فتاوى ومسائل الصفحة 9 من 25

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

المسألة الرابعة عشرة سئل رحمه الله عن مسائل: الأولى – قوله في باب حكم المرتد: أو استهزأ بالله أو كتبه أو رسله كفر، فما وصف هذا الاستهزاء المكفر؟. الثانية- قول الشيخ: أو كان مبغضاً لما جاء به الرسول اتفاقاً، فما معنى هذا؟ وقوله: أو جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، ما وصف هذه الوسائط والتوكل والدعاء والسؤال؟. الثالثة- قولهم : أو أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين كفر، فما وصف هذا الدين والقول المكفر؟. الرابعة- قوله: أو نطق يكلمة كفرٍ ولم يعلم معناها فلا يكفر بذلك، هل المعنى: نطق بها ولم يعرف شرحها أو نطق بها ولم يعلم أنها تكفره؟. الخامسة- قولهم: ومن أطلق الشارع كفره كدعواه إلى غير الله، إلى آخره، فالعلماء فيه أقوال أيها أقرب إلى الصواب؟. السادسة- الذبح للجن، قال الشيخ: وأما ما يذبحه الآدمي خوفاً من الجن فمنهى عنه. ونحن لم نفهم من النهي إلا هذا فإذا قلنا: يكفر من ذبح للجن فما دليلنا على المخالف؟. السابعة- قولهم: إذا دعاه إمام أو نائبه، وقولهم: ولا يكفر ولا يقاتل قبل الدعاية، هل المتغلب على بلدٍ حكمه حكم الإمام في الدعاية وإقامة الحدود أم لا؟ يلزمه ذلك شرعاً أم لا؟ فإذا تركه وهو يقدر عليه فما حكمه؟. الثامنة- المسائل الفروعية من الطهارات والصلاة والزكاة والحج والمعاملات والأنكحة والدعاوى وغيرها، نحن عندنا أن تعلمها وتعليمها بعد معرفة الله وتوحيده وإفراد العبادة له: أنه هو الفقه المتفق على فضله، وهو العلم النافع، وهو الأفضل بعد الجهاد، وهل الفتوى من كتب الترجيح المسماة عند أهل العلم، أفردوا فيها الراجح عندهم وأوردوا القول المقابل المقوى عندهم في بعض المسائل؟ أم الفتوى من المطولات؟ فربما أطلقوا الأقوال فلم ندر ما نفتي به أو نعمل به من الأقوال إلا من كتب المتأخرين وكتب أهل الترجيح، ونحن فرضنا التقليد فما نفتي به منه؟ التاسعة- بعض الناس يحتج علينا أن المرتد لا يقتل إلا بعد الاستتابة وقبلها ثبوت الردة، فما الجواب؟ العاشرة- قولهم في الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالشيوخ والعلماء المتقين، وقولهم: يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح، وقيل: يستحب، قال أحمد: إنه يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه، وقال أحمد وغيره في قوله عليه السلام: (( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق )) الاستعاذة لا تكون بمخلوق، فما معنى هذا الكلام؟ وما العمل عليه منهما أم على قوله فما المعنى؟ وقولهم في الشرح: قال إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف الترياق المجرب، فما معنى هذا الكلام؟ قال في الفروع: قال شيخنا: قصده الدعاء عنده رجاء الإجابة بدعة لا قربة باتفاق الأئمة، فما معنى هذا الكلام؟. الحادية عشرة- قال في ((الاقناع)) في آخر الجنائز: ولا بأس بلمسه- أي القبر- باليد، وأما التمسح به والصلاة عنده وقصده لأجل الدعاء عنده معتقداً أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره أو النذر له ونحو ذلك – قال الشيخ- فليس هذا من دين المسلمين، بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك، فهل هذا شرك أصغر أم أكبر، مع قوله هناك في باب النذر: قال الشيخ: النذر للقبور وأهل القبور كالنذر لإبراهيم عليه السلام أو الشيخ فلان نذر معصية لا يجوز الوفاء به، مع قوله في الجنائز قبله في الشرح: يكره النباء على القبور، إلى أن قال ابن القيم: يجب هدم القباب، إلى أن قال: ويكره المبيت عنده وتجصيصه وتزويقه إلى آخره، إلى أن قال: فالظاهر من هذه الكراهة أو التحريم. فهل يترتب على هذا غير الكراهة أو التحريم؟ أفدناك جزاك الله خيراً. فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: بعد السلام فسرني ما ذكرت – ألهمك الله التوفيق- ولا تعذر من السؤال فإن هذا هو الواجب عليك وعلى غيرك، كما قالوا: مفتاح العلم السؤال. ولكن اعلم أن المسائل والعلوم المهجورة (لا) يفهمها الإنسان إلا بعد المراجعة والمذاكرة ولو كانت واضحة. وهذه المسائل من العلوم المهجورة كما ذكرت فعل الطلبة في باب حكم المرتد، مع أن معرفة الله ومعرفة حقه أجل العلوم وأشرفها ، فلا تستح من المراجعة وكثرة السؤال ما بقي في نفسك شيء من الإشكال. وقولك: إن أهل العلم لم يشرحوها، فكثير من الكتب لم يوجد عندكم وإلا جميع ما ذكرت قد شرحوه . فأما المسألة الأولى: فالعلماء استدلواعليها بقوله تعالى في حق بعض المسلمين المهاجرين في غزوة تبوك ( ولئن سألتم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)، فذكر السلف والخلف أن معناها عام إلى يوم القيامة فيمن استهزأ بالله والقرآن أو الرسول. وصفة كلامهم أنهم قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء. يعنون بذلك رسول الله والعلماء من أصحابه، فلما نقل الكلام عوف بن مالك أتي القائل يعتذر أنه قاله على وجه اللعب كما يفعل المسافرون فنزل الوحي أن هذا كفر بعد الإيمان ولو كان على وجه المزح . والذي يعتذر يظن أن الكفر إذا قاله جادا لا لاعباً. إذا فهمت أن هذا هو الاستهزاء فكثير من الناس يتكلم في الله عز وجل بالكلام الفاحش عند وقوع المصائب على وجه الجد، وأنه لا يستحق هذا، وأنه ليس بأكبر الناس ذنباً. وكذلك من يدعي العلم والفقه – إذا استدللنا عليه بآيات الله- أظهر الاستهزاء، وهذه المسألة لعلك لا تحررها تحريراً تاماً إلا من الرأس إذا أوقفناك على نصوص أهل العلم ذكروا أشياء لعل كثيراً من الناس لا ينكرها لو سمعها. الثانية – قوله: أو كان مبغضاً لما جاء به الرسول ولم يشرك بالله، ولكن أبغض السؤال عنه ودعوه الناس إليه، كما هو الحال من يدعي العلم ويقرر أنه دين الله ورسوله ويبغضونه أكثر من بغض دين اليهود والنصارى، بل يعادون من التفت إليه، ويحلون دمه وماله، ويرمونه عند الحكام. وكذلك الرسول أتي بالإنذار عن الشرك، بل هو أول ما أنذر عنه وأعظم ما أنذر عنه، ويقرون أنه أتي بهذا، ويقولون: خلق الله ما يتيهون ، وينصرون بالقلب واللسان واليد. والتكفير بالاتفاق فيمن أبغض النهي عنه وأبغض الأمر بمعاداة أهله ولو لم يتكلم ولم ينصر فكيف إذا فعل ما فعل وكذلك من جعل بينه وبين الله وسائط: يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم إجماعاً، وذكروا أن هذا بعينه هو الذي يفعله أهل زمانهم عند القبور فكيف بزماننا؟ يبينه لك قول الشارح لما ذكر هذا وذكر بعده أنواعاً من الكفر المخرج عن الملة قال: وقد عمت البلوى بهذه الفرق، وأفسدوا كثيراً من عقائد أهل التوحيد، نسأل الله العفو والعافية. انتهى كلامه في شرح ((الإقناع)) فإذا كان هذا في زمنه لم يذكره عن عشرة أو مائة بل عمت به البلوى في مصر والشام في زمن الشارح فأظنك تقطع أن أهل القصيم ليسوا بخير من أهل مصر والشام في زمن الشارح. فتفطن لهذه المعاني وتدبرها جيداً. واعلم أن هذه المسألة أم المسائل ولها ما بعدها، فمن عرفها معرفة تامة تبين له الأمر، خصوصاً إذا عرف ما فعل المويس وأمثاله مع قبة الكواز وأهلها، وما فعله هو وابن إسماعيل وابن ربيعة وعلماء نجد في مكة سنة الحبس مع أهل قبة أبي طالب، وإفتائهم بقتل من انكر ذلك، وأن قتلهم وأخذ أموالهم قربة إلى الله، وأن الحرم الذي يحرم اليهودي والنصراني لا يحرمهم. ثم تكفر في الأحياء الذين صالوا معهم، هل تابوا من فعلهم ذلك وأسلموا، وعرفوا أن عشر معشار ما فعلوا ردة عن الإسلام بإجماع المذاهب كلها؟ أم هم اليوم على ما كانوا عليه بالأمس؟ والمويس وابن إسماعيل وأضرابهما إلى اليوم علماء يعظمون ويترحم عليهم، ومن دعا الناس إلى التوحيد وترك الشرك هم الخوارج الذين خرجوا من الدين اليوم !! فا الله الله ! استعن بالله في فهم هذه المسألة، واحرص على ذلك لعلك أن تخلص من هذه الشبكة. فلو يسافر المسلم إلى أقصى المشرق أو المغرب في تحرير هذه المسألة لم يكن كثيرا. والفكرة فيها في أمرين: أحدهما في صورة المسألة وما قاله الله ورسوله وما قال العلماء. والفكرة الثانية: إذا عرفت التوحيد الذي دعت إليه الرسل، أولهم نوح عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأقر به من أقر، كيف فعلوا: هل أحبوه ودخلوا فيه ؟ أم عادوه وصدوا الناس عنه؟ وكذلك لما عرفوا ما جاء به الرسول من إنكار الشرك والوسائط، وعرفوا قول العلماء إنه الذي عمت به البلوى في زمانهم، هل فرحوا بالسلامة منه، ونهوا الناس عنه؟ أم زينوه للناس، وزعموا أن أهله السواد الأعظم، وثبتوه بما قدروا عليه من الأقوال والأعمال، وجاهدوا في تثبيته كجهاد الصحابة في زواله؟ فالله ! الله! بادر ثم بادر ثم بادر، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ)). فأنت تعرف بدأه يوم قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: من مسك على هذا؟ قال: حر وعبد – ومعه يومئذ أبو بكر وبلال. وقد قال الفضل ابن عياض في زمانه – وهو قبل الإمام أحمد: لا تترك طريق الحق لقلة السالكين، ولا يغرك الباطل لكثرة الهالكين. ومع هذا وأمثاله وأمثاله من البيان وأضعاف أضعافه ( من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً ومرشداً) وما أشكل عليك من هذا فراجع فيه، فإن كلام العلماء في أنه الشرك الأكبر، وأنه اشتهر عند كثير من زمانهم أكثر من أن يحصر . وأما الثالثة – فالقول الصريح في الاستهزاء بالدين مثل ما قدمت لك. وأما الفعل فمثل مد الشفة وإخراج اللسان أو رمز العين، مما يفعله كثير من الناس عند ما يؤمر بالصلاة والزكاة، فكيف بالتوحيد. الرابعة- إذا نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها صريح واضح أنه يكون نطق بما لا يعرف معناه. وأما كونه أنه لا يعرف أنها تكفره فيكفي فيه قوله: (لا تعتذروا قد كفرتهم بعد إيمانكم) فهم يعتذرون للنبي صلى الله عليه وسلم ظانين أنها لا تكفرهم، والعجب ممن يحملها على هذا وهو يسمع قوله تعالى: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) ( إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون) ( وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) أيظن أن هؤلاء ليسوا كفاراً؟ ولكن لا تستنكر الجهل الواضح لهذه المسائل لأجل غربتها. ومن أحسن ما يكشف لك الإشكال ما قدمت لك بإجماع العلماء أن هذا كثر في زمانهم ، وأيضاً علماء بلدانهم أكثر من علماء بلدانكم. الخامسة- أن من أطلق الشارع كفره بالذنوب، فالراجح فيها قولان: أحدهما ما عليه الجمهور أنه لا يخرج من الملة. والثاني الوقف كما قال الإمام أحمد: أمروها كما جاءت، يعني لا يقال يخرج ولا ما يخرج وما سوى هذين القولين غير صحيح. السادسة- قوله : الذبح للجن منهي عنه، فاعرف قاعدة أهملها أهل زمانك، وهي: أن لفظ ((التحريم)) و ((الكراهة)) وقوله: (( لا ينبغي))- ألفاظ تستعمل في المكفرات، والمحرمات التي هي دون الكفر، وفي كراهة التنزيه التي هي دون الحرام. مثل استعمالها في المكفرات: قولهم لا إله إلا الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وقوله: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً) ولفظ التحريم مثل قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً). وكلام العلماء لا ينحصر في قولهم: ((يحرم كذا)) لما صرحوا في مواضع أخر أنه كفر، وقولهم ((يكره)) كقوله تعالى : (( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه)) إلى قوله: (كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها) وأما كلام الإمام أحمد في قوله: ( أكره كذا) فهو عند أصحابه على التحريم. إذا فهمت هذا فهم صرحوا أن الذبح للجن درة تخرج، وقالوا: الذبيحة حرام ولو سمى عليها، قالوا لأنها يجمع فيها مانعان، الأول: أنها مما أهل به لغير الله، والثاني: أنها ذبيحة مرتد والمرتد لا تحل ذبيحته وإن ذبحها للأكل وسمى عليها. وما أشكل عليك في هذا فراجعني وأذكر لك لفظهم بعينة. السابعة- إذا دعاه إمام أو نائبه فالأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولو لا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرف أن أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم. وقولك: هل يجب عليك، فنعم يجب على كل من قدر عليه وإن لم يفعل أثم. ولكن أعداء الله يجعلون هذه الشبهة حجة في رد ما لا يقدرون على جحده، كما أني لما أمرت برجم الزانية قالوا: لا بد من إذن الإمام، فإن صح كلامهم لم يصح ولا يتهم القضاء ولا الإمامة ولا غيرها. الثامنة – مسائل: الحلال، والحرام، والبيوع، والأنكحة وغيرها من أهم أمور الدين وأفضل الأعمال، ولكن تفصيل ما ذكرت من الراجح يحتاج إلى تفصيل لا تحتمله الأوراق، ولعله بالمذاكرة إذا التقينا إن شاء الله. التاسعة: لا يقتل المرتد إلا بعد الاستتابة فهذا صحيح، ولم نفعل ذلك مع أحد قاتلناه إلا بعد اللتيا والتي من الاستتابة. العاشرة- قولهم في الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالصالحين: وقول أحمد: يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، مع قولهم إنه لا يستغاث بمخلوق، فالفرق ظاهر جداً، وليس الكلام مما نحن فيه، فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين وبعضهم يخصه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر العلماء ينهي عن ذلك ويكرهه، فهذه المسألة من مسائل الفقه، ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور إنه مكروه فلا ننكر على من فعله، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، لكن إنكارنا على من دعا لمخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى، ويقصد القبر يتضرع عند ضريح الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب فيه تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإعطاء الرغبات فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً، ولكن يقول في دعائه: أسألك بنبيك، أو بالمرسلين، أو بعبادك الصالحين، أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده، لكن لا يدعو (إلا) الله مخلصاً له الدين، فأين هذا مما نحن فيه؟ المسألة الحادية عشرة- في لمس القبر أو قصده للدعاء عنده، فليس هذا من دين المسلمين، فهذا هو الصواب بلا ريب. وكون الشارح ذكر كلام الحربي أن قبر معروف الترياق المجرب، فهذا لا ينكر لأن العلماء يذكرون في المسألة القولين أو أكثر، ويرجحون الراجح أو يتوقف بعضهم، ولكن كلام الشيخ بضد كلام الحربي مخالف له. منكر له، ولكن ليكن منك على بال ما أخرجاه في الصحيحين (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات)) فتدبر هذا، وأرعه سمعك، وأحضر قلبك، إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمره أن لا يدعوهم إلى الصلوات الخمس إلا إن استجابوا للتوحيد، فكيف بمن لا يهمه في دينة إلا بعض مسائل الاجتهاد مع ما يراه من سب الناس للتوحيد، واستحلالهم دم من دان به وماله. ودعوتهم إلى الشرك الأكبر، ودعواهم أن أهله السواد الأعظم، ثم مع هذا إذا أخذهم السيف كرهاً قالوا: ما خالفنا والناس يكذبون علينا وعرفنا الكذب، وإلا جميع ما جرى منهم لم يقروا به ولم يتوبوا منه، والرسول صلى الله عليه وسلم هذه وصيته لمعاذ. فالله الله في تدبر هذا الحديث، وتدبر ما عليه أعداء الله من العداوة للتوحيد. وأما المسائل التي ذكر في الجنائز: من لمس القبر، والصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء، أو كذا وكذا، فهذا أنواع. أما بناء القباب عليها فيجب هدمها، ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده وقصده لأجل الدعاء فكذاك لا أعلمه يصل إلى ذلك، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك، فيشتد نكير العلماء لذلك، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). وذكر العلماء أنه يجب التغليظ في هذه الأمور لأنه يفتح باب الشرك، كما أنه أول ما حدث في الأرض بسبب ود وسواع ويعوق ونسر، لما عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم يتذكرون بها الآخرة، ثم بعد ذلك بقرون عبدوا، فكذلك في هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه)) فأول ما حدث الصلاة عند القبور والبناء عليها من غير شرك، ثم بعد ذلك بقرون وقع الشرك. وأول ما جرى من هذا أن بني أمية- لما بنو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم- وسعوه واشتروا بيوتاً حوله، ولم يمكنهم إدخال بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذي فيه قبره وقبر صاحبيه، ولكن أدخلوا البيت في المسجد لأجل توسيع المسجد ولم يقصدوا تعظيم الحجرة بذلك، لكن قصدوا تعظيم المسجد، ومع هذا أنكره علماء المدينة حتى قتل خبيب بن عبد الله بن الزبير بسبب إنكاره ذلك. فانظر إلى سد العلماء الذرائع. وأما النذر له ودعاؤه والخضوع له فهو من الشرك الأكبر، فتأمل ما ذكره البغوي في تفسير سورة نوح في قوله تعالى : (( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً) الآية، وما ذكر أيضاً في سورة النجم في قوله: ( أفرأيتم اللات والعزى) أن اللات قبر رجل صالح. فتأمل الأصنام التي بعثت الرسل بتغييرها كيف تجد فيها قبور الصالحين؟ والحمد لله رب العالمين.