في كنيسة الصفحة 1 من 3

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

قيل ويقال حوْل العربي المهاجِر، وبالتخصيص المسلِم المهاجر، هربًا من فقْر لوح أفئدة الناس، ومَحَق رُؤاهُم، وسَحَق تطلعاتِهم، وكأنِّي بمَن يتحدَّث عنهم، يودُّ لو يحملهم أمانة الأمَّة والتاريخ، والدِّين والحضارة، أو أن يضعَهم على فاصلٍ شديدِ الحساسية في النظر إلى مسألةِ الثبات على المبادِئ، والانتماء إلى الماضي الذي عاشَه المسلمون سابقًا، والعرَب والمسلمون حديثًا، وكأنَّهم يَملِكون الكثيرَ من الخيارات والفُرص، أو أنَّه يسود اعتقاد بأنَّ أمانات الأمم والشعوب لا محلَّ لها ولا وجود إلاَّ في رِقاب المهاجِر الذي خرَج دون أن يَملكَ مِن حقه الحصولَ على كرامة الامتناع عن الحاجة لمعدَّات أطفالٍ، يتضوَّرون ويَلُوبون جوعًا وفقرًا وحاجة، وكأنَّ بمَن دفعه خارج الوطن، يُطالِبه بحمْل أمانة الدفْع والطرد بطريقة لم يحملْها هو أو مَن هم مثلُه منذ فترات طويلة.

لم يدفعني لهذا الكلامِ سوى رؤيةِ الناس هنا في أرْض المهْجَر، رؤية العائلاتِ والأفراد كيف يتحوَّلون مِن منطق العرَب، إلى منطِق الغرْب، ومِن عذوبة عاداتنا وتقاليدنا، إلى الانحلال حتى من الخُلُق الذي يمكنه أن يُؤطِّر العادة، ويتعهَّدها بالرِّعاية والنمو؛ كي تكونَ حارسًا منَ انهيار، أو مِن تلاحُقِ السقوط وتمكُّنه.

ورؤيتي للدُّول الإسلامية التي مَنَّ الله عليها بحُمْر النَّعَم، وهي تستورد الأيدي العامِلة من بلدان لا تمتُّ للدِّين أو العادات بصِلة، وتُقصِي عن عمْدٍ وقصْدٍ كلَّ أملٍ لمسلِم بتلك النعم، وإن كنا بفضل الله ورحمته لا نحمل حقدا أو ضغينة على تلك الدول، فذلك ليس مِن منشأٍ مدروسِ الأسباب والنتائج، بل مِن فِطرة لا تستطيع الانفلاتَ مِن حبِّ الأصْل والمنشأ، والوَحْدة في الدِّين والتاريخ، والعاطفة والإحساس، ولكن لا يمكن تجريدُنا من شعور السخْط واللوم والحَسْرة؛ لأنَّنا في لحظة المحاسَبة للتجريد، سنكون مُجْبَرين على استبدالِ التجريد بالبُغْض والكراهية والحِقد، وهذا ما نسأل الله أن يُبعِدنا عنه حتى يُقضَى الأجَل في يومٍ معلوم.

كثيرٌ من القصص ستُرَوى حولَ هذا، لكن البَدْء بالرِّواية عن اليومِ الذي كان لا بدَّ فيه من دخولِ الكنيسة، هو أول الاختيارات وأسْماها.

كنَّا قد خلعْنا أنفسَنا من الوطن، ليس هربًا من موْت أو شهادة، ولا الْتجاء لأمنٍ مفقود فوقَ الثَّرى الموزَّع على مساحات الألَم والوجع والدمار، بل من وطنٍ تشابكتْ فيه الاعتقاداتُ، واختلفتِ الرُّؤى، إلى حدِّ أنَّنا لم نتمكن أن نَرَى إنْ كان ثرَى الوطن قد بقِي تحت أقدامنا أم انزَلَق، كانتِ الصدمة من كلِّ النواحي أكبرَ وأعظمَ مِن أن يستوعبَها عقل جاهل أو أحْمَق، فكيف بعقلٍ يستطيع أن يرَى ويُفكِّر؟!

أفَقْنا فوجدْنا أنفسَنا عُراةً من كل شيء، من التاريخ والثورة، والأخلاق والوطن، حتى إنَّنا كنَّا عُراة من أنفسنا، مِن ذاتنا التي كانتْ ترفد انخسافَنا بلحظاتِ الضعْف بقوَّة تُمكِّننا من النهوض والوقوف، لكنَّنا حين أفقْنا قبلَ الرحيل، أدركْنا بأن الأمر لم يعد كما كان، وأيقنَّا بأنَّ الوطن لم ينزلقْ مِن تحت خُطواتنا، بل سُحِب لنبقَى معلَّقين بالهواء، فإن وافقْنا على شكلِ العقل والوطن الجديدين، أُعيدتِ الأرضُ لنرتكِزَ عليها، وإنْ رفضْنا، فإنَّنا لا نعلم مكانَ السقطة أين ستكون؟

لملمْنا جِراحَنا، ونحن معلَّقون بالهواء، لعَقْنا دماءَنا، شربْنا دموعَنا، عضضْنا على الوجعِ عضةً نَمر أو أسد، كنَّا نحاول الوقوفَ في الهواء لفترة أطول، الانتصاب في مراكزَ فاصلة بيْن الموت وبيْن الحياة، بيْن الوطن أو السقوط ببُقعة لم تكن ضِمنَ الحسابات أو التوقُّعات مِن بعيد، كنَّا نطارد رغيفَ الخبز، وأنا أعْني ما أقول، رغيف الخبْز فقط، دون الطمَع بلحْم أو لبن، أو حتى بصحنِ فول أو حمص أو قُرْص فلافل، لكن معادلة المطارَدة كانت أعلَى من قدراتنا، وأقوى من إمكاناتِنا، الرغيف أسرع منَّا بالاختفاء والتخفِّي، ونحن كنَّا قد وصلْنا إلى مرحلةِ الإرْهاق القُصوى، بحثْنا عن أطفالنا، فوجدناهم فاغرين الأفواه، معلّقين بالدهشة والذُّبول، بتحطُّمِ ملامحهم، وعلامات الحياة بوجوهِهم، فكان علينا أن نَسير في مسارٍ واحد، لم يكن غيرُه موجودًا أو مطروحًا، فقد بحثْنا برُوح متوثِّبة للالْتِصاق بالوطن، وبعزم الأولياء للوفاء للأرْض، لكنَّنا لم نجد أمامَنا سوى مسارٍ واحِد، فتَحَه الوطن لنا، كان مسارًا يقود إلى الهِجرة، فهاجرْنا.

بعد تَرْحَال وعَناء، من عاصمة إلى عاصمة، ومن مطار إلى مطار، وصلْنا مملكةَ النرويج، ألْقَيْنا متاعَنا على أبواب الذلِّ والإهانة، ووقفْنا كما وقَف أجدادُنا طالبين اللجوءَ مِن قسوة الحياة، وظلم الأهل والأقارب، فمنحْنا حقَّ البقاء للنظر في قضيتنا، ووزعنا على مخيمات لجوءٍ متفرِّقة، وكان مِن نصيبي المخيم الواقِع في جنوب النرويج، والذي يحمل اسم ‘مخيم نارلند’.

لم نكنْ نعلمُ آنذاك أنَّنا على أبواب أمور كثيرة، لم نسمعْ عنها من قبل، ولم نتوقَّعْ أن نتصادَم معها بأي طريقةٍ من الطُّرُق؛ ولأنَّ اللجوء يعني لفئاتٍ معينة معانيَ يُحدِّدها عقلهم الموبوء بالانهيارِ والانحطاط، فقد كانتْ ملامح المستقبل الذي ينتظرُنا تبدو مِن خلال الستائر المزاحة قليلاً عن وجهِ المستقبل الذي سنمرُّ به خطوةً وراءَ خطوة.

حين يسود الاعتقادُ الجازم بأنَّك قادم من أرْضِك لعجز قائم بالأرض التي أتيتَ منها، وبالحضارة التي دفعتْك خارجَ أحشائها، يكون من السَّهْل أيضًا الاعتقاد اليقيني أنَّك جاهزٌ لبيع ذاتك لأيِّ مارٍّ من جوارك، دون النظر للثمن المدفوع، ودون الالْتِفات للماضي الذي قدمت منه، واتصلتَ به كلَّ مراحل حياتك.

مِن هذا المعتقَد، كانتِ المحاولات التنصيريَّة تبدأ من اللَّحْظة التي تدفع حقائبك إلى أرْض الغُرْفة التي منحتْ لك لتقيمَ فيها، فبين (شهود يهوه) الذين يقتحمون عزلتَك وتاريخك، وبيْن أنصار الكنيسة الذين يملكون أسلوبًا واعيًا لاستدراجِك مِن أجل التنازُل عن كلِّ ما تملك، وأعز ما تملك.

أمَّا (شهود يهوه)، فسيكون لي جولة أُخرى للكتابة عنهم؛ لأنَّني لم أر في حياتي أسلوبًا أكثرَ دناءةً وانحطاطًا من الأسلوب الذي يتبعون، وهو ما سأكتُب عنه لاحقًا بأدقِّ التفاصيل.

لكن القصَّة التي بها سأبدأ، بدأتْ مع وجودِ شخْص نرويجي، كان يزور المخيَّم ويَلْتقي مع الشباب المسلِم، في محاولة منه لإظهار رُوح المساعدة والتعاطُف مع الناس الذين حاقَ بهم الظلمُ، فأصبحوا لاجئين، لم يتمتَّعْ بأي ذكاء أو حصافة، إلا أنَّه استطاع بطريقةٍ ماكِرة أن يَدخل في مشاعِرِ الناس دون أن يُوحي لهم بأنَّه يضع خططًا من أجل الذَّهاب بهم إلى النصرانية.

ومع تقدُّم وتوثق الصِّلات به وبزوجته، كان العرْض يومًا على مجموعة من الشباب أن تذهب للكنيسة للتفاعُلِ الاجتماعي، والتعرُّف على طُرقِ العبادة النصرانية، وتم تأمين المواصلات لهذا الغرَض، وطبعًا وضعت بعضُ المُلْصَقات حيث يمكن لكلِّ اللاجئين رؤيتها، وحين شاهدتُ مجموعةً مِن الناس تودُّ الذَّهاب، وكنتُ أعرِف مدى ضعفِهم في العلوم الدِّينيَّة، والحجج المنطقية، فقد آثرتُ الذَّهابَ معهم بعد أن عجزت عن ردِّهم عما هم فيه.

وصَلْنا الكنيسة بعدَ المغرب، وهي ليستْ بعيدةً عن مخيَّم اللجوء، في مدينة تُدْعَى ‘برينا’، واسم المدينة يستخدم في النرويج على منطقة لا تتعدَّى شكل القرية أو ما هو أقل مِن ذلك في البلدان الأخْرَى، دخلْنا، فوجدْنا مجموعةً من اللاجئين قد سبقتْنا إلى هناك، لكنَّها من مخيَّم آخر أو مكانٍ آخر، لا صِلةَ له بالمخيم، وكان بعضُ النرويجيِّين، وبرفسور في عِلم اللاهوت النصراني.