دوائر الظلال الصفحة 8 من 8

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

حتى الحرية والديمقراطية الغربية التي تقودها الولايات المتحدة، فإنها تستطيع أن تضع قانونًا يمنع البشر كلهم - وعلى مستوى العالم - أن يتطرَّقوا - أو حتى يفكروا بالتطرق - إلى تاريخ هتلر، وما فعله باليهود، والويل كل الويل لأي دين أو مذهب، لأي شخص، أو مؤسسة، أو دولة تفكِّر في نقض القانون أو تتجرَّأ عليه، لكن النَّيل من المقدَّسات الإسلامية، والعقائد الدينية التي ربِّينا عليها، ابتداءً من الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - وانتهاء بالقرآن الكريم، مرورًا بإباحة ذبح المسلمين في فلسطين، وتمزيق وطنهم بما فيه المسجد الأقصى، كل هذا مباحٌ، وَفْق حرية الرأي والتعبير.

أنا لا يَغِيظُني أبدًا أن يكون الغرب وأعداء الأمة على هذا الدرب؛ فهذا دينهم ودَيْدَنهم، وسيبقى كذلك إلى أن تقوم الساعة، لكن ما يَغِيظُني أن أجد ‘مثقفين في الوطن الإسلامي والعربي’، لم تصلهم كل هذه المفارقات، بل ولم يتبيَّنوا من أحداث الحاضر ما يدعم رؤية الماضي واستمراره على نفس الدرب.

يغيظني إلى حد الانفجار المدَّعون النباحون العواؤون المفاخرون بتَبَعِيَّتهم للغرب ومفاهيمه، والمتشدِّقون الذين يظنون أن الدفاع عن الديمقراطية - والعلمانية الزائفة التافهة والممزقة - يمنحهم قيمة ومكانة بين الناس وبين المجتمعات، دون أن يُدرِكوا - أو حتى يحاولون الإدراك - بأن ثقافتهم هباء مفرَّغ من الهباء، وأن ذكاءهم ما هو إلا غباء مغرق في الغباء، وأن المرايا التي يحدِّقون فيها صباحَ مساءَ تَلعَنُهم أكثر مما تُرِيهم تفاصيل أجسادهم الضاجة بالرياء والتبعية، والزحف واللهاث خلف فقاعات فارغة.

تخيلوا - فقط تخيلوا - لو خرجتْ حركةٌ في العالم الإسلامي تطالب بإعمار نُصُب ‘لأسامة بن لادن’، أو خرجتْ مجموعة في دولة إسلامية ووضعتْ في منهاجها سيرة ‘أيمن الظواهري’ وغيره، كيف سينقلب العالم ويختلف التاريخ، وكيف ستكون الصحافة ذات شكل متمرس متخصص بالدعوة والتعبئة، ليس ضد المجموعة التي ارتأت ذلك، بل ضد الدين وضد العالم الإسلامي برمَّته، وكيف سيكون المسلم مطارَدًا في كل شارع ورصيف من أرصفة العالم وشوارعه، وكيف ستظهر قوانين تمنح الدول حق مهاجمة البلدان والحواضر والقارات إن اقتضى الأمر ذلك؟!

لا ضيرَ في شرع الحاضر أن تقوم الدول بكل مؤسساتها، والدين بكل تعاليمه ورجاله بقتل المسلمين والتنكيل بهم على شاشات البث الحي، لا بأس في هذا أبدًا؛ لأن المسلم خطر، أو عدد، أو شيء زائد يجب استئصاله دون أن يمنح حتى الحق في الدفاع عن نفسه.
لكن الويل كل الويل للمسلم أن اقترب من الجهاد، أو المقاومة دفاعًا عن دينه وعِرْضه ووطنه، ويل يأتي محملاً بكل أنفاس الموت، والفناء، والدمار، والإبادة.

لا تحزن أيها المسلم، ولكن اغضب على أناس يعيشون بين أعطافك، ويبيحون دينكَ وعِرْضكَ ووطنكَ، كما يُبِيحه أصحاب الديمقراطية والعلمانية، والحرية وحقوق الإنسان في الكون من قاعه إلى قمته.

وأدرك الآن؛ فقد حان للأعمى أن يرى، وللأطرش أن يسمع، وللأخرس أن يتحدَّث، والمجنون أن يُشفَى، إن العنصرية لم تمارس فقط باللون، بل مورست بالديانة أيضًا؛ فان كان مسلمو ‘بورما’ يتحملون البلاء كله، وليس هناك سببٌ، سوى أنهم مسلمون خُلِقوا ليتحملوا بلاء الأمم الأخرى.

هذا عُرْفُ ديمقراطية العصر الحديث، ومبدأ عدالة القرن الحادي والعشرين، وتقليد علمانية التطور والابتكار، وأسُّ الحرية والانفتاح، وحَجَر زاوية حقوق الإنسان، ومرتكز أخلاق الدول التي تملك القوة الفصلَ في التدمير والإبادة والإفناء.