة وهدوء ، أن تتسلل إلى نفسيته ، كي تتغلغل فيها ، تحركها نحو نقطة من بياض أو نقاء ، أو على الأقل ، أن تضع بعضا من بيوضها بأعماق ذاته المسربلة بغموض مجهول يندفع نحو حيرة مشدوهة ، لكن ، كل ذلك كان ينكسر ، ليسقط من جديد بجريان الماء المنغمس برحلة ضياع بين باطن الأرض وحرارة الشمس ، وأفواه الناس والحيوان وجذور النبات .

منظره لا يوحي بالغرابة بالنسبة لمشاهد عادي ، فهو طويل القامة باعتدال ودون إفراط ، تحتل رأسه صلعة ملساء تشبه إلى حد ما الصخرة التي اعتادت حضوره ، يتخللها بعض ندوب تدل على قساوة الرأس وعنادته ، ممتلئ الجسم ، بدون ترهل أو تبعج ، ينفرج شاربه بطريقه غزيرة ، ثم يتدلى ليخفي الفم ، وكأنها محاوله مقصوده لإخفاء الشفتين الجافتين ، ملابسه عاديه ، لا فقر فيها ولا ثراء .

لكنه للروائي ، أو القاص ، يبدو من الوهلة الأولى ، متخم بالرمزية ، فبريق عينيه اللامعتين ، المتأجج بشهوة الغموض والمجهول ، المتكاتف مع نظرته الذاهلة ، الغارقة بتأمل ممتد بين الدهشة والمباغتة ، يكاد يرسي بالنفس مجموعة من مشاعر تستفز الفؤاد بنوع غريب من المبهم المتداخل مع رغبات روائية لتسلق جدر الدهشة الموزعة بين خفقات الرواية ووجيب الواقع ، شاربه الكث الغزير المتساقط نحو الفم المغلف بصمت متناه ، وجمل قليلة ، لاذعة أحيانا ، ومحيرة أحيانا أخرى ، ومستنفره في بعض الأحايين ، أضف إلى هذا ، الارتباط القائم كأنشودة إغريقية بينه وبين الصخرة وبين عين الماء المرفضة من قاع الصخرة أو أسفل الأرض التي تحتضنها ، هذا ، يضيف إلى عين الراوي مساحات لا يمكن للإنسان العادي ولوجها ، أو حتى الوقوف على أطراف غليانها وانبثاقها كرؤى حالمة مشبعة بالحزن والألم والقلق المتواصل مع كآبة معتقة تكاد تمتد إلى بدء التكون البشري على حافة الكون .

صحيح أن الراوي يملك مخيلة خصبة ، مترعة بتفاصيل مبتكرة ، تركب فوق مكونات الشخصية لتظهرها بصورة خاصة ، يكون الراوي المشكل الأساسي لنمط تكوينها ، لكن الأكثر صحة ، أن الراوي إنما يحاول تشكيل الشخصية حسب قوة خفية تكاد تكون أكثر اندماجا ووضوحا ، بل وأكثر علما ومعرفة ، بتفاصيل الشخصية من صاحبها الذي يمارس الحياة وفق ظن قائم لديه بأنه يعرف ما يريد من تصرفاته وأفكاره ، والاهم وهمه المطلق باعتقاده بأنه يعرف تطور إحساساته وانفعالاته ، وتقلبات مرجل عواطفه وهواجسه .

ذات يوم سألته ، ما سر علاقتك بالصخرة هذه ؟ قال : اسأل الصخرة ، قلت كيف أسالها ؟ فهي لا تنطق ، لا تبوح ، نظر إلي بازدراء متعاظم ، قاسني من أخمص القدمين إلى قمة الرأس ، ثم سأل ، ما علاقتك بالسؤال ؟ قلت : المعرفة ، قال : أنت تبحث عن شيء آخر ، لا علاقة له بالمعرفة ، قد تجده يوما ، إن تحولت إلى إنسان ، قلت : وما علاقتك بالجدول ؟ قال : اسأل الجدول . قلت : الجدول لا يجيب ، لا يعرف لغة الحروف ، قال : وهل تعرفها أنت ؟ قلت نعم ، قال : اوتظن أن بينك وبين الوهم فرق كبير ؟ ونهض من مكانه ، التفت نحو قمة الجبل المتصل بالصخرة ، نظر في عيني ، أرسل شهقة ، قال : أليس غريبا لك أن يكون الجدول نابعا من قدم الجبل لا من قمته ؟ وقبل أن أجيب استدار نحو الطريق ، وبدأ رحلة الابتعاد عن دهشة عقدت كياني وغلت روحي .

بدأت جمله تسير نحو شخصيتي الروائية ، تمد جذورها بعمق وصلابة ، ذات يوم ، قدر لي أن أرى جذور شجرة التين التي تبدو هشة من الخارج ، فغصونها غير متماسكة ، غير صلبة ، تعودنا منذ الطفولة أن نسمع الناس ، أهل الخبرة بالأرض والزراعة ، يصفون شجر التين بالخواء من القوة والصلابة ، هم يعرفون ذلك بالتواتر ، بالعادة ، بالتنقل بين أنواع الأشجار ، لكن نحن ، كنا نعرف الأمر عن طريقهم فقط ، وعن طريقهم عرفنا شجر الحور القابل للتشكل والطي ، وكذلك شجر البلوط الغارق بأساطير القوة والمتانة والصلابة ، ومنهم أيضا عرفنا ، معنى النور الناهض من زيت الزيتون المعمر ، لكن جذور التين ، عرفتها بالرؤيا ، حين بدأت الحفارة العملاقة بنزع الأرض من قاعها ، كنا نشاهد الجذور وهي تخرج على فم الحفارة وهي ملتفة على بعضها ، متكاتفة ، شاقة طريقها بين زوايا الصخور ومفاصلها ، وكأنها تملك دماغا قادرا على تحديد نقطة الضعف الكامنة في مفصل الصخر لتندس من خلاله وتتضخم ، فتشق الصخر وتفتته ، وتمتد بين مفاصل أخرى وأخرى ، فتبدو وكأنها تخوض ملحمة تاريخية ، لا ينهيها فم حفارة عملاقة ، أو خروج صخرة من باطن الأرض لتصبح معلما من معالم المشاهدة اليومية للعيون التي قدر لها أن تمعن النظر بتلك الصخرة المنزوعة من باطن الأرض من اجل هدف بناء أو تسوية للأرض ، لكن دون أن يخطر ببال احد ، معنى انتقال الصخرة من قاع الأرض إلى السطح ، وما يحمل هذا الانتقال من تبدل وتغير ، للمكان والزمان .

فالمكان ، لم يكن قبل لحظات من انتشال الصخرة ، يشكل نفس التضاريس التي بركت الصخرة فوقها ، والزمن ، لم يكن قبل تلك اللحظات هو ذات الزمن الذي سبق خروج الصخرة إلى المشهد ، بل بدأ عصر جديد ، يمتلكه محسوس الجغرافيا ، ويتغلغل فيه عمق الانسياب غير المرئي للزمن المولود والمتكيف مع العهد الجديد لتلك البقعة الصغيرة ، لكن الأمر الأكثر أهمية من كل ذلك ، هو جذر التينة التي اقتحمت مكونات وعينا والتصقت به ، لتشكل حيزا من ذاكرة نعرفها ولا نستطيع لمسها ، مع زمن تبدل فيه إدراكنا حول شجرة التين ، لتتشابه تلك اللحظات مع اللحظات التي غيرت معلم المكان والزمان عند خروج الصخرة من مكمنها لتتلاحم مع المشهد الجديد .

حين بحت للناس بهذا النزر اليسير من التفكير ، وحين قلت لهم ، بأنني قادر على كتابة ألف صفحة حول المشهد الجديد ، تلفتوا نحو بعضهم ، تهامسوا ، واخفوا بسمة غارقة بالسخرية والاستغراب ، وكان هذا أيضا ، مشهدا جديدا متصلا بمشهد الصخرة ذاتها ، ولو أخبرتهم يومها ، بأنهم جميعا ، في لحظة ما تحولوا إلى مكون من مكونات ما سخروا واستهزؤوا منه ، لطاحت عقولهم ، وانخمدت رؤاهم ، فتركتهم ، وتوجهت نحو السهل ، حيث ترقد الصخرة التي تعانق صديقنا غريب الأطوار ، لا لشيء ، سوى أنني احتاج إلى حالة من السهوم ، تدفعني لسؤال الصخرة عملا بغرابة النصيحة التي أسداها لي ذاك الرجل .

وجدته هناك ، يجلس كعادته ، غارقا في السهوم المبطن ، اقتربت منه ، وبدأت أحدثه عن جذور التين ، وأسهبت بوصف المتانة والخبرة التي تملكها الجذور ، وانقلبت فورا إلى إسهاب مفرط لوصف هشاشة الأغصان ، ولأول مرة منذ عهد بعيد ، أدار رأسه وتبسم ، كانت ابتسامته تحمل مواصفات الشخصية الروائية ، دون تجميل أو تنميق ، وبدت الملامح عن قرب ، مع اختلاطها بالابتسامة ، نافرة ، تخرج من عهود متشابكة متكاتفة ، حتى انعقاد الجبين ، كان يخفي بين الطيات مشهدا أسطوريا ملفعا بهلام الغموض الذي يفيض نحو المجهول .