ذات غربة الصفحة 9 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

على الحدود الأولى، قالوا لنا: كم من الأيام ستبقَون في بلادنا؟ ومَن هو الكفيل الذي سنعود إليه إن تأخَّرتم كي يَجِدكم ويدفع المبلغَ ثمن تَجاوزكم الأيام المعدودة عليكم؟ شعرنا بالخضَّة، خضة قوية كافية لتغييب الوعي، وشممنا الهواء مرة أخرى، وجدنا رائحتَه تضج بمرارة مخلوطة بحموضة، تَطلَّعنا إلى الأفق فوجدناه قاتمًا كغيمة مُثقَلة بالضباب الممعِن في السواد، قلنا: مِن حد إلى حد تختلف الروائح والمذاقات، حملنا أنفسنا رُغم الارتجاج، وطوينا مسافات مُتفرِّقة نحاول لمسَ الحدود وتبيين المقام الذي يحفظ الكرامة، كان الألم ممتدًّا من كل حد إلى حد، نفْس رائحة الهواء ونفْس مذاقات الصدمة، لم تكن الأشياء كما قيل لنا ونحن أطفال: ‘بلادُ العُربِ أوطاني مَن الشَّـامِ لبغدان، ومن نجدٍ إلى يَمَـن إلى مِصـر فتطوانِ’، ولم تكن الحقائق التي سُمِّمنا بها ونحن أطفال تتوافَق مع ‘فـلا حـد يباعِدنا ولا ديـنٌ يفـرِّقنا لسان الضادِ يجمعُنا بغـسَّان وعـدنانِ’، أدركنا الآن أننا في كون له حسابات لم نكن نعرفها، تنامت فينا أشياء لا منهلَ لها ولا طبيعة ولا أسماء، بكينا بكاء الخنساء، وندبنا كما تَندُب الأمهات أفلاذ أكبادهن، لم نُصدِّق، ولم نشأ أن نُصدِّق، لم نبحث عن جاه أو مال أو ثراء، كنا نبحث عن أمن وأمان، وعن رغيف خبز، وعن حبل صغير يجعلنا نوثِّق علاقتنا بالمئذنة والمسجد والكتاب المكنون.

ماذا سنفعل بصلاة الصبح التي تزرع الخوفَ والرجاء في النفوس؟ وكيف سنصلِّي الصلوات الخمس في البيت دون روعة ورهْبة المسجد؟ وكيف سنفصِل أولادنا عن حروف لا يذكر اسم الله إلا بها؟ ولا يقرأ كتابَه الكريم الا بإتقانها؟ ماذا سنفعل حين يسألنا أولادنا السؤالَ العسير: لماذا لم تتخذوا مكانًا في وطن نحن أولى به وهو أولى بنا؟ ماذا سنقول لهم؟ إن أهل الأوطان تلك نبذونا كما نبذنا الاستعمار؟ أم سنقول لهم بأنهم من أبعدونا عن صوت الأذان وخوف ورجاء صلاة الصبح؟ أم سنقول لهم: بأننا لا نودُّ أن نكون مع مَن لم نكن عنده؟

صغير كدودةٍ، ولا يقع ضِمن حدود البصر كفيروس أو جرثومة لا ترى إلا من خلال المكبِّر، من يرى بهذه التساؤلات عدم قيمة أو مبالغة وتهويل، فلو قيل لي يومًا زحزح أو أننا نودُّ منك أن تَحمِل الرواسي كريشة صغير من طير صغير، لقلت بأن ما طُلِب مني يمكن أن يخضع للاستهجان أو الدَّهشة، لكنه طلب يمكن أن يكون ضِمْن حسابات التعجيز، أما تلك التساؤلات فإنها تفوق وزن الرواسي والأكوان، وهي الضربة الأولى نحو التعمُّق بإحساس الاغتراب الذي سيواصل المسير نحو الغربة.

كنا قبل ذلك، نظن بأن وطننا ممتد، كامتداد الآفاق، مُتَّسِع، اتساع الأكوان وما بينها من مسافات وما فيها مَن توسُّع مُضطرِد؛ لذلك حملنا الجذل والغبطة والحُبور على كواهل مُثقَلة بأنواع العذاب والوجع، مزجناها كما الألوان بالثِّقة واليقين، وكنا إذ ذاك، ننزل نحو الأرض فنضع صدورَنا لتلاصِق الطين والتراب؛ طلبًا لوشوشة الأرض والوطن، وحين كانت ضربات القلب تتوحَّد مع التراب والطين، ونسمع اهتزازاتها ونُحِس صوتها وهي تُرسِل الخَفْق إلى الجذور، كنا نوقِن بأنها تنتقل من تراب الوطن الصغير المسجون والمسلوب والمصلوب إلى تراب الوطن العربي الإسلامي الممتد إلى امتداد رُوحنا ليَحتضِن خطوات الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخطوات أصدقائه وأصحابه - رِضوان الله عليهم - فهنا في القدس كان محمد -صلى الله عليه وسلم- قادمًا من مكة؛ ليصلي بالرسل والأنبياء في المسجد الأقصى، وهنا خطوته - عليه السلام - يوم خطا منها إلى ما فوق السموات حتى كان قاب قوسين أو أدنى، وهنا وجدتْ رائحة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأرضاه، وقبله كان يوسف وإبراهيم وزكريا وموسى - عليهم السلام - وجاء بعدهم خالد بن الوليد وأبو عبيدة وشرحبيل وصلاح الدين ونور الدين - رضي الله عنهم - وأرضاهم، كان هنا عرب ومسلمون من جميع الأصقاع والأمصار والحواضر والأرياف، صلوا كما صلينا، وذرفوا دموعَ الخشوع كما ذرفنا، ورجفتْ جلودُهم رهبةً من آيات كما رجفنا، ومنحوا الأرضَ مِثل الذي منحنا، لم نقل يومًا بأن الأرض أرضنا، ولم نقل لشراع مفتوح بأن الموانئ مُقفَلة، كانت فلسطين مفتوحة، حتى للغربان والبوم والحمائم والبلابل والعنادل، للياسمين والأقحوان والدحنون والحناء والشيح والحنظل والغضى، كانت فلسطين مرفأ من لا مرفأ له، وكنا أهل أهلنا وأهل من لا أهل له.