التغطية الإعلامية ‘العربية والغربية’ للحرب على العراق من 3

بواسطة: أحمد عبد الفتاح سلامة

لقد اشتعل الجدل حول اداء وسائل الاعلام وخصوصاً القنوات الفضائية للحرب، حدث هذا في اميركا وبريطانيا والغرب كما في العالم العربي، وبالنسبة للرأي العام العربي المنحاز بشدة الى العراق كان الرهان الاكبر على الجزيرة لاعطائه ما يريد، لكن قنوات اخرى مثل ابو ظبي ابلت بلاء معقولاً في تلبية هوى الرأي العام بينما كان التحدي الاكبر امام قناة العربية التي ظهرت قبل شهرين فقط كقناة اخبارية منافسة للجزيرة.
كانت هذه اول حرب على هذا المستوى تشهد دخول الاعلام الفضائي العربي الى المنافسة باقتدار كامل. وكم ظهر فعالية توظيف المال بسخاء على هذا الميدان الجديد والاهم للاعلام، فلم تكن هذه القنوات ابداً اقل فعالية وحضوراً من الاعلام الغربي واستخدمت كل ادواته وتقنياته حتى ان الغيرة والغضب والضيق ظهر جلياً من هذا المنافس الذي لم يكن في اي يوم سوى موضع سخرية وشفقة في الغرب.
وفي مراحل حرجة من الحرب ابدى المسؤولون الاميركيون تبرماً صريحاً ونقدوا هذا الاعلام وعلى الاخص قناة ‘الجزيرة’ في ممارسة غير مسبوقة على هذا الصعيد، وكانت مناسبة لانطلاق كورس من التعليقات العربية حول افتضاح حقيقة الديمقراطية الاعلامية التي تتشدق بها الولايات المتحدة، حالما بدى ان هناك منافسة حقيقية تكسر احتكار توجيه الرأي العام.
وفي الحقيقة فقد ضبطت السياسة الاميركية متلبسة في تجنيد الاعلام (قسم منه على الاقل) بطريقة تتناقض مع المفهوم المستقر لمكانة الاعلام في الديمقراطيات.
ومن الحوادث الاشهر الاقدام على فصل بيتر ارنت النجم الغابر للعرض المنفرد من بغداد عام ،91 فصله من عمله بسبب وجهة نظر ابداها فيما بدا ظاهرة منكرة من اللاتسامح وفضيحة هللت لها التعليقات العربية، وسارعت قناة ‘العربية’ بعرض عمل على ارنت الذي بث لها تقارير من بغداد لكن دون اي تميز يضيف شيئاً مختلفاً عن الحشد الهائل من الصحفيين في بغداد.
وأظهرت الفضائيات العربية لأول مرة وبخاصة الجزيرة قدرة غير متوقعة لمنافسة الإعلام الغربي الذي كان في العادة يجول في الميدان وحده ويحتك المعلومة والصورة، وبالطبع لا تستطيع الجزيرة والقنوات العربية تعويض الفجوة الكبيرة في تدفق المعلومات والصور التي تقدمها الوكالات الغربية فهي تصاحب الجيوش الغازية وتستخدم إمكاناتها، ولكن القنوات العربية تتحرك وحدها في الساحة العراقية، وإن كان بعضها أيضا يرافق القوات الأمريكية والبريطانية.
لقد استطاعت الجزيرة والمحطات العربية أن تكشف كثيرا من التناقضات فيما تبثه الوكالات والمحطات الغربية وتجبرها على التراجع، والأمثلة كثيرة جدا، منها على سبيل المثال: الادعاء بعدم وجود قتلى وأسرى أو سقوط طائرات في الأيام الأولى للحرب حتى نشرت الصور في الجزيرة، وأجبرت الناطقين الأمريكان والبريطانيين على الاعتراف، ثم تحولت المعركة الإعلامية إلى الانتهاكات العراقية لاتفاقية جنيف لأسرى الحرب بعد أن كانت إنكارا لوجودهم ابتداء، وانتقد كل من بوش وبلير والقادة العسكريون قناة الجزيرة بالاسم لنشرها صور الأسرى.
وتتراجع الولايات المتحدة وبريطانيا –اللتان تلهثان وراء أي أخبار سارة من ميدان المعركة- بشكل يومي تقريبا عن مزاعم بتحقيق انتصارات في العراق بعد التسرع بإعلان هذه المزاعم ضمن حرب الدعاية.
فتراجعت القوات البريطانية عما زعمته الأحد عن أسر ضابط كبير في الجيش العراقي برتبة لواء في اشتباكات مع رجال المقاومة بجنوب العراق. وقالت إنها لم تتمكن من تحديد هوية هذا الضابط. وجاء التراجع البريطاني بعد إجراء قناة الجزيرة مقابلة مع الجنرال الذي زعمت القوات البريطانية أسره.
وفي مؤتمر صحفي مع الرئيس الأميركي جورج بوش زعم بلير أن العراق أعدم جنديين عرضت قناة الجزيرة صور جثتيهما. وتراجعت الحكومة البريطانية في وقت لاحق عن هذا الاتهام بعد أن قالت قريبة أحد الجنديين لصحيفة بريطانية إن الجيش أبلغها أن الجندي قتل في العمليات العسكرية.
لماذا تسقط الولايات المتحدة وبريطانيا في مأزق الكذب والتزوير؟
إن جزءا من المشكلة يعود إلى أن بريطانيا والولايات المتحدة تتعرضان لضغط سياسي يدفعهما إلى تصوير هذه الحرب على أنها تحقق نجاحا مضطردا، وهذا الأمر يأتي على خلفية حاجة ماسة لمواكبة اللهاث المحموم لوسائل الإعلام التي تغطي تطورات الحرب دقيقة بدقيقة على مدار الساعة على شاشات التلفزيون مباشرة.
وكانت الأنباء في حرب جزر الفوكلاند على سبيل المثال تحتاج إلى يومين حتى تصل إلى وسائل الإعلام ولكنها في هذه الحرب يمكن بثها بالصورة والنص والصوت في لحظات قليلة، وهذا يجعل القادة العسكريين تحت ضغط تقديم الانتصارات المتتالية، من قتل وأسر واكتشاف لمصانع الأسلحة الكيماوية والتعذيب، ولا بأس من التراجع عنها بعد ساعات أو أيام.
‘إنهم غدوا مثلنا’ جملة رُددت بفخر واعتزاز في معظم الصحف والمحطات الإذاعية والتلفزيونية العربية، فهم أي الإعلام الغربي وبخاصة الأمريكي يكذبون ويلفّقون ويبالغون مثل الإعلام العربي، وبرغم طرافة التعليق فإنه يوضح أن المتلقي العربي مازال غير مكترث أساسا بالاحتراف والنوعية والتنافس وكسر الاحتكار.
ولكنه لا يختلف عن الأسلوب الغربي أيضا في الخطاب الأمريكي والغربي، أنظر مثلا الاقتراح الذي صوت عليه الكونغرس الأمريكي بغالبية ساحقة (90%) أي بجمهورييه وديموقراطييه ليوم صيام وصلاة في الولايات المتحدة لنصرة الجندي الأميركي!
ويتساءل إعلامي عربي (مارك صايغ) معلقا على المشهد: هل هذه الحرب ستعيد الحضارة عقوداً إلى الوراء؟ أم أن التغطية الإعلامية لها، وعدم أحادية هذه التغطية، سيمنعان في نهاية الأمر تكريس الأفكار والمعتقدات الأكثر تخلفاً؟
بالطبع فإن وجود ‘الجزيرة’ والمحطات التلفزيونية العربية الأخرى يمنع تعميم الكذب والتلاعب بالأخبار كما كان قد جرى خلال حرب الخليج السابقة، حيث احتكرت محطة ‘سي ان ان’ المشهد الإعلامي، وقد انتظرنا سنوات لمعرفة بعض الحقائق، وفضح بعض الأكاذيب التي لفقتها الـ’سي ان ان’ ووكالاتها الإعلامية، أما اليوم فالأخبار الكاذبة حول موت زعماء عراقيين أو وجود مصنع لأسلحة الدمار الشامل، أو إطلاق صواريخ ‘سكود’ عراقية، أو سقوط مدن، أو اعتقال مسؤول عسكري… فقلما تعيش أكثر من ساعات قليلة، ومن ثم تضطر وسائل الإعلام التي لفّقتها إلى تكذيب الخبر والاعتذار للمواطن العالمي.