فتاوى ومسائل الصفحة 4 من 25

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

المسألة الرابعة سأله محمد بن صالح عن رشوة الحاكم الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لعن الراشي والمرتشي. وذلك أنه وقع بينه وبين سلميان بن سحيم مجادلة في ذلك. سألتم رحمكم الله عن رشوة الحاكم الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لعن الراشي والمرتشي، وذكر له أن بعض الناس حملها على ما إذا حكم الحاكم بغير الحق، وأما إذا أخذ رشوة من صاحب الحق وما حكم له به فهي حلال، مستدلاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (( أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله))، وأنكم استدللتم عليه بقوله تعالى: ( ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً) وأجابكم بأنها نزلت في كعب بن الأشرف، وبأن الناس فرضوا لأبي بكر لما تولى الأمر درهمين كل يوم، وكذلك قوله من قال لا أحكم بينكما إلا بجعل. فأقول: أما صورة المسألة فهي أشهر من أن تذكر، بل هي تعلم بالاضطرار فإن حكام زماننا- لما أخذوا الرشوة- أنكرت عليهم العقول والفطر بما جبلها الله عليه من غير أن يعلموا أن الشارع نهى عنها، ولكن إذا جادل المنافق بالباطل فربما يروج على المؤمن فيحتاج إلى كشف الشبهة، فنقدم قبل الجواب مقدمة، وهي.أن الله سبحانه لما أظهر شيئاً من نور النبوة في هذا الزمان، وعرف العامة شيئاً من دين الإسلام – وافق أنه قد ترأس على الناس رجال من أجهل العالمين وأبعدهم من معرفة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وقد صاروا في الرياسة بالباطل وفي أكل أموال الناس، ويدعون أنهم يعملون بالشرع، ولا يعرفون شيئاً من الدين إلا شيئاً من كلام بعض الفقهاء في البيع والإجارة والوقف والمواريث، وكذلك في المياه والصلاة، ولا يميزون حقه من باطله، ولا يعرفون مستند قائله. وأما العلم الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوا منها خبراً، ولم يقفوا منه على عين ولا أثر، فقد تزاحمت بهم الظنون (وتقطموا أمرهم بينهم زبراً كل حزبٍ بما لديهم فرحون). ومصداق هذا كله أن الداعي- لما أمرهم الله ونهاهم عن عبادة المخلوقين- أنكروا ذلك، وأعظموه، وزعموا أن جهالة وضلالة، مع كون هذه المسألة أبين في دين محمد صلى الله عليه وسلم من كون العصر أربعاً والمغرب ثلاثاً، بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى ذلك وجادل عليه وقاتل عليه. فهؤلاء الذين يزعمون أنهم علماء اشتد إنكارهم علينا لما تكلمنا بذلك، وزعموا أنه دين ومذهب خامس، وأنهم لم يسمعوه من مشائخهم ومن قبلهم. وبالجملة فهذا الحق قذ خالف أهواءهم من جهات متعددة: الأولى: أنهم لا يعرفونه مع كونهم يظنون من العلماء. الثانية- أنه خالف عادة نشأوا عليها، ومخالفة العادات شديدة. الثالثة- أنه مخالف لعلمهم الذي بأيديهم، وقد أشربوا حبة، كما أشربت بنو إسرائيل حب العجل. الرابعة: أن هذا الدين يريد أن يحول بنيهم وبين مآكلهم الباطلة المحرمة الملعونة. إلى غير ذلك من الأمور التي يبتلي الله بها العباد. فلما ظهر هذا الأمر اجتهدوا في عداوته وإطفائه بما أمكنهم، وجاهدوا في ذلك بأيديهم وألسنتهم، فلما غلظ الأمر وبهرهم نور النبوة ولم يجيء على عاداتهم الفاسدة، فتفرقوا فيه كما تفرق إخوانهم الأولون، فبعضهم قال: مذهب ابن تيميةو كما لمزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبن أبي كبشة. وبعضهم قال: كتب باطلة، كقولهم: ( أساطير الأولين أكتتبها) وبعضهم قال: هذا يريد الرياسة، كما قالوا: ( أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض). وتارة يرمون المؤمنين بالمعاصى، كما قالوا لنوح فأجابهم بقوله: (وما علمي بما كانوا يعلمون). وتارة يرمونهم بالسفاهة ونقص العقل، كما قالوا:( أنؤمن كما آمن السفهاء)، فأجابهم الله تعالى : ( ألا إنهم السفهاء) الآية. وتارة يضحكون من المؤمنين ويستهزئون بأفعالهم التي خالفت العادات، كقوله تعالى : ( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون) وتارة يكذبون عليهم الأكاذيب العظيمة، كقوله : ( فقد جاءوا ظلماً وزوراً). وتارة يرمون دين الإسلام بما يوجد في بعض المنتسبين إليه من رثاثة الفهم والمسكنة، كما قالوا: (وما نراك إلا الذين هم أراذلنا) وتارة تقطع قلوبهم من الحسرة والغيظ إذا رأوا الله رفع بهذا الدين أقواماً ووضع به آخرين، كقولهم ( أهولاء من الله عليهم من بيننا)إلى غير ذلك من الأمور التي يطول ذكرها. وبالجملة فمن شرح الله صدره للإسلام ورزقه نوراً يمشي به في الناس، بينت له هذه الأمور التي وقعت في وقتنا هذا كثيراًَ من معاني القرآن، وتبين له شيء من حكمة الله في ترداد هذا في كتابه لشدة الحاجة إليه، فيقال لهؤلاء المردة آكلي أموال الناس بالباطل ومذهبي أديانهم مع أموالهم ما قال عمر بن عبد العزيز: (( رويداً يا ابن بناته فلو التقت حلقتا البطان ورد الفيء إلى أهله لأتفرغن لك ولأهل بيتك حتى أدعهم على المحجة البيضاء، فطالما تركتم الحق وأوضعتم في الباطل)). وأما المسألة والجواب عنها فنقول: قد علم بالكتاب والسنة والفطر والعقول تحريم الرشوة وقبحها. والرشوة هو ما يأخذ الرجل على إبطال حق وإعطاء باطل. وهذه يسلمها لك منازعك. وهي أيضاً ما يؤخذ على إيصال حق إلى مستحقه، بل يسكت ولا يدخل فيه حتى يعطيه رشوة، فهذه حرام، منهي عنها بالإجماع، ملعون من أخذها، فمن ادعى حلها فقد خالف الإجماع. وقوله: بأي شريعة حكمت بتحريم هذا؟ فنقول: حكمت به شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمع على ذلك علماء أمته، وأحل ذلك المرتشون الملعونون. ومن أنواع الرشوة: الهدايا التي تدفع إلى الحاكم بسبب الحكم ولو لم يكن لصاحبها غرض حاضر، لا أعلم أحداً من العلماء رخص في مثل هذا. والعجب إذا كان في كتابكم الذي تحكمون فيه: يجب العدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه وكلامه والدخول عليه، فأين هذا من أكل عشرة حمران على أحد الخصمين، وإن لم يعطه أخذ بدلها من صاحبه وحكم له؟ سبحان الله أي شريعة حكمت بحل هذا ؟ أم أي عقل أجازه؟ ما أجهل من يجادل في مثل هذا، وأقل حياءه، وأقوى وجهه! وأما أدلته التي استدل بها فلا تنس قوله تعالى : ( فإما الذين في قلوبهم زيغ) الآية. ولما جادل النصارى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألوهية عيسى، واحتجوا بشيء من القرآن، وكذلك الخوارج يستدلون على باطلهم بمتشابه القرآن، وكذلك الذين ضربوا الإمام أحمد يستدلون عليه بشيء من متشابه القرآن،وما أنزل الله ( فأما الذين في قلوبهم زيغ) إلا لما يعلم من حاجة عباده إليها. وأما استدلال هذا الجاهل الظالم بقوله (( أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) فجوابه من وجوه: الأول: أن المؤمنين إذا فسروا شيئاً من القرآن بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه وكلام المفسرين ليس لهم فيه إلا النقل- اشتد نكيرهم عليهم ويقولون : القرآن لا يحل لكم تفسيره، ولا يعرفه إلا المجتهدون، وتارة تفتري الكذب وتقول: إن ابن عباس إذا أراد أن يفسره خرج إلى البرية خوفاً من العذاب، وأمثال هذه الأباطيل والخرافات ومرادهم بذلك سد الباب، فلا يفتح للناس طريق إلى هذا الخير، فيكون نقلنا لكلام المفسرين منكراً، وتفسيرك كتاب الله على هواك وتحريفك الكلم عن مواضعه حسناً! هذا من أعجب العجاب! الوجه الثاني- أن هذا لو كان على ما أولته فهو في الأخذ على كتاب الله، وأنتم متبرئون من معرفة كتاب الله والحكم به، وشاهدون على أنفسكم بذلك. الوجه الثالث: أن هذا لو كان فيما ذهبت إليه لكان مخصوصاً بتحريم الرشوة التي أجمع الصحابة على تحريمها. الوجه الرابع: أن حمل الحديث على هذا من الفرية الظاهرة والكذب البحث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن معني ذلك في الإنسان الذي يداوي المريض بالقرآن فيأخذ على الطب والدواء، لا على الحكم وإيصال الحق إلى مستحقه. ويدل عليه اللفظ الآخر. (( كل فتى أكل برقية باطل فقد أكل برقية حق)) والقصة شاهدة بذلك توضحه. الوجه الخامس: وهو أن يقال لهذا الجاهل المركب : من استدل قبلك بهذا الحديث على أن الحاكم إذا أراد أن يوصل الحق إلى مستحقه يجوز له أن يشترط لنفسه شرطاً فإن حصل له ، وإلا لم يفعل؟ فإن كان وجده في كتاب الله فليبين مأخذه. وما ظنه بأهل العلم الأولين والآخرين الذين أجمعوا على ذلك؟ لا يجوز أن يظن أن إجماعهم باطل وأنهم لم يفهموا كلام نبيهم حتى فهمه هو. وأما استدلاله بأن الناس فرضوا لأبي بكر رضى الله عنه لما ولى عليهم كل يوم درهمين، فهذا من أعجب جهله، ومثل هذا مثل من يدعي حل الزنا الذي لا شبهة فيه، ويستدل على ذلك بأن الصحابة يطأون زوجاتهم! وهذا الاستدلال مثل سواء بسواء! وذلك أن استدلاله بقصة أبي بكر رضي الله عنه تدل على شدة جهله بحال السلف الصالح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي العمال من بيت المال، وكان الخلفاء الراشدون يأكلون من بيت المال ويفرضون لعمالهم: ولا أعلم عاملاً في زمن الخلفاء الراشدين لا يأكل من ذلك، بل الزكاة التي هي للفقراء جعل الله فيها نصيباً للعمال الأغنياء، ولكن أبا بكر رضي الله عنه لما ولى واشتغل بالخلافة عن الحرفة، وضع رأس ماله في بيت المال،واحترف للمسلمين فيه، فأكل بسبب وضع ماله في بيت المال وبسبب الحرفة، فأين هذا من أكل الرشوة التي حرمها الله ورسوله؟ وأين هذا من الحاكم الذي إذا وقعت الخصومة فأكثرهم برطيلاً يغلب صاحبه؟ ( سبحانك هذا بهتان عظيم). فإن قالوا: لما عدم بيت المال أكلنا من هذا. قلنا: هذا مثل من يقول: أنا أزني لأني أعزب لا زوجة لي. فهو هذا من غير مجازفة. وقولهم: نفعل هذا لأجل مصلحة الناس. فنقول: ما على الناس أضر من إبليس ومنكم، أذهبتم دنياهم وآخرتهم والناس يشهدون عليكم بذلك. هؤلاء أهل شقرا شرطوا لابن إسماعيل كل سنة ثلاثة وثلاثين أحمر، ويسكت علن الناس ويريحهم من أذاه، ولا يحكم بين اثنين، ولا يفتي، فلم يفعل واختار حرفته الأولى. وأما جوابه لمن استدل عليه ( ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً) بقوله نزلت في كعب بن الأشرف. فهذا ترس قد أعده هؤلاء الجهال الضلال لرد كلام الله- إذا قال لهم أحد: قال الله كذا قالوا: نزلت في اليهود، ونزلت في النصارى، نزلت في فلان. وجواب هذا الشبهة الجاهلة الظالمة الفاسدة من وجوه: الأول : أن يقال: معلوم أن القرآن نزل بأسباب، فإن كان لا يستدل به إلا في تلك الأسباب بطل استدلاله بالقرآن وهذا خروج من الدين. الثاني: أنك تقول: لا يجوز تفسير القرآن، فكيف فسرت هذه الآية بأنها خاصة بابن الأشرف؟ الثالث : من نقلت عنه من العلماء أن الآية إذا نزلت في رجل كافر أنها لا تعم من عمل بها من المسلمين؟ من قال بهذا القول قبلك؟ وعمن نقلته؟. الرابع: أن هذا خروج من الإجماع، فما زال العلماء من عصر الصحابة فمن بعدهم يستدلون بالآيات التي نزلت في اليهود وغيرهم على من يعمل بها، ولكن هذا شأن الجاهلين الظالمين الذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد. فأما الكلام في الطواغيث، مثل: إدريس وآل شمسان، فالكلام على هذا طويل. ولكن هؤلاء الذين يخاصمونك لا يعبأون بكلام الله ولا كلام رسوله ، ولا عندكم إلا ما في كتابهم، فقل: إذا كان كتابكم قد صرح تصريحاً لا مزيد عليه، ونقل الإجماع على أن من فعل عشر معشار فعل هؤلاء الطواغيث أنه كافر حلال الدم والمال، وقد صرح بأن من شك في كفرهم فهو كافر، فكيف إذا مدحهم وأثني عليهم؟ فكيف إذا ضم إلى ذلك مدح طريقتهم مثل ما يفعله ناس من الظالمين في الرياض: يمدحون طريقتهم ويمدحونهم ويذمون دين الإسلام ويسبونه وأهله ويسمونهم السبابة، ومنهم من ينصر مذهب ابن عربي وابن الفارض ويدعون إليه،وهؤلاء عند المجادل الذي يدعي أنه يعرف (الإقناع) ويعمل به من الخواص، ولو يقال لا يصلى خلفهم، ولا تقبل شهادتهم، وأنهم فسقة- لأنكر علينا هذا الذي يدعي أنه فقيه، بل هم أحبابه وأصحابه وأنصاره، فكيف لو يقال: إنهم كفار مرتدون يجب قتلهم إن لم يتوبوا! فخاصمه بكتابه ، فإن بين من العبادات غير ما فهمنا فيذكره بدليله، وإن زعم أن كتابه باطل فيذكر الدليل على بطلانه، وإن ذكر جواباً آخر يريد أن يجمع بين كتابه وبين عدم تكفير هؤلاء فهو كمن يريد أن يجمع بين المجوسية والإسلام، فإن قال: ما رأيناهم فعلوا، قلنا: وأنت أيضاً ما رأيت فرعون ولا هامان كفروا ، ولا رأيت أبا جهل وأبا لهب ، ولا رأيت ظلم الحجاج، ولا رأيت الذين ضربوا الإمام احمد، وأنت تشهد بهذا كله! فإن قال: هذا متواتر، قلنا: وكفر هؤلاء وادعاؤهم الربوبية متواتر عند الخاص والعام والرجال والنساء، وهم الآن يعبدون ويدعون الناس إلى ذلك، ومع هذا كله ( من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً) ( ومن يرد الله فتنته فلن نملك له من الله شيئاً) ولكن إذا أمر الله بجهاد الكفار والمنافقين فلا بد من ذلك. والله أعلم.