دوائر الظلال الصفحة 3 من 8

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

لكن الأمر الفاصل بين كل شيء، هو أن التنظيم مثَّل نفسَه وأتباعه، ولم يمثِّل بأي شكل من الأشكال قمة الهرم الإسلامي كدول أو منظمات دولية إسلامية، وبهذا يكون الفعل الناتج عن تصرفاته بعيدًا عن التيارات الدينية المؤسَّسة والمتكوِّنة بقالب ديني، يطمح إلى إحداث تغيير في الوطن الإسلامي وحتى العالمي، ضمن تعاليم ونواميس الرسالة التي يؤمن بها العالم الإسلامي برمته؛ لأن هذه الرسالة ومكوناتها ومؤسساتها العلمية والدينية تتَّجه إلى تجاوز الظروف الحالية، من خلال تأمين الوعي بالإسلام، عن طريق المدارس الدينية، والجامعات، والمنظمات المتواصلة مع الجاليات المسلمة الموزَّعة في العالم، وكذلك مع المجتمعات المدنية والدينية في كل مكان، مُحتَذِية طريقة الدعوة النشطة والمؤثرة؛ للوصول إلى كمٍّ أكبر من المناصرين لقضاياها، سواء عن طريق دخولهم الإسلام، أو عن طريق إقناعهم بالتواصل مع معطيات الإسلام الثقافية والحضارية.

لكن الولايات المتحدة - ومعها العالم برمته - لم تشأ أن تفرِّق بين التنظيم الذي يشكِّل ذاته وأفراده، وبين الرسالة والمجتمعات الإسلامية والمؤسسات الدينية؛ فأَطْلَق ‘بوش’ جملته الشهيرة التي لم يَلبَث أن تراجع عنها تحت ضغط هائل من إدارته، الجملة التي وصف بها الرد الأمريكي على تلك الأحداث بأنها ‘حرب صليبية’، وأن الإسلام هو دينٌ فاشيّ، وختم كل ذلك بأنْ وَضَع العالم كله تحت طائلة المحاسبة الأمريكية، حين أعلن بوضوح سافر: ‘مَن ليس معنا فهو علينا’.

حتى استنكار العلماء المسلمين والمؤسسات الدينية والحكومات الإسلامية للأحداث، لم يَشْفَع عند أمريكا للمسلمين الذين سيتحوَّلون إلى جثث في العراق، وأفغانستان، وباكستان، وغيرها من الدول.

قتل مئات الآلاف، بل مئات مئات الآلاف، وربما وصل العدد إلى مليون أو ما يربو على ذلك، فالعراق وحدها سقط فيها ما يفوق الخيال.

كانت وما زالت حربًا شاملة، لكنها حربٌ قادتْها أنظمة الحكم في أوروبا، وأمريكا، وآسيا، والعالم بشكل تقريبي، وليس هناك تنظيمٌ لا يمتُّ بصلة إلى أنظمة الحكم ومؤسسات الدولة.

دمِّرت أفغانستان والعراق، والكثير من المناطق الباكستانية، بتخطيط دول، ومؤسسات حكم، وإرادة جيوش، ووزارات دفاع، واستُهدِف الإسلام، والمدارس الدينية، ومناهج التعليم، والمساجد، والجاليات الإسلامية في كل مكان؛ من أجل حدثٍ لم يتجاوز ضحاياه ثلاثة آلاف قتيل، تسبَّب بمقتلهم - كما قلنا - تنظيم خاص لم يجد أي مباركة من نظام حكم، أو رجال علم، أو مؤسسات دينية.

روسيا أيضًا - عن سبق إصرار وترصد - أمعنت دمارًا وقتلاً وتمثيلاً بالشعب الشيشاني المسلم، والصين كذلك، وقبلها الاتحاد السوفييتي، والبوسنة فعل فيها ما فعل، وكذلك الهند، وكل هذا يتم
بإرادة أنظمة حكم، وقيادات عسكرية، ووزارة داخلية وخارجية ودفاع، لكن ليس من حق المسلم الردُّ، أو الاعتراض، أو وصف تلك الحكومات بالإرهابية، والفاشية، والنازية.