ذات غربة الصفحة 2 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

خضرة الزيتون، حبات الزنزلخت، أشجار الدوم، السدر، الحور، رائحة البيارات، أصدقاء الطفولة، مناوشاتك مع أترابك، حزنك المفاجئ، فرحك المفاجئ، خوفك، شجاعتك، رضاك، سخطك، رائحة ثوب أمك، ضمتك لأختك، اندفاع النهار من قلب العتمة، المساجد، صوت الأذان، شكل المآذن، مدرستك، الزنزانة التي قبعت فيها، السجن، ميلاد أولادك، كل هذه، كل هذه يا ذاتي لحظاتٌ لا يمكن وصفُ كمِّ الانفعالات والأحاسيس التي سكنتك عبرَ مرورك بزمنِها الدافق، لكنها تسكنك، تتعمق جذورُها بأعماق أعماقك، لتتشكَّل في النهاية بشخصك الجسدي والنفسي، أنتِ في الحقيقة كتلةٌ هائلة، ضخمة، معجونة بتراب تاريخ هذه الأرض ومياهها.

قالت الذات: أنا أعلم بأن الرحيل ليس سهلاً، ولكني لا أملك خيارًا آخر، خيارًا أفضل، الظروف تحاصرني، تُضيِّق عليَّ بشدة هائلة، كل الأشياء، كل الظروف تعاكسني، تعاكس ذاتي.

قالت الروح: أعرفُ ذلك، ولكن حين تخلعُ قدميك لتوقف تدفُّق الإحساس والتلاحم، عليك أن تستعد -شِئْتَ أم أَبَيْتَ -للخروج من ذاتك، عليك أن تُمزِّق جلدك، تنتزعه عن عظامك؛ كي تضعَ مكانه جلدًا جديدًا، استشعاره للحرارة، للبرودة، للعطف، للحنان أقل، أقل بكثير من جلدِك الأصلي.

يوم تغادر قدميك الأرصفةُ والشوارعُ، ويوم تغيبُ الأشجارُ والجدران عن ناظريك، تلك الأرصفةُ والجدران والشوارع المسكونة بعمق رؤيتك للأشياء، للكون، للإحساس، للنبض.

يوم تغادر قدميك كلُّ هذه، عليك أن تعرف بلغة بسيطةٍ، بسيطة إلى حد الجنون، أنك تُسلِّم نفسك وروحك وذاتك لمجهول، مجهول غريب عنك، لا تعرفه ولا يعرفك، وستدخل دوَّامته دون إرادة منك، ودون أن يكون لك أي رأي أو خيار.

قالت الذات: وهل يوجد لي خيارٌ هنا أو رأي؟
هنا استعمار، مستعمِر، يُقرِّر حظر التجوال، متى أَخرُج ومتى عليَّ البقاء بالبيت، كيف أغادر مدينتي إلى مدينة أخرى، متى أعمل ومتى أكون عاطلاً عن العمل، هنا مستعمر يقتلع الشجر والحَجَر، يسحقُ الزهر والبرعم، يسمِّم الهواء والفضاء، يسفك أرواح الناس والبهائم، يُصادِرُ الأموال والأرض، هنا مستعمر لا يعرف عن الإنسان شيئًا، ومِن خلفه عالَمٌ يُصفِّق، يُنشِد لكل فَناءٍ يُحدِثُه هذا المستعمر.

قالت الروح: خيارُك أنك ثابتٌ فوق هذه الأرض، ثباتُك هو خيارُك، خروجك هو الهزيمة، بقاؤك فوق تراب الأرض التي عشقَتْك، يجعلُ منك شوكة، شوكة حادَّة قاسية لا تُكسَر، في حلق مَن تظن أنه يملك الخيار، بصورة أسهل بقاؤك هو في الحقيقة سلبٌ لإرادة المستعمر وخياره، ثباتك دليلٌ قوي على عجزِه وشلِّ قدرته، لكن إذا خرجت، عليك أن تستعدَّ لتناقض جديد، لا أستطيع وصفه، لا أستطيع شرحه لك الآن، لكنك ستعرفه تمامًا، ستُدرِكُه إدراكَ العاجز عن إقامة موازنة بين ما أنت وما يجبُ أن تكون.