ذات غربة الصفحة 5 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

سأحدثكم أولاً عن لحظات السحرِ الذي يفوقُ الوصف والخيال، عن إحساسي بوجود الخالق - جل شأنه - بقربي أينما تنقَّلت وحللت، بيوم كنت هناك، وقبل أن ألمس الغربة بوشاح الوهم والزيف.

صلاة الصبح في مسجد المخيم الشديد التواضع كان لها شأن، وكان لها مذاق، كان لها نكهة لاذعة قوية حارَّة، توتر اللحظات والأجواء برهبة تُداهِمُ الروحَ وتربط على الفؤاد، فينخلع القلب من فرط السكينة والهدوء والاطمئنان، حتى تكاد للحظاتٍ تشكُّ بأنك تتنقلُ على بساط من أثير أو ريح شديدة النعومة والحريرية، كانت لذَّة لا توصف ولا تُؤطر، لا تخضع لمقياسٍ أو علم، بل إلى عقيدة واعتقاد، إلى استيقانٍ ويقين، إلى حقٍّ يدفع نحو حق، ولن أكون مبالغًا إذا قلت بواقعية يعرِفُها مَن ذاق طعمَ اليقين والسكينة واللذَّة المقتحمة للذات، بأني لو امتلكتُ فقط حاسَّة بصر أقوى قليلاً من المعهود لشاهدت الملائكة - رضوان الله عليهم - وهم يُظلِّلون الناس والصلاة والإيمان بظلال من نورهم المتدفق.

لم تكن صلاة الصبح وحدَها هي التي تدفعُني للشعور بأني سأفقِدُ الحياة من حجمِ اللذَّة التي تترسَّخ بيقيني، وإن كانت هي الأعظمَ تأثيرًا، فبيني وبين الميضأة عَلاقة لا تنفك ولا تنحل ولا تنحسر، وكذلك بيني وبين الوَضوء والوُضوء، بيني وبين المراوح المتدلِّية من السقف، بيني وبين أسماء الخلفاء - رضوان الله عليهم - على أقواس الأعمدة الحاملة للقُبَّة، بيني وبين المصاحف الموزَّعة على الرفوف، بيني وبين المكتبة، وكذلك بيني وبين المِئْذَنة والجدران، وحتى مسامات الهواء الناعمة.

أتريدون مني أن أُحدِّثَكم عن صلاة العشاء؟ أم جلسات وحلقات العلم في المسجد المسكون بالحزن والإيمان؟ عن أصدقائي وأَتْرَابي؟ عن ملاعب الطفولة والصبا؟ عن الجبال والوديان والسهول والسهوب؟ عن الغدائر والجداول والينابيع والسواقي؟ عن رائحة الناس وهم يُعذِّبون الوقتَ بصبر الأولياء من أجل استلالِ لُقْمَةِ خُبْز؟ عن الموت المتربِّع فوق الرموش والأحداق والأهداب؟ عن خفقات الليل وهو يتمدَّد خوفًا ورعبًا من أنفاس الصبح؟

عن ماذا أُحدِّثُكم؟ فهناك الوطن الذبيح الحي الذي يستردُّ الدماء المهرقة إلى نحرِه ليواصل الابتسام والضحك والحبور، ابتسامات الصمود، وضحكات الشهداء، وحبور الفقراء بفقرٍ أورَثَهم كلَّ العزة والكرامة، لن أُحدِّثَكم عن شيءٍ من هذا، رغم أنه تاجُ الحديث، ودُرَّة الروايات، وهَيْبة الابتهالات، وخشوع الدعوات، فهناك كنتُ وكان الوطن، كنت معه، وكان معي، كنت في قبضتِه، وكان في قبضة يدي، حمَلني على عنقِه، وحملته على عنقي، زارني في كل صباحٍ وزرتُه، همس لي وهمستُ له، قال: أنت هنا في المكان والزمان، حيًّا كنت أو ميِّتًا، همستُ: أنت عندي بمنزلة الحلم والرؤى، والماضي والحاضر والمستقبل، سأبقى فيك وعليك وبك ومنك.

قلت ذلك، همست به، للوطن الذي يشدُّ أوتار الخلود إلى نوازع الاعتقاد والإيمان.