ذات غربة الصفحة 4 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

حذَّرني كثيرًا من الانتقال قبل تحذير الروح، قلت له كثيرًا بأن في السفر فوائد، تجارب، خبرات، انفتاحات، حتى إن هناك مَن يقول بأن السفر يكشفُ الكثير من المستغلق، ويفتح الأبواب المُوصَدة في كهوف تَعِجُّ بالعتمة، وقلتُ له وجملت، وبررت، حتى وصلت يومًا إلى تصديق نفسي، وأيقنتُ بأن المبرِّرات والتجميلات هي حقائق من يقينٍ متَّصل بيقين، لكنه لم يُعلِّق كثيرًا، يبتسم ابتسامة تكاد تذيب الشفتينِ من شدة الشفقة والأسى، لماذا كان هذا الرجل العجوز المرسوم على رقعة الألم والضنك والعذاب يقف عند الابتسامة؟ ولماذا كان هذا الرجل العجوز المعجون بالتجربة وحكمةِ التقلُّب بين أزمان وأمكنة لا يزيد على البسمة شيئًا؟

سأقول لكم وللروح وللذات أقوالاً لا تُشبِه الأقوال، وسأُفصِّل لكم المفردات وأخيطها بسَمٍّ دقيقٍ يستطيع أن يَرْقُم حتى على سطح الماء رَقْمًا يمكن للأجيال أن تتساءل: كيف لم تستطع الأمواج أو الأنواء أو العواصف أو الفيضانات أن تمحوه أو تجعلَه يترجرج مع الموج المنتشر كنتوءات من صخر متحرِّك؟ وسأترك بين الحروف مسافات بيضاء وسوداء، وأخرى خضراء وحمراء، لا لشيء سوى أنني لم أملِك قدرة انتقاء المفردات والجُمَل التي يمكن أن تصل ببلاغة وخفَّة ورشاقة إلى القارئ؛ لهذا، فما هو مكتوب هو اللون الذي وصل عجزي وغروري إلى التصديق بأنه يُعبِّر عن شيء مما سأقول، وما لم تَرَوْه أو تستطيعوا قراءته، هو الفواصل التي تركتها لتبقى أقوى وأبلغ مما رقمت وقلتُ وكتبت.

لن أحدثكم عن الشوق والاشتياق، عن الرغبة العارمة الفيَّاضة السيَّالة لاحتضان الوطن من وريده إلى وريده، ولا عن اندفاع القلب من مكمنِه ليلتقطَ رائحة البرتقال والليمون، ولا عن العين المتحفِّزة بدهاء الأسود والنمور للقفز وإمساك لون زهر اللوز وجلنار الرمان.

لا لن أُحدِّثَكم عن ذلك، ولا عن العَلاقة الوطيدة بيني وبين النَّسمات المنسلَّة من بين شقوق الالتهابِ والاحتراق لتلامسَ مِفْأَدة الفؤاد المستطير لوعة على دودة كنت أربطها بفخٍّ لاصطياد دوري أو ديك سمين.

ولن أُحدِّثَكم عن عملية السطو المنظَّمة التي دبرت وتربي جمال كنعان على قِنِّ الدجاج الذي لا زال يسكن مخيِّلتي ونواة توقُّدي واشتعالي، فهذا أمر مفروغ منه ومحسوم، تمامًا كالحسام الحاسم أمر رقبة جزَّها فدحرج ما كان عليها من عَل.

لن أُحدِّثَكم عن تلك الليالي العميقة الغَوْر والسطوع، المكتظَّة بعتمة النور، حين كنت أتواعد مع القمر وضيائه لسمر بين عاشق ومعشوق، سمر يدفع بألم الخُمار للانفتاح على خفقات ترابٍ يُشكِّل قلب السمر، ليالٍ كنتُ أخرج فيها مع بَدْء ضراوةِ وشراسة المعركة بين غروبٍ ينازعُ للبقاء في قلب النور، وعتمة تمدُّ نصال أرمحتها في القلب المنازع لتتدفَّق الدماء صابغةً الأفق بشَفَق يكادُ يذهل الذهول من جمالِه وتميُّزه وتأنُّقه، تلك الليالي التي كنت أواعد معشوقتي لنلتقي بين جذوع أشجار البرتقال والليمون، لنتمدَّد فوق التراب، وننهل من رائحةِ التراب، معشوقتي التي كانت تخرجُ من مَرْبضِها وعَرِينها لتقولَ لي: أنا الروح التي أتت لتنام معك هنا على هذا التراب المتدفق بروائح الظل والشمس والندى والطَّلِّ والغروب وتنفس الصبح، وحين كنا نُفِيقُ كانت تنسل إلى أعماقي من جديد لتختفي في مكانٍ ما زلت أجهلُه حتى يومِنا هذا، مع أنها وحتى هذه اللحظات التي أكتب فيها خرجت لتحاورني الحوار الذي رُقم وسُجِّل على الصفحات السابقة.