ذات غربة الصفحة 8 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

هناك أكثر الأشياء، مِلْك يمينك واختيارك، وأقصد تحديدًا بالأشياء متعلِّقات الشخصيَّة، فأنت من تُحدِّد من الصديق ومَن الزميل ومن الرفيق؟ وهناك أنت من تُحدِّد من العدو، ومَن تستطيع أن تسير معه في الطرقات دون أن تَسقُط شخصيتك وهيبتك، وهذا ما ينأى بك عن شعور الحاجة لأطراف لا يمكن أن تُقرِّر أو تقبل بأي لحظة من اللحظات أن تلتقي بهم أو تمنحهم وهلة أو هنيهة من وهلات عمرك وهنيهاته.

يقول المثلُ الفلسطيني التراثي: ‘اللي يخرج من داره، يتقل مقداره’، وفي اللغة الفصيحة يكون لفظ المثلِ: ‘مَن قرَّر الخروجَ من بيته إلى بيوت الآخرين، سيتعمَّد الآخرون المسَّ بقيمته ومقداره وهيبته وشخصيَّته، حين خرجت من الوطن’.

بدأت رحلة البحثِ التلقائيَّة عن المصاعب والآلام التي ستُشكِّل بدايةَ الشعور بقسوة المثلِ السابق، وبداية الشعور بالغربة التي تؤسِّس لشعور الاغتراب، وهي رحلة فيها من العجب ما يُلامِس الأساطير، وما يَصِل إلى أم رأس الأسطورة، وإن بدا للآخرين أنها عادية تجري بدفقها كما تجري الأنهار والجداول.

تبدأ غربتي في القسْر الخارج عن الإرادة، فأنا ابن وطن مُحتلٍّ مسلوب، تتركَّب طبقاته واختلافات جوِّه وتباين تضاريسه بإرادة تُعاكِس إرادة التاريخ والحق والمنطق معاكسة تامة، وكذلك تسير بتوازٍ مُطلَق مع إرادتنا وطموحاتنا وتطلُّعاتنا، فنحن لم نعرف معنى الحريَّة ولم نتذوَّقها إلا من خلال المقاومة التي توقِد ذاتها من أرواح وأجساد ودماء شهداء وجرحى ومعتقلين ومشرَّدين، لم نَملِك إرادة تفوق إرادة البقاء والتضحية والثبات، ومن أجل الاحتفاظ بهذه الإرادة غرسنا نواجذنا بالألم والعذاب، ومنَّينا الجسدَ بالثبات من أجل البقاء، فكانت خطوات العمر تترافق مع إرادة تودُّ استئصال النواجذ، وتمحو الثبات، وتُغرِق البقاء، كانت المعركة هائلة، لكن القوة التي بيد الإرادة المناهضة لإرادتنا تبدَّت قوَّتها وظهر تأثيرها، فكان على قِسمٍ كبير من أبناء الأرض أن يتَّجِه برؤاه وأمنياته خارج حدود الوطن من أجل الحصول على لقمة عيش ورغيف خبز، وقد لا يُصدِّق البعضُ أو يعتبر الأمر مبالغةً حين أقول: لقمة عيش أو رغيف خبز، وللتأكيد على علبة حليب لرضيع.

ومن هنا تدخُل الأسطورةُ بدايةَ الرحلة، الخروج من البيت، كما قال المثلُ، متَّصِلة بأرض عربية، وهذه الأرض المتَّصِلة من جميع جهاتها بأراضٍ عربية، وإسلامية، ظننا ساعة الخروج بأننا سندخل أراضي لا تختلف في لغتها أو مساجدها أو مآذنها أو قبابها، وصوت الفاتحة والناس عما كنا نعرف ونحن في الوطن، قلنا: بأن الخروج من غرفة إلى غرفة أخرى في البيت، لا يعني سقوط الهيبة والاحترام والتقدير، ومنَّينا النفس بأن أولادنا الذين أحضرناهم للعالم، سيبقون أبناء أمَّة مُكتمِلة النماء والفِكْر، كما اللغة التي نتحدَّث والدين الذي نؤمن.