فتاوى ومسائل الصفحة 2 من 25

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

المسألة الأولى سئل رحمه الله عن قوله تعالى في سورة هود: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون. فأجاب بقوله: ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع ما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه، فمن ذلك: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة، وصلة، وإحسان إلى الناس، ونحو ذلك، وكذلك ترك ظلمٍ أو كلام في عرض، مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصاً لله، لكن لا يريد ثوابه في الآخرة، وإنما يريد أن يجازى به بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعم عليها، ونحو ذلك. ولاهمة لهم في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس في الآخرة من نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عباس، وقد غلط فيه بعض مشايخنا بسبب عبارة ذكرها في (( الإقناع)) في أول (( باب النية)) لما قسم الإخلاص إلى مراتب وذكر هذا، ظن أنه يسمى إخلاصاً مدحاً له، وليس كذلك، وإنما أراد أنه لا يسمى رياء، وإلا فهو عمل حابط في الآخرة. النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد في الآية نزلت فيه، وهو: أن يعمل أعملاً صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة. ولما ذكر لمعاوية حديث أبي هريرة في الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، وهم: الذي تعلم العلم ليقال عالم، وتصدق ليقال جواد، وجاهد ليقال شجاع، فبكي معاوية بكاءً شديداً، ثم قرأ الآية. النوع الثالث: أن يعمل الأعمال الصالحة ويقصد بها مالاً، مثل: الحج لمال يأخذه لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم. فقد ذكر أيضاً هذا النوع في تفسير هذه الآية كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم)) إلى آخر الحديث. وكما يتعلم الرجل العلم لأجل مدارسة أهله، أو مكسبهم، أورياستهم أو يتعلم القرآن، أو يواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثير- وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا لأجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل. والنوع الأول أعقل من هؤلاء كلهم لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا من الخير الكثير العظيم الدائم وهو: الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو: النار. النوع الرابع: أن يعمل الإنسان بطاعة الله مخلصاً في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفراً يخرجه عن الإسلام، مثل: اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم شرك أو كفر أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية- إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدارة الآخرة، لأنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام تمنع قبول أعمالهم. فهذا النوع أيضاً قد ذكر في الآية عن أنس بن مالك وغيره، وكان السلف يخافون منها. قال بعضهم. لو أعلم أن الله يقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت لأن الله يقول: (( إنما يتقبل الله من المتقين)).فهذا قصد وجه الله والدار الآخرة، لكن فيه من حب الدنيا والرياسة والملك والمال ما حمله على ترك كثير من أمر الله ورسوله أو أكثر فصارت الدنيا أكبر قصده ولذلك قيل قصد الدنيا. وذلك القليل كأنه لم يكن كقوله صلى الله عليه وسلم: (( فإنك لم تصل)). والأول أطاع الله إبتغاء وجه الله، لكن أراد من الثواب في الدنيا، وخاف على الحظ والعيال، مثل ما يقول الفسقة فصح أن يقال قصد الدنيا. والثاني والثالث واضح، لكن بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه الله طالباً ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالاً كثيرة أو قليلة قاصداً بها الدنيا مثل: أن يحج بعده لأجل الدنيا كما هو واقع، فهو لما غلب عليه منهما. وقد قال بعضهم: القرآن كثيراً ما يذكر أهل الجنة الخلص وأهل النار الخلص ويسكت عن صاحب الشائبتين، وهو هذا وأمثاله. ولهذا خاف السلف من حبوط الأعمال، وأما الفرق بين الحبوط والبطلان فلا أعلم بينهما فرقاً. والله أعلم. المسألة الثانية سألني الشريف عما نقاتل عليه وعما نكفر الرجل به ، فأخبرته بالصدق، وبينت له الكذب الذي يبهت به الأعداء، فسألني أن أكتب له. فأقول: أركان الإسلام خمسة أولها: الشهادتان، ثم الأركان الأربعة. فالأربعة، إذا أقر بها وتركها تهاوناً، فنحن- وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود. ولا نقاتل إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم وهو الشهادتان. وأيضاً نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر، فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع: النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضاً أن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر والبشر الذي هو دين غالب الناس- أن الشرك بالله الذي بعث الله رسوله ينهى عنه ويقاتل أهله ليكون الدين كله لله- ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهذا كافر نقاتله بكفره، لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف دين الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك ولا يزينه للناس. النوع الثاني: من عرف ذلك كله ولكنه تبين في سب دين الرسول مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف ولأشقر ومن عبد أبا على والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد وترك الشرك. فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى: ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فعلنه الله على الكافرين). وهو ممن قال الله فيه: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون). النوع الثالث: من عرف التوحيد وأحبه واتبعه. وعرف الشرك وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد ويحب من بقي على الشرك. فهذا أيضاً كافر، وهو ممن ورد فيه قوله تعالى: ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم). النوع الرابع: من سلم من هذا كله ولكن أهل بلده مصرحون بعداوة التوحيد واتباع أهل الشرك وساعون في قتالهم ويتعذر أن تركه وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده ويجاهد بماله ونفسه. فهذا أيضاً كافر: فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه إلا بمخالفتهم فعل. وموافقتهم على الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير (كثير) فهذا أيضاً كافر، وهو ممن قال الله فيهم( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم) إلى قوله : (سلطاناً مبيناً). فهذا الذي نقول. وأما الكذب والبهتان،فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على أظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه. فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل ( سبحانك هذا بهتان عظيم). بل نكفر تلك الأنواع الأربعة لأجل محادتهم لله ورسوله. فرحم الله أمراً نظر لنفسه وعرف أنه ملاقٍ الله الذي عنده الجنة والنار. وصلى الله علي محمد وآله وصحبه وسلم.