فتاوى ومسائل الصفحة 12 من 25

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

المسألة السابعة عشرة سئل رحمه الله عن رجل خاشر خشراء وطلبوا ضمان أخيه، وقال له أخوه: لا أضمن عليك إلا أن ترهيني رهانه. وأرهنه نصف نخلة في هذا الدين الذي ضمن، والنصف الآخر مرهون عند غيره، وعليه دين غير هذا كثير، وذكر لنا عنك أن الرهن لا يصح، وأن ديانيه مشتركون فيما عنده. وهذه كثيرة الوقوع وغالب من يدينونه الديانون فقير، فإن لم يصح له رهن ولا وفاء إلا من الجميع، ولم يحجز عليه- فاذكر لنا صورة المسألة. وأنا طالعتها ولا رأيت الاختلاف إلا في التبرعات المالية: كالعتق والصدقة. وذكروا أن مذهب الإمام أحمد وغيره نفوذ تصرفه ولو استغرق ماله، وخالف الشيخ ابن تيمية في ذلك، وقال: لا ينفذ لأنه عليه واجباً. وأما غير التبرعات فلا وجدنا شيئاً. فأنت اذكر لنا عن مأخذ المسألة. والذي ظهر لنا في هذا أن هذه المسألة إن قيل بها ما احتيج لحجر الحاكم أو من يستغرق الدين ماله لم ينفذ تصرفه، ويلزم على هذا لوازم كثيرة. فأنت اذكر لنا شيئاً نعتمد عليه، فإن الخطب كبير. أفتنا مأجوراً. فأجاب رحمه الله. صورة المسألة أولا: أن الراجح الذي عليه كثير من العلماء أو أكثرهم أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وقبض كل شيء هو المتعارف وقبض الدار والعقار هو تسلم المرتهن له ورفع يد الراهن عنه. هذا هو القبض بالإجماع، ومن زعم أن قوله ((مقبوض)) يصيره مقبوضاً خارق الإجماع مع كونه زوراً مخالفاً للحس. إذا ثبت هذا فنحن ما أفتينا بلزوم هذا الرهن إلا لضرورة وحاجة، فإذا أراد صاحبها أن يأكل أموال الناس ويخون في أمانته لمسالة مختلف فيها فالرجوع إلى الفتوى بقول الجمهور في هذه المسألة. فإن رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله في إيجاب العدل وتحريم الخيانة فهذا هو الأقرب قطعاً، وإن رجعنا إلى كلام غالب العلماء فهم لا يلزمون ذلك إلا برفع الراهن وكونه في يد المرتهن. وأما قولك: لم أجد الخلاف إلا في الصدقة والهبة، فهذا هو العجب. أتراهم يبطلون العتق الذي هو من أحب الأشياء إلى الله، ويسري في ملك الغير، ويردون الصدقة بعد ما يأخذها الفقير لأجل العدل ووفاء الدين، ويمنعونه في الرهن ولو كان صحيحاً؟ وأما قولك: إن صح هذا لم يحتج إلى الحجر، فيقال: إن الحجر يمنع تصرفه مطلقاً ولو كان فيه إصلاح لنفسه أو للغرماء. وأما هذه المسألة فتصرفه صحيح كله إلا ما عصى الله فيه ورسوله وخان أمانته وظلم الناس، فهذا هو المطابق للعقل والنقل، ولكن هذا ما أوحشته الغربة كما استوحش من إنكار الشرك. والله أعلم. المسألة الثامنة عشرة سئل رحمه الله عن هذه المسألة وهي: قلب الدين في ذمة المدين بثمر أو غيره. فأجاب بقوله:؟ من محمد بن عبد الوهاب إلى محمد بن عبد الله بن اسماعيل. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، فقد وصلنا كتابك تسأل عن المسألة التي يفعلها كثير إذا ورد له على رجل دراهم وأراد أن يقلبها بزاد وأخرج من بيته دراهم، وصحح بها وأوفاه بها، وأنا قد ذكرت لك أنها من الحيل الباطلة التي ينكرها الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وأغلظوا القول في أهلها. وذلك أن عندهم لا بد من كون رأس مال السلم مقبوضاً في مجلس العقد، وعندهم أن كونه ديناً أعني رأس مال السلم ربا وهذه بعينها مسألتكم، إلا أنه لما اعترف بكونه رباً أحضر من بيته عدة الدين المقلوب وعقد بها، والعارف والشهود ومن حضرهم يعلمون أن المكتوب هو الدين الحال والتاجر يقول له: أوفني أو اكتبها، والمشترى يقول: ورد له دراهم وكتبتها منه. ويفهمون أن الدراهم الحاضرة غير مقصودة، ويسمون هذا العقد التصحيح. وهذا لا ينكره إلا مكابر معاند، وحينئذ فعباراتهم والحيل التي تحل حراماً أو تحرم حلالاً لا تجوز في شيء من الدين، وهي أن يظهر عقداً صحيحاً ومرادهما التوصل به إلى عقد غير صحيح. هذا معنى عبارة ((الإقناع)) و ((شرحه)).فإن جادلكم أحد في أن هذه الصورة غير داخلة في ذلك، فقل له: مثل صورة الحيل المحرمة، فإنه لا يذكر شيئاً من الصور إلا ومسألتكم مثلها أو أشد بطلاناً. وأعجب من هذا أن ابن القيم ذكر في ((إعلام الموقعين)) في صورة أحسن من هذه وأقرب إلى الحل ما صورته: لو أراد أن يجعل رأس مال السلم ديناً يوفيه إياه في وقت آخر بأن يكون معه نصف دينار، ويريد أن يسلم إليه ديناراً غير معين في كونه حنطة، فالحيلة أن يسلم إليه ديناراً غير معين، ثم يوفيه نصف الدينار، ثم يعود فيستقرضه منه، ثم يوفيه إياه، فيفترقان وقد بقى له في ذمته دينار. وهذه الحيلة من أقبح الحيل فإنهما لا يخرجان بها عن تأخير راس مال السلم، ولكن توصلا إلى ذلك بالقرض الذي جعلا صورته مبيحة لصريح الربا ولتأخير رأس مال السلم وهذا غير القرض الذي جاءت به الشريعة وإنما اتخذه المتعاقدان تلاعباً بحدود الله. انتهى كلامه. فإذا كان هذا كلامه فيمن أراد أن يسلم إلى رجل محمدية من بيته. باطناً وظاهراً ولكن لم يحضر في المجلس إلا خمسين، وكتبها عليه، ثم استقرضها وكتبها أخرى، إلى أن يخرج بالخمسين في آخر النهار أو غد، فكيف بكلامه في التحيل على قلب الدين وجعله رأس مال السلم؟ وإذا كان هذا كلامه في ((إعلام الموقعين)) وهو الذي ينسبون عنه إذا أراد أن يشتري دابة بخمسين وجاء رجل وربحه في الخمسين خمساً أو أكثر أو أقل وقال: أنا موكلك تشتر بها، ثم تبيعها على نفسك. وهذه الحيلة المعلونة التي هي مغلظ الربا، واستباح بها إلى الآن أكثر المطاوعة الربا الصريح، وينسبونها إلى ((إعلام الموقعين)) وحاشاه منها، بل هذا صفة كلامه في راس مال السلم الحاضر إذا تأخر قبض بعضه إلى آخر النهار فضلاً عن هذه وأمثالها. ومع هذا فالله سبحانه لا مرد لحكمه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ( ان الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية) والسلام.