ذات غربة الصفحة 3 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

عندها، عندها يا ذاتي، أفتح بيتًا للعزاء؛ لأني عندها فقط أكون قد مت تمامًا، عندها فقط تُقبَل حقيقةُ موتي؛ لأني وبكل بساطة أكون قد أحضرتُك للدنيا لأسلمَك لأرضٍ غير هذه الأرض، ولشعب غير هذا الشعب.

قالت الذات: وما هو الفرق؟ التناقض هو التناقض، والاختلاف هو الاختلاف، ففي هذه الأرض كما في غيرها تناقض وتخالف.
قالت الروح: لا، ليس الأمر كذلك، الأمر مختلف تمامًا، فاليد حين تختلفُ وتتناقضُ مع الجسدِ الذي سكنتْه وسكنها، تداوى بالعلاج، بالصبر، ولكن إذا تأزَّمت الأمور، فإنها تُبتَر، تُخلَع من الجسد؛ إحياءً للجسد، إبقاءً عليه في دورة الحياة بكل تناقضاتها، ولكن إذا انتشر الداء في الرأس، في الدماغ، ما الذي نستطيع فعله؟ هل نبترُ الرأس وندفنُه تحت رمال الأرض؟ لا، أنت تعلم أننا لا نستطيع ذلك، بل علينا فقط - وبعجز كامل مطلق، يغمرنا من أَخْمَص القدمين وحتى قمة الرأس - أن ننتظر البلاء، الألم، الألم بكل إرهاصاته، ضرباته، دون إرادة منا، ودون أي قدرة على أي شيء، غير رؤية الموت وهو يزحف بطريقته، بأسلوبه، بدقائقه هو، ثوانيه هو، يزحف منهِكًا الرأسَ، منهِكًا غرورَنا بزرع شعور العجز القاتل أمام قدرته على التحكم بعقولنا، قلوبنا، إرادتنا.

العجز شعور عظيم بالإهانة والتردِّي نحو هاوية العفن، والعجز أنواع، أشكال، ذو أوجه مختلفة، فالعجز أمام الطبيعة، أمام سطوتِها وقدرتها، مؤلِمٌ، مؤلم جدًّا، لكنه مفهوم، مستوعب، يمكن أن نُعزِّيَه لما لا نملكُ أن نقاوم، لقدرة تفوق قدرتنا، ولقوة لا نشعر أمامها بالذل والعار، ولا تدفعُنا أحاسيسُ الكرامة والأنفة أن نقفَ أمام المرآة لنُحدِّقَ بوجوهنا تحديقَ مَن يريد التأكُّد من سلامة تقاسيمه وتوازنِها مع ما يملأ صدره من اعتداد، هذا عجز نرده بسهولة، مع ما به من ألم، إلى قوة خارقة، غامضة، عاش معها البشر منذ بَدْء الخليقة، بنفس المشاعر والأحاسيس، تقبَّلوها كما هي، دون تزييف أو تجميل؛ لأنها لا تُزيَّفُ ولا تُجمَّل أصلاً؛ ولأننا لا نستطيع تزييفها وتجميلها أيضًا.

ولكن العجز الآخر، الذي يغمس الذَّات بالذل، بالهوان، بالضَّعةِ، هو الذي سيضعُك على رأس النصل، نصل الحقيقة المشحوذ إلى درجة عدم القدرة على التنصُّل منه، وحين يلمسك هذا النصل - وسوف يلمسك - عليك أن تستعدَّ للتزييف، للتجميل، للتبرير، للخروج من ذاتك، لتقول أشياء لم تكن تتصوَّر أنه يمكنك قولها من قبل، ولترضى بأشياء لم تكن ترضى بها أبدًا، وستصمت عن أشياءَ مثلُك لا يمكنُه الصمت عليها، وسيحاصرك مَن هم مثلُك بأفكار التبرير والتزييف والتجميل، وسترى مدى بسالتهم وفروسيتهم وهم يصوغون الذلَّ بجُمَل رائعة برَّاقة، لها رنين عذب ورائحة جميلة، وستراهم يدخلون من شقوقِ الهوان والضَّعةِ، دخولَ المنتصر من بوَّابات العزة والكرامة، عندئذٍ عليك أن تستعدَّ للانقسام بين ماضٍ أنت فيه شيء، وحاضر أنت فيه لا شيء على الإطلاق، وبين هذا وذاك ستبقى جسدًا، جسدًا مملوءًا بالطعام والشراب، مُفرَّغًا من الروح والإحساس، وفي هذه اللحظة عليك أن تُدرِك أنك لست سوى وَهمٍ في قالب سحري، يُرى لكنه لا يُلمس.

كانت الطائرة تقطع الآفاق، أُفُقًا تلو الآخر، ووجه والدي لا يزال أمامي، وجه رؤوف عطوف، فيه كل ملامح العرب والمسلمين، طيبتهم، رائحتهم الخالدة بأعماق أعماقي، وجه أبيض مُشرَب بحُمْرَة دم دافئ، وعينان خضراوان خضرة الزيتون، وجه عرَف ما تعنيه الغربة، البعد عن الأرض، عن العشيرة، عن مكوِّنات النفس وتوتُّراتها دون أن يُغادِر الوطن، عرَف ذلك فقط عندما غادر من الوطن إلى الوطن، حين غادر حيفا قاطعًا على قدميه مع أمي مسافة محدودة، تمتدُّ من حيفا وحتى طول كرم؛ حيث أقام هناك لاجئًا داخل الوطن.