ذات غربة الصفحة 7 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

الغربة أنواع، منها ما يأتي بضرورة تدفعها رغبةٌ مُعلَّقة بزمن أو هدف أو تطلُّع، كغربةِ العلم وملاحقته وطلبه في مستوى من مستوياته العليا، وهناك غربة البحث والتَّطْواف ومعرفة أخبار وعادات وتقاليد الأمصار وأهلها، وهناك غربة البحث عن الرزق من أجل تحسين الحال وإصلاح واقع في تَسلسُل لنهاية مريحة من حيث الاكتفاءُ وعدم الحاجة.

كل هذه الأنواع وما يُشابِهها تكون مقبولة ومستوعَبة، وإن حملت بتكويناتها وشفرتها الوراثيَّة ما يتَّصِل بالحنين والشوق والاشتياق.

لكن، الغربة التي تبدأ منذ اللحظة الأولى مقرونة بالاغتراب، فإنها تتميَّز بأنها ستصطدم بذاتها، وبتفاصيلها الخاصة، والأهم أنها ستصطدم بكل أنواع الغُرْبة السابقة، فاذا ما أضيف لغربة الاغتراب قَسريَّة الهجرة، فإنها تكون قد بلغت مبلغَها من الوجع المشقوق من وجع، وارتبأت الصهوة التي ليس خلفها صهوة من قساوة وكمدٍ وقُنوط وحزن.

في مكان الولادة، وحيث سقط الرأس لأول مرة، تكون الأشياء كلها، من حيٍّ وجماد، من أرصفة وشوارع، من أزقَّة ومحلات ومقاهٍ، من وجوه بيضاء وسوداء وقمحيَّة، من طبائع وطباع، من عادات وتقاليد، تتأسَّس في ذات لحظة سقوط الرأس؛ لتبدأ رحلة الحياة والمرافقة الآنية لكل زفْرة وشهقة، وكأنها تتمحور وتتأصَّل في كلِّ تفصيله وجزئية من جزئيات الشخصيَّة المركبة من المشاعر والوعي والإحساس، فتبدو الكوامن، وهي تنبعِث روائح فوّاحة تُمكِّنك من التمييز والاختيار بين ما تريد وما لا تريد، بين ما تُحِب وما تكره، بين ما يُناسِبك وما لا يناسبك، فرحلة التكون هي التي تدفعك لإقصاء أناس عن محيطك وجذْب أناس إلى ذات المحيط، وقِسْ على ذلك كل شيء وكلّ أمر.

هناك تستطيع أن تُحدِّد الصديق الذي يتوافَق ويأتلِف مع رُوحِك وتطلعاتك وأمنياتك، وهذا وحدَه كافٍ لنزع شعور الاغتراب وإبقاء مشاعر الألم والعذاب التي يُمكن التعامل من خلال الأصدقاء الذين يَبذُلون من حيث يدرون أو لا يدرون جهودًا تتحوَّل إلى رغبات حية مُتحرِّكة مرفرفة لتطير بعيدًا عن منابت الألم والعذاب ولو لفترة قليلة، وهذا ما يُمكِن الاعتماد عليه في حالة الشعور بخواء في المشاعر أو كآبة عابرة، أو قلقٍ يقطع الطريق.

هذا الذي أدَّعي ليس نسجًا من خيال أو ركونًا إلى وَهْم، بل هو تلاصق واندماج في حق وحقيقة، لنقل أمرًا في غاية البساطة، لكنه أيضًا في غاية التعقيد من حيث امتلاكُه والحصول عليه: أن يكون لديك مَن تستطيع أن تتحدَّث معه بقوة ومتانة وحرية وانطلاق، دون أن تضطرَّ أن تتوقَّف بين الحين والآخر لتشرح له المقصودَ من هذا القول وتلك الجملة، ودون أن تجد نفسَك مجبرًا أن تُبرِّر المعنى الذي تَحمِله هذه الجملة وهذا القول، فإنك تكون قد وصلت إلى نقطة تعتبر سقفًا من أسقف الهدوء والاطمئنان والسكينة؛ لأنك تعلم أيضًا بأن تأثير الحروف والمشاعر تَصِله كما هي دون اختلاط أو التباس، فهو يعرف فرحَك وحزنك، فيفرح ويحزن معك، وهو يعرف قوَّتَك وضعْفَك، فيمنح ضعفك قوة ويأخذ من قوتك ليسند ضعفه، والأهم أحيانًا أنك لست بحاجة إلى كلام كي تعرف مَن يُواجِهك ويشترك معك بهذا، ماذا تود أن تقول أو عن ماذا تسعى لتُفصِح؟ أَضِف إلى ذلك إضافة التقدير والاحترام التي تَستحِقها، وتعلم أنك تَستِحقُّها، فتأتيك ساعية من فرطِ أدبهم وتهذيبهم وسموِّ أخلاقهم وعلوِّ هيبتهم، يُزاد على هذا السر الذي يضيق صدرك به إلى حد الجزر والنحر، فتراه قد اتخذ قبرًا هامدًا غابرًا في صدورهم فور خروجه من صدرك.